أعترف أني مع النظام والتنظيم لهذه الأسباب

الكل عم يصرخ بوجه الآخر، مختلفين ع الدور.

الأيام السورية - حنظلة السوري

كغيري أيها السادة من أبناء سورية نعيش على “المعونات” وما تقدمه بعض المؤسسات “الخيرية”، وإن كان يوم الأمس أول مرةٍ أقف فيها داخل هذه الطوابير… الرجال في جانب… والنساء في طرفٍ آخر، والكل يترقب وصول السلة الغذائية.

خليط كموج البحر من البشر، ولا أحد يعرف الآخر، إلا قِلّة.

يدٌّ ما توضع على كتفي… وإذ بفتىً طويل القامة بلحيةٍ كثةٍ سوداء كقطعة ليل… يحمل البندقية خلف ظهره… يسألني:

  • (( شو رأيك باللي عم يصير؟ ))، بلهجةٍ شاميةٍ أعرفها.
  • أجبتُ على الفور: “الله يفرّج”.
  • سارع بالرد: “أنت من جماعة الله يفرّج معناها”.
  • لا أبداً، قلتها بيني وبين نفسي، فقد توجست خيفةً، إن صارحته برأيي.

أصرّ على الاستماع، وكرر السؤال.

لم أجد إلا القول: (( خرجنا نطالب بالحرية ودولةٍ تعددية، بادرنا بالرصاص، ثم تحولنا بين فكي كماشة بين الدولتين – أعني الأسد والبغدادي- فخسرنا الكثير، وعلى الله الفرج )).

بصوتٍ ساخر ومنظرٍ صادم، لفافة التبغ بيده، ينفث الدخان من أنفه، وصوته الخشن يقول: (( أنت ضد الدولة ؟! )).

عرفت الرجل، وعرفت إلى أيّ تيارٍ فكريٍّ ينتمي… ما هذا الحظ التعس؟!

وتبادر إلى ذهني بعض أصحابنا في العمل في زمنٍ ما، في قرنٍ ما، ذكرني بانتماء البعض لعمله… لقضيته… وسهولة التخلي عن مبدأه… ليس من أجل “دريهمات”، بل لهوىً في نفسه فيضيع ويضيع غيره… بينما “جماعة الدولتين” على “عقيدةٍ راسخة لا تفلت من أيديهم وعقولهم مع قلوبهم”، في وقتٍ نلهو فيه ونظن أننا نعمل.

ما الرابط بين الفكرتين…؟ إنّه النظام والتنظيم.

كانت إجابتي مباغتة، أنا أحبّ “التنظيم”… ولأننا ضيعنا ولاءنا له آلت الأمور إلى ما ترى.

بدت في عينيه الفرحة… وتغير وجهه وارتحت من الأسئلة، لكنني لم أسلم من “متطفلٍّ” كان يستمع قريباً للحديث الدائر.

أمسك بيدي… قادني لمكانٍ بعيد… همس بأذني: “أنت فتىً مثقف، لكن يبدو أنهم غرروا بك يا بني”.

  • من هم يا عم؟
  • الدواعش يا بني.

واسترسل بالكلام… يقنعني أن “التنظيم” دمرنا وأنّ “الفورة” –يقصد “الثورة” – لم تأت بخير.

  • يا عم، لو قلت له غير ما قلت، برأيك ما هو مصيري؟
  • عبوة ناسفة… رصاصة أقل شيء… أو ربما يؤخر أجلك حتى يقضى بأمرك.
  • عماه… أنا مع “النظام” والله العظيم، بس ياريت ما تتجاوز دورك وتسبق اللي قبلك، وتزمجر وتخلي النسوان يفوتوا قبلك، فبهت الآخر وانصرف.

يا سادة يا كرام:

بالشغل ما في لا نظام ولا تنظيم.

بالبيوت نفس الحكاية.

بالشارع على هاد المنوال.

ومن خلال “الأيام” خلوني أعترف:

أنا مع “النظام” من حيث هو بنية هيكلية مرتبة ووظائف مترابطة، ومتكاملة، تتفاعل معاً من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف المعينة خلال فترة زمنية محددة مسبقاً، كما علمونا في الجامعة… بل كما هو المفروض أن يكون.

وبصراحة أكبر أنا كمان مع “التنظيم”، هذا المصطلح الغائب من حياتنا كسوريين في بيوتنا وأعمالنا، ودقائق حياتنا، وهو من وجهة نظري يجب أن يتجلى بأبهى صوره في الكوادر الشابة، والتي مع الأسف “لا تريد”، إذ عبره يتم تطبيق مفهوم النظام بأسلوب صحيح، من خلال توزيع الأدوار بداية من الأسرة، إلى المدرسة مروراً بمؤسسات العمل والدولة.

الكل عم يصرخ بوجه الآخر، مختلفين ع الدور.

صراع مين وصل قبل الثاني، هي حقيقة بين الأفراد والفصائل، كلو بيشبه بعضو.

على كل حال، الغلبة لـ”نظام الأسد” و”النظام العالمي”؛ لأنه لا يزال حتى اليوم “نظام”، أما نحن “النخبة” – إن جازت التسمية – فبعيدون تماماً عن “رائحة النصر”.

عموماً الأنظمة العربية المتآكلة زرعت فينا هذه الفوضى، فكنا لها “أرضاً خصبة”، والبعض زمجر وامتعض، لكنه لما أتته الفرصة لـ”ينتفض” تقهقر للوراء، ورضي بوصاية “النظام الديمقراطي العربي”، وهو نظامٌ أقل ما يقال عنه: «نظام من أنظمة الحكم يبيح لنا الاعتراض على سياسة الحكومة, ويبيح للحكومة تجاهل اعتراضنا».

حملت “سلتي الغذائية” وكأني تجرعت كأس “خمرٍ” أمشي بترنح لأننا لا نحب النظام ولا التنظيم.

سامحوني أيها السادة، أيدكم الله بالهناء والسعادة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.