أكاذيب السياسة وخداع الشعوب

«السياسة هي فن استغفال الناس؛ لأن الساسة لا سياسة لهم… كل سياستهم أنهم يحاولون أن يكسبوا المعركة… شعارهم في ذلك «أنا وأنت نكسب»…«ديغول».

الأيام السورية؛ فرات الشامي

تشير كلمات «ديغول» إلى حقيقة عالم “السياسة”، إذ إن “النفاق السياسي” تجلى من خلال مفهوم «أنا وأنت نكسب» الذي أشار إليه “ديغول”، في حين أن “حلبة الصراع السياسي” ترسخ قاعدة “إما أنا وإما أنت”؛ فحرب المصالح السياسية تقول: «إذا أنا كسبت فأنت الخاسر، وإذا أنا خسرت فأنت الرابح»؛ وهي حقيقة أي معركة وأي صراع وكما يقال: “الحلبة لا تتسع لاثنين”.

يبدو أن علاقة الطلاق بين السياسة والأخلاق ليست مجرد نظرية، فالسياسة ترتدي لبوساً من التضاد الأبدي، وهذا بدا واضحاً من خلال تطورات الأحداث السياسية في حياة الثورة السورية منذ العام 2011 حتى اليوم.

المشكلة في عالمنا اليوم أن هناك حالة من هيمنة الكذب على الفعل والسوق السياسي حدّ الولوع بـ”الكذب والنفاق”، حتى إن السياسي الناجح بات يعرّف بأنه “من يتقن فن الكذب بمختلف أنماطه وأشكاله”. تلك الهيمنة أسبغت على مراحل التفاوض بين المتنازعين سمة “النفاق السياسي” بامتياز، وهذا لا يختلف عن مراحل سابقة مرّ بها التاريخ الإنساني القديم والمعاصر، و”فلسطين” أقرب الأمثلة. وإذا مررنا على طاولة المفاوضات التي التقى حولها المؤتمرون خلال السنوات الماضية حول الملف السوري، ومن خلال جرد بسيط لمقررات الاجتماعات السياسية في الأعوام الماضية؛ فإننا لن نجد إلا مزيجاً من التناقض والكذب.

حصيلة الجرد في نهاية العام تحسم دائماً لمن يقدم بضاعةَ جيدة من الكذب على الشعوب، بالتالي فإن الرابح أيضاً من يقدم عروض الاسترضاء للغرب.

نظام الأسد بدوره تبنى مقولة “جوزيف غوبلز” وزير الدعاية النازي السابق الشهيرة “اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون، ثم اكذب أكثر حتى تصدق نفسك”. علاقة متبادلة من النفاق، حققها حتى اللحظة نظام الأسد، فيما فشل “ائتلاف المعارضة” وسقط خاسراً في ميزان الربح السياسي وخرج من اللعبة بعد أن كان شريكاً وفتح الباب واسعاً للتطرف متمثلاً بـ”تنظيم داعش”، وهيمنة الأقوى على الأرض، فكانت الفوضى لصالح “الأسد” الذي بدا أن نظامه يمثل “نظام دولة”.

عسكرياً يبدو المشهد أكثر إيلاماً، فالكذب لم يعد حكراً على أروقة السياسة، حيث تحول اللباس العسكري إلى إمارة مزيفة على حساب الثورة _لدى البعض دون شك-ما يدفع للقول بأن فشل المعارضة السورية -“الممثل المبتدئ للسوريين”-نتيجة حتمية لحالة التشرذم السياسي والانفصال عن واقع الناس، وهذا يعتبر سقوط أخلاقي. ومن المفترض أن تستدعي هذه الحالة وجود علاقة ثلاثية بين السلاح والأخلاق والسياسة، هذا المثلث الغائب جزئياً بسبب هيمنة الوصوليين وأمراء الحروب.

الواقعية تقول في إطار الكلام عن “الكذب السياسي” الذي نعيش اليوم تبعاته في سورية، أن مسار عملية “خداع الشعوب” لم تنتهِ بعد. بل تؤكد ما سبق وقاله “ديغول”، فرسائل التضليل التي يمررها كذب السياسيون اليوم وإن فضحها ثوار سورية، لكن بعد تلك الفضيحة، وهنا مربط الفرس، “ما الذي تغير؟”.

الكذب على الشعوب قديم بدأه “فرعون مصر”، حين قال لقومه: }مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ{، وورثه سياسيو العصر الحديث، وراحت ضحيته شعوبٌ مخدرة، تعامل معها الساسة على مبدأ }فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ{، وحلّت “الطائفية والمذهبية”؛ وقيل وداعاً للدولة المتحضرة، فهل يعقل أن “إيران” تمثل ثورة الحسين ضد الظلم، أم هل يعقل أن “غيرها” يمثل فكر الإسلام؟ ليتجاوز بذلك السياسيون كلام الله }وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ{. لكن كما يقال: ((الكذبة لا تعيش حتى تصبح عجوزاً)) … ننتظر إذاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.