أطفالُ في أتون المحرقة

ظاهرة تجنيد الأطفال أحد تداعيات الحرب السورية، تم من خلالها الزج بالصغار في محرقة حرب الكبار بتأثير عدة أسباب واستخدام عدة أساليب، فما هي؟

نصّار نصّار

خلّفت الحرب الدائرة في سورية منذ أكثر من ست سنوات الكثير من المآسي التي تعجز الكلمات عن وصفها، ويتعذر حصرها في هذا المقام، لكنّ الشيء المثير للقلق أكثر من غيره هو ظاهرة تجنيد الأطفال وجعلهم وقوداً للحرب من أجل تحقيق أجندات الكبار، تلك الكارثة الإنسانية المحظورة بموجب القانون الدولي والإنساني وطبقًا للمعاهدات والأعراف الدولية كانت ولا تزال تهدد الجميع دون استثناء، إذ لا تقتصر خطورتها فقط على الإحصائيات المرعبة لأعداد المجندين في أماكن النزاعات، بل تتعداها أيضاً للخلفيات الكامنة وراء تجنيد هؤلاء وانعكاساتها عليهم وعلى مجتمعاتهم حاضراً ومستقبلاً.

حيث أٌعطِى من خلالها الأطفال حق التصرف بأنفسهم بالبذل والتضحية في حربٍ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وبناءً عليه أصبح من المألوف جداً أن ترى صورة طفلٍ بريءٍ ملثّمٍ لا تبدو منه غير عينيه يَنُوءُ بحمل الكلاشينكوف وقد تصدّر الشاشات.

فما هي هذه الظاهرة وماهي الأساليب المتبعة في تجنيد الأطفال، ومن المسؤول عنها؟

أعادت الحالة السورية المعقدة فتح ملف استغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، فالأوضاع المتردية في الداخل السوري انعكست سلباً على وضع الطفولة غير المستقر، فحسب تقرير لليونيسيف نشر في 14 آذار 2017 بعنوان (في الحضيض – معاناة الأطفال في سوريا الأسوأ على الإطلاق) تم توثيق وفاة 652 طفلاً في عام 2016 وجُنِّد ما يزيد عن 850 آخرين لكي يحاربوا في النزاع الدائر وهو ما يشكل أكثر من الضعف مقارنة مع العام 2015، ويؤكد التقرير أن هذه الأرقام قياسية وغير مسبوقة تاريخياً وهو ما ينذر بكارثة حقيقة، إذ يتم استغلال الأطفال والتغرير بهم من قبل عدة أطراف ومجموعات قتالية سواء منها التي وفدت من الخارج أو تكوّنت في سياق الأزمة السورية ليكونوا وقود الحرب الدائرة.

لا شك أنَّ لهذه الظاهرة العديد من الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي أدت إليها ظروف الحرب؛ وما خلّفته من فقر ونزوح فالعلاقة بينهما طردية، ووفقاً لتقرير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) فإن هذه الزيادة الكبيرة في عدد الأطفال المجندين في سوريا أتت عقب سنوات من العنف والتشريد المستمر ـ إذ تضاعف عدد المشردين من الأطفال 12 مرة منذ عام 2012ـ وانعدام الخدمات الأساسية التي قللت من آليات التكيف مع الأسر. وهذا ما دفع الأطفال للبحث عن الأمن والحماية والغذاء وفرص العمل، وخلق مناخ استقطبهم للمشاركة في القتال، ترافق ذلك مع إقفال المدارس نتيجة الدمار الذي لحق بالكثير منها منذ بدايات الثورة نتيجة استهدافها من قبل قوات النظام السوري وتحوّل قسم منها لمراكز إيواء للنازحين.

ومن جهة أخرى فإن التركيز في مثل هذه الظروف على هذه الفئة يعد بديلاً يتسم بالكفاءة الاقتصادية عن المقاتلين البالغين، فهم الأسهل من حيث التأثير العقائدي عليهم بدافع الخوف أو الترغيب ومن السهل جداً التلاعب بمنظومتهم القيمية، كما أنهم محاربون أكفاء لأنهم لم يشكّلوا في أذهانهم بعد فكرة عن الموت أصلاً.

كل ذلك لا ينفي مسؤولية الوسط المحيط بالطفل بشكل عام وأولياء الأمور بشكل خاص في نمو هذه الظاهرة من خلال إهمال الأبناء وعدم متابعتهم بشكل جيد أو حتى عدم القدرة على استيعاب هؤلاء في المدارس.

تتعدد الأساليب المتبعة في اصطياد هذه الفئة العمرية، وكسب ولائها المطلق من أجل الزج فيها بالمحرقة، حيث تشكل مصيدة الاستقطاب الالكتروني أهم هذه الأساليب على الإطلاق والتي يمكن من خلالها إنشاء حسابات وهمية ومواقع الكترونية وأخرى للتواصل الاجتماعي التي يتم من خلالها بثّ مواد تسترعي انتباه هذه الفئات كألعاب الفيديو وقصص الأطفال والأناشيد لجذبهم وإقناعهم بالهجرة لينتهي الأمر ببعض المستهدفين إلى الدخول في اتصال مباشر مع عناصر هذه الجهات المُستغِلة والانضمام لصفوفها، ومن بعدها تبدأ المرحلة التالية والتي يتم من خلالها إخضاع الناشئة ممن ابتلعوا الطعم لدورات (شرعية) عسكرية يتم من خلالها غسيل أدمغتهم وذلك باستنساخ أساليب الأنظمة الشمولية عبر اختيار الناشئة وعزلهم لفترات طويلة وتدريبهم على رياضات جسدية عنيفة وتلقينهم أفكاراً تغذي رغبتهم بالموت، مستغلين حاجتهم للأمان والرعاية والأموال والمأوى ليتم إغراءهم بالامتيازات.

وفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان فإنّ هناك منحة لكل من يرغب من عناصر تنظيم الدولة بالزواج، وتشمل الـمنحة منزلاً بالإضافة إلى تأثيث المنزل ومبلغ 1200 دولار، علاوة على تأمين الوقود والرواتب المرتفعة والإضافات والتعويضات.

العلاقات الشخصية والعائلية ليست بعيدة عن هذه الأساليب إذ استُثمِرت للحصول على الدعم المالي أو إيجاد شبكة تجنيد، هذه الوسيلة ظهرت أكثر في المجتمعات الخليجية، بسبب ما تتمتع به من إمكانية مادية جيدة وكذلك تأثير العلاقات الاجتماعية الحميمة.

هذه الظاهرة لا تقتصر على جماعة بعينها بل هناك العديد من الأطراف التي تستغل الأطفال كوقود للحروب الدائرة في المنطقة، فقد جنّد النظام السوري الأطفال فيما يسمى بـ “جيش الدفاع الوطني” ثم في قوات اللجان الشعبية التي أنشئت في الأحياء وكان 40% من عناصرها دون الثامنة عشرة من العمر، هذا وقد ظهر “أشبال الخلافة” الذين يُخضعهم تنظيم الدولة لتدريبات مكثّفة على السلاح ويقتل طفولتهم بعقيدته، وكذلك الحال في صفوف الأكراد فلا رقم دقيق لـ “الأطفال الجنود” لكنّ الشي الأكيد أن هذه الأعداد ضخمة.

إزاء كل ذلك يُجمع الخبراء والعاملون على هذا الملف أنّ خطورة الموضوع تقتضي البدء بالبحث عن الحلول حتى قبل التوصل إلى حل سياسي، وإلا فإن سيكولوجيا العنف ستصبح واقعاً تحمله الأجيال القادمة لعقود طويلة.

فلا بدّ إذا ما أردنا إيقاف اتساع الحلقة المفرغة لظاهرة تجنيد الأطفال من تفهم الأسباب الجوهرية لتجنيد الأطفال لاحتواء هذه الظاهرة سواء من خلال تشريعات قانونية أو برامج إعادة تأهيل لأطفال حظوا بفرصة الخروج من جحيم الحرب.

مصدر اليونيسيف الجزيرة نت أورينت نيوز
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.