ألا فاسقني جهراً بقلم فايز العباس

انتظرتك كثيراً، مرّ عمرٌ طويل وأنا أقف في المحطة أراقب الوجوه وهي تمرّ من أمامي باتجاه المحطة التالية، أقرأ الحزن في الوجوه وأرى أيلول يتسلق الشفاه والعيون، لا ابتسامة تنقر وحدتي فالحمامات صارت أشبه بخلفية ثابتة ترافق الموسيقا التصويرية لكل الانفجارات التي تناثر فيها طين الأحبة وكأنها أرواحهم، والعصافير التي كنا نصطاد زقزقاتها من على أشجار الطفولة صارت تهاجر أرواحَنا، ومنها تعلمنا حصاد الذكريات في مواسم السفر الطويل.
انتظرتك كثيراً وراقبت في غيابك تعاقب الشموس والأقمار، وتعاقب الفصول الثلاثة في ظل غياب ربيعك.

ربيعُك الذي كان فصلي الوحيد. أذكر أني قلت للسائلين بأنك شجرة وأن غيابك صيّر روحي صحراء، وها أنا أبحث عن واحة ولو افتراضية يطلقون عليها تجاوزاً اسم الذكريات وأسميها طيفك، أتنقّل بين أحاديثنا مُذ أول كلمة أحبك حتى الموت البطيء الذي ترافق مع كلمة وداعاً، ولم ألتفت إلى قولك: لاتنتظرني؛ فالحرب التي ستغادرها لن تترك لك شيئاً تحضنه وتشم فيه الراحة والهدوء، أيتها الحرب غفرانك دعي لي ولو حفنة من فرح مكلل بالدموع، وسأنسى بأنك غراب كبير.

انتظرتك حين عبرت الحدود، وكان بي هاجس اللقاء القريب، وكثيراً كنت أهذي: الحدود انتقام من الماضي، وبرزخ مؤقت سنعبره، وهاهي الحدود صارت بلاداً يتهاوى عليها وفيها العابرون كأنهم أسراب فراش، وكأنها نار كبيرة. حذائي الذي ظل مغروساً في سبخة بغابات مقدونيا تركته دليلاً لخطا المهاجرين العابرين من موت إلى موت، اليوم طمره الدم وربما سيصبح دليلاً على المجزرة الجديدة التي عبرت الحدود خلفي.

انتظرتك، كلما رن هاتفي تعالى غيابك وصدق وعده بأني سأموت كثيراً لأني لم أمت هناك، كان الموت هو الدور المعروض علي في هذا المسلسل الدموي الطويل، ولأني أحب الارتجال غيرت قواعد اللعبة وقلت سأحيا، والنتيجة هي أني حي بحكم انتظارك وغيابي، وميت بحكم غيابي وانتظارك.

الشوارع التي تئن تحت القصف تشبه أوردتي حيث يسيل الدم هنا وهناك، والبيوت التي تأبطتْ أحلام سكانها تشبه قصائدي حيث كل بيت مقبرة، والشرفات التي غاب عنها المتسامرون تشبه عينيَّ فلا أصدقاء ولا نكات تساوي بين الضحك والبكاء، ليس سوى الفراغ.

انتظرت أن تأتي بك الطرقات فتهافتت الحواجز، وانتظرت أن ترفعك إليّ نسمةٌ فانتشر الهواء الأصفر، وانتظرت أن يجيء صوتك فارتفع صوت الهاون، وتوقعت حضورك في وفود المغادرين فتلقفك غبار المخيمات، وانتظرت أن تحملك موجة فانتصر السمك.

يكبر انتظارك كما تكبر طفلة في الزعتري، وقريباً نطفئ شمعته السادسة وهو لم يتعلم من اللغة سوى المذلة والتمرد والخوف والشتائم والانكسارات، يكبر في كنف الجوع والبرد والحر وانتقام الأشقاء من الشقيقة، تؤلمهم الشقيقة جداً، ولا سبيل لراحتهم سوى بالقضاء عليها.

كنت أهتف باسمك سراً فتردد الزروع اخضرارك، وحين صرّحت بلفظه تناهبتها المناجل وقالوا بأنها ذهب، وحدي كنت أعلم أنك ستصيرين خبزاً، وسيموت الناس على أبواب الأفران التي توزعك، وغارة بعد غارة تحاشاك الفقراء وهم يحلمون بكسرة منك لاترافقها الدماء، ولا تتعقبها الأشرطة السوداء على صور المعيلين، ولا تحتفل بها قنوات الإعلام بشريط الخبر العاجل.

انتظرتك سراً وحين تناثر الموت بين البيوت انتظرتك جهراً، وقلت بأنك العنب الذي قتلوا نواطيره وتناهبك الكبار كي يضرس الصغار بالحصرم، واتهمتْك الثعالبُ بأنك عنب حامض حين كنتِ أكثر علوّاً من قاماتها، وأبعد مما تستطيع، وفي موسم القطاف سكرنا وتعالت أصواتنا فباغتتنا الذئاب وانتظرتنا بنات آوى اللئيمات كي تعلن انتصارها، وتكسر دنان ماصنعته أقدام الحرائر من نبيذ، سكرنا كثيراً ورحنا نردد: “ألا فاسقني خمراً وقل هي الخمر/ ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهر”.

انتظرتك كثيراً ولازلت في المحطة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.