أطفال الغوطة.. ضحايا الحرب

محطات من التغريبة الشامية (27)

أصبحت أخاف البحث بين صور الشهداء والمصابين، أخاف أن أجد أحد أفراد عائلتي بينهم، وكيف لا وزوجي الذي لا أعرف عنه شيئا يتواجد في تلك المناطق، ولطالما كان القصف يستهدف المدنيين، لم أجد أي وسيلة لأطمئن به من خلالها، وتأبى الحياة دائما إلا أن تفجعنا بمن نحب.

الأيام السورية؛ نور الشامي

أركض لاهثة أتعثر بخطواتي الخائفة من صوت تلك الطائرة الذي ملأ الأفق، أصوات انفجارات الصواريخ جعلتني أدخل أول بناء أصادفه، أكاد التصق بتلك الزاوية المغبرَّة من شدة خوفي، أصوات الأبنية المتهدمة تختلط مع صراخ شديد، لطالما كانت وجهة هذه الطائرات المدنيين العزل والأطفال الأبرياء، حدث هذا حينما تركت طفلتي مع أمي ـ بسبب غياب زوجي بدورة عسكرية مغلقة لا يسمح فيها بالخروج من مكان التدريب ـ مضطرة للذهاب إلى “عربين” لقضاء بعض الأمور المهمة.

طفل تحت الأنقاض

كلي خوف ورهبة كون هذه البلدة إحدى الجبهات التي لا تهدأ ولا يتوقف القصف عليها أبدا، وبينما كنت أقضي أموري، أفرغت الطائرة حملها على البلدة، تمنيت لو تتشقق الأرض وتبتلعني قبل أن أرى ما يحدث.

اختفى ضجيج الطائرة، خرجتُ حذرة استكشف الخراب الذي حدث إلا أنني لم أجرؤ على المتابعة لهول المنظر من بعيد، غيرت مساري قليلا وتابعت المشي، لا أدري بنفسي ماذا أفعل، وبينما أحاول الخروج من هذه البقعة التي تحولت دمارا، تهيأ لي صوت خافت يأن، أحاول ملاحقة الصوت فيتضح أكثر فأكثر وأصل أخيرا إلى حائط تهدم من ضغط القصف الحاصل وتحت ردمه طفل لا يتجاوز العاشرة غطته دماؤه، رغم خبرتي بالإسعافات الأولية إلا أنني وقفت عاجزة عن مساعدته؛ لشدة خوفي من استثارة الألم عند التحريك، هرعت مسرعة باتجاه مكان القصف أنادي المسعفين الذين لم يوفروا أي مركبة تتحرك إلا واستخدموها في الإسعاف، ناديت أحد الشباب لإنقاذ الطفل، فأتى راكضا معه شابين آخرين، وصلنا للطفل الذي هدأ أنينه قليلا كأنه أغمي عليه، أخرجه الشباب وحملوه بسرعة.

لاحظت وجود كيس مغطى بالدماء، امتلكني الفضول لأعرف محتواه، فتحته فوجدت بقايا طعام وقطع من البلاستيك والنايلون، أشياء بلا فائدة أظنه كان يجمعها لعائلته الفقيرة، نعم فغيره الكثير من الأطفال هم ضحايا الحرب وباتو يعيلون اسرهم وعمالة الأطفال انتشرت بشكل كبير في الغوطة وتسربهم من المدارس منتشر كثيرا هذه الأيام، تركت الكيس بمكانه وآثار دماء الطفل البريء ملأت كلتا يديّ وقلبي يدعو له بالشفاء، أفكر بوالدته التي تنتظر عودته كيف سيكون حالها؟

لم أتجرأ على قول الحقيقة

اضطررت للعودة مشيا على الأقدام، الشوارع فرغت من وسائل النقل بسبب التحذيرات وفض التجمعات تحسبا لتكرار القصف، وصلت أخيرا للمنزل فوجدت أمي تحمل طفلتي وتنتظرني على النافذة فأخبار القصف ومكانه ينتشر بسرعة، تسألني بلهفة عن أخي المقيم هناك، فأجيبها أنني لم استطع بلوغ منزله ولكن منزله بعيد عن مكان القصف، لم أتجرأ على قول الحقيقة، أحاول ضبط أعصابي المتلفة بينما أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي لأجمع الأخبار من هنا وهناك، كانت حصيلة هذه المحزرة التي وقعت في التاسع عشر من شهر تموز ٢٠١٥(11) شهيدا وعدد كبير من المصابين.

وأنا أتابع اخبار المجزرة على “الفيس بوك” يمر بي منظر طفلة في نقطة الاستشفاء يقوم الممرض على تضميد جراحها، أتخطى الصورة قليلا، ثم أعود لها فأنا أعرف هذا الوجه تماما، هذه قطعة مني فكيف لم ألاحظها، وبلا وعي أصرخ باسمها “هاجر” فتنتبه أمي وتقف بجانبي ونكمل مشاهدة الصور، وهنا أيضا صورة ابن أخي بيده المكسورة ورأسه المضمد، تبدأ أمي بالبكاء وأحاول تهدئتها دون جدوى، وبينما نحن في خضم الحيرة والخوف يصل أبي، وفور دخوله يخبرها أن أخي وعائلته على قيد الحياة لكنهم تعرضوا للإصابة، باستثناء شقيق زوجة أخي “قصي” البالغ من العمر ٩ سنوات توفي هو وابن عمه.

وعلى عجلة من أمرها هيأت أمي نفسها وذهبت مع والدي للاطمئنان على أخي وعائلته، وبت مع طفلتي وأختي نفكر إلى متى ستبقى حالنا على نفس المنوال، قصف وغلاء وفقد وهوان؟

مجازر متكررة وزوجي بعيد

أشعر بوحشة رهيبة تعتريني كلما أدركني غياب زوجي، الذي أرسل لي رسالة ورقية مع أحد الشباب الذين لم يصبروا على إكمال التدريب فهرب، كان مفاد هذه الرسالة باختصار، أن هذه الدورة التدريبية مثال مصغر عن دورات الأغرار عند جيش النظام التي تمتاز بقلة الأكل، وقسوة التدريب، لكنها تختلف عنهم بحسن المعاملة والكلام المحترم.

وتكمل الأيام مسيرها وكأنها عجلة طاحونة في وسط عاصفة عاتية، تطحن بين راحتيها ما تبقى فينا من صبر وقوة وانتظار، يُميت فينا كل رغبة بالعيش، فبعد أسبوع تكرر مشهد المجازر الذي لا ينتهي، وهذه المرة كانت بلدة “دوما” هي الهدف، حيث ألقت الطائرة صواريخها في السابع والعشرين من شهر تموز عليها مخلفة ثمانية شهداء وعدد هائل من الجرحى.

أصبحت أخاف البحث بين صور الشهداء والمصابين، أخاف أن أجد أحد أفراد عائلتي بينهم، وكيف لا وزوجي الذي لا أعرف عنه شيئا يتواجد في تلك المناطق حسبما فهمت من حديث أبي وإخوتي، ولطالما كان القصف يستهدف المدنيين كذلك كان ينقض على المواقع العسكرية بشراسة مخيفة، لم أجد أي وسيلة لأطمئن به من خلالها، وتأبى الحياة دائما إلا أن تفجعنا بمن نحب.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.