أقبية الملاجئ.. هرب من الموت وقصص تعيش مأساة الموت

محطات من التغريبة الشامية(1)

جاء الصباح، وسمعت كل واحدة منهن ذلك الخبر المفجع، وجاء أهالٍ لأخذ بناتهن وبقيت جارتي الشابة وحيدة بلا زوج وبلا أهل، وجاءت بعدها أخبار المجزرة التي راح ضحيتها حوالي ٤٠ شخصاً.

الأيام السورية؛ نور الشامي

ذات يوم.. هناك في أقبية الموت والظلام، كان قد مضى على إقامتنا في الأقبية قرابة شهر، في ظل انعدام لأبسط حقوق الإنسان الطبيعية من الطعام والماء الصالح للشرب، والأهم من ذلك كله انعدام الأمان.

كانت الساعات تمر علينا كأنها شهور، أطفالنا ترتعد خوفاً من هول الأصوات، النساء في خوف دائم من تلقي خبر مفجع بأحد ما، والرجال في دوامة لا تنتهي بين القصف المستمر والقلق منه، ومحاولة إيجاد ما يسد رمق الأطفال والنساء الجوعى.

الدنيا كجمرة حمراء

ذات ليلة قاسية لم أكد أنهي الدرجات الأخيرة لأصل إلى القبو، وأنا ألهث من الركض، حاملة طفلي الذي لم يكمل عامه الأول، حتى أصبحت الدنيا كجمرة حمراء أخفت كل ملامح الليل الكالحة المظلمة. صواريخ عديدة نزلت في شارعنا.. بكاء أطفال، نحيب نساء وصرخات رجال تطلب الهدوء وتحاول تخفيف الضجيج. عاد الجميع لأماكنه وبدأت حلقات الذكر والتهليل والأدعية والقرآن.
شيئاً فشيئا تغفو عيون الأطفال تعم السكينة قلوبنا، ولكن النسوة لا يتوقفن عن بعض الأحاديث الجانبية أو البكاء..

أخبار الموت

دقائق ويناديني زوجي بلهجته الشامية، لكني من نبرة صوته تنبأت بوجود خبر سيء.. أمسك معصمي الأيسر من خلف الستارة الفاصلة بين الرجال والنساء وطلب ألّا أتفوه ببنت شفة عما سأسمعه، وأن أحاول ضبط أعصابي، وأخذ يذكر لي أسماء الشهداء إثر الضربة الفائتة، وكلما ذكر اسم جديد شد على يدي أكثر وأنا أضع يدي على فمي لأكبت الصراخ الذي انفجر به قلبي داخلياً، ولكنني لم أستطع أن أمنع دموعي.

كرر عليّ تنبيهاته وذهب.. أسماء الشهداء تتكرر بذهني، وأنا منذ ساعات قليلة كنت قد شاهدتهم وأنا عائدة إلى بيتي في فترة ما سمي بهدنة الخمس ساعات، شباب بعمر الزهور، في مقتبل العمر.. جففت دموعي وحاولت التماسك ومن ثم عدت إلى مكاني متغيرة اللون من هول الأخبار التي تلقيتها.

الحياة في الملاجئ(مركز دمشق الإعلامي)

نساء في مهب الفقد

أتت جارتي لتسأل ما الأخبار؟ هززت رأسي نافية: لا أعلم!

لم أستطع النظر إليها حتى لا تلمح في عينيّ حزني الشديد عليها وهي حامل في شهرها السابع. تبكي وكأن قلبها قد أخبرها بيتم جنينها الذي لم ير الضوء بعد.. تبكي بحرقة وتسأل الله ألا يحرم ابنتها أباها الثاني، يكفيها ألم فقد أباها الحقيقي في قذيفة مماثلة.

عواصف تخترق جدران قلبي، تضرب بمعدتي الخاوية جداً من كل شي إلا من الألم ورغبة في التقيؤ من شدة التوتر والانفعال، وببالي يدور منظر صديقتي الأخرى الحبلى بطفل منذ سبعة شهور، وهي أيضاً فقدت زوجها ووالد طفلتها الأولى وابنها الذي تحمله في أحشائها، لكنها لم تفقد فقط زوجها لأنه ببساطة فقدت كل ما تملك فقد كان زوجها كل عائلتها فهي وحيدة تماماً دون أب أو أم أو أشقّاء.

تقابلني نظرات جارتي الثالثة التي تحاول أن تمسد صدرها وحنجرتها لعلها تخفف من خنقتها، كانت تقول: “أشعر أنني اختنق.. شيءٌ ما يمسك بعنقي ويشد عليه”، وتقول إنها خائفة على أهلها، لم تعلم أن خوفها وخنقتها في مكانهما فقد فقدت أحد إخوتها الشباب الذي لم يمضِ على ولادة طفله الأول أكثر من شهرين.. شاب طيب لطيف مسالم جداً على حد وصف زوجي.

الصباح بعد ليلة قاسية

جاء الصباح، وسمعت كل واحدة منهن ذلك الخبر المفجع، وجاء أهالٍ لأخذ بناتهن وبقيت جارتي الشابة وحيدة بلا زوج وبلا أهل، وجاءت بعدها أخبار المجزرة التي راح ضحيتها حوالي ٤٠ شخصاً.

كانت ليلة مؤلمة وقاسية شعرت أن بقايا بنائنا، أصبح موحشاً.. شارع بأكمله حزين مخيف يبكي شبابه وأطفاله، وأشلاء متناثرة تم العثور عليها بعد ساعات عدة.
هذا فقط في القبو الذي كنت أقيم فيه.. ثلاث شابات أرامل وأيتام لم يولدوا بعد وأمهات ثكلى، لكننا لا نملك حق الحزن عليهم كما يجب، كانت أهوال تلك الأيام أقسى من أن نحزن على فقد أحبائنا.

نساء وأطفال في الملاجئ (صحيفة العرب)

أطفالنا يميزون نوع القذائف من أصواتها

تمر الأيام ونحن بانتظار أن نسمع خبر انتصار أو توقف لآلة الحرب الهمجية، لكننا لم نكن نسمع سوى أصوات القذائف والصواريخ والبراميل، لدرجة أن أطفالنا على الرغم من صغر سنهم أصبحوا قادرين على تمييز نوع القذائف من أصواتها، تراهم في حلقات دائرية يتناقشون بالأمور السياسية ويطرحون وجهات نظرهم كأشخاص بالغين، يدركون ما يجري حولهم ليقطع أحاديثهم الشيقة صاروخ بعيد مر من فوقنا على عجل، أو فرقعات أمعائهم الخاوية التي لم تعرف الشبع منذ أيام طويلة، كان البعض من أطفالنا لا يعرف أنواع الفواكه أو الحلويات لأنه لم يرها من قبل، ولم يذق طعمها.

كنا نشعر بفرح يتلألأ في عيونهم حين نحدثهم عن أيام ما قبل الحصار، عن الأعياد، وعن السهرات العائلية. أردنا بذلك تعريفهم معنى الأمان الذي لم يجربوه من قبل، كنا نحدثهم عما بعد النصر عن الاحتفالات التي ستحدث، عن الأمل والخير الذي سيعم البلاد فتراهم يقفزون فرحاً يدعون الله أن يعجل ذلك اليوم الموعود.

أطفال الغوطة في الملاجئ (الجزيرة)

قصف جديد وخوف من غازات سامة

مرة أخرى يقطع حديثنا قصف جديد، ومرة أخرى يشاء القدر أن يتركز القصف على حيينا، لكنه كان من نوع مختلف، كان ذو رائحة كريهة ميزها عن غيرها ألم وحرقة كأنها أشواك تجرح المسالك التنفسية، فزع الرجال فجأة وسارعوا لإحضار المياه والأقمشة القطنية، وصدحوا بالخبر السيء: النظام يقصف مختلف أرجاء الغوطة بالكلور والغازات السامة لكنها ليست سارين.
كان لنا مع ليلة الكيماوي في آب الأسود تجربة مريرة منذ خمسة أعوام، جعلت كل الغوطة الشرقية تهتز خوفا من كلمة “كيماوي”.

بدأت رائحة الكلور تنتشر في القبو، وتزداد معها ضجة الأقبية ونحيب النساء وبكاء الأطفال، وفجأة بدأت مشاجرة بين الرجال لأن بعضهم أخبروا النساء بقصف الكلور مما تسبب بضجة عارمة زادت الطين بلة.. مرت دقائق وهدأ الرجال بعدها.

حاولت أن استجمع قواي وأحدث النساء قليلاً أن أخطار الكلور أخف من السارين، لأن إحدى النساء كادت أن تخنق طفلها وهي تسد أنفه وفمه بالقماش المبلل بالماء من شدة خوفها عليه.
هدأت النسوة قليلاً وأتى بعدها فريق من الدفاع المدني ونقلوا الأشخاص المتأثرين من الكلور والذين هم بالأساس من المصابين بأمراض تنفسية، فكانت شدة التأثير أكبر عليهم، وألقى بعدها الفريق محاضرة مختصرة شرح فيها الإسعافات الأولية وطرق الوقاية في مثل هذه الحالات، ليعم الهدوء قليلاً٠

عقب ذلك، استسلمت العيون للنوم بعد ساعات طويلة من التوتر والخوف الشديد، على أمل الاستيقاظ على فجر مفرح تنجلي معه ظلمة الواقع ووحشة الأقبية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.