أطرافٌ صناعية تُساند الأحلام المبتورة

تُخلّف الحروب وراءها جيشاً من فاقدي الأطراف، وتُقلّص أحلامهم ليصبح مجرد العيش السويّ منتهى أمانيهم، فكان لابدّ من العمل على إنشاء مراكز خاصّة بهم، فهل نجحت في تأمين بعض الخدمات لهم؟

الأيام السورية؛ عفاف جقمور

عائدة ظهراً إلى بيتها بعد أن أنهت مهامها، تُرتب في ذهنها أعمالها المنزلية التي ستقوم بإنجازها بعد عودتها؛ توغل في شرودها وهي تمشي في طريقها، زادت سرعة خطواتها لدى سماعها صوت الطيران في الأجواء؛ لكنّ الصاروخ الذي نالت شظاياه منها كان أكثر سرعة، لحظة فارقة قلّصت أحلامها الكبيرة، وحوّلتها إلى محاولة يائسة للتأقلم والعيش بشكل سويّ من جديد.

إيمان المصري ذات الثمانية والعشرين ربيعاً فقدت ساقها اليسرى إثر غارة جوية على مدينة إدلب في أواخر عام 2015، أُسعفت إلى المستشفى ثم سافرت إلى تركيا لتلقي العلاج الفيزيائي، ترافقت رحلتها تلك مع افتتاح مركز تركيب أطراف صناعية؛ مما سهل عليها الحصول على طرف ميكانيكي بعد ثلاثة أشهر حيث كانت مرهقة من سفرها.

ما هي أعداد المتضررين بالبتر بسبب الحرب؟

لا يوجد إحصائيات دقيقة لعدد المتضررين في سوريا؛ لكنّه يقدر بين 50 ألف لـــ 70 ألف حالة بين طرف علوي وسفلي وبسيطة أو مركبة. حسب مصادر طبية في إدلب، ويعرّف البتر أنه فقدان طرف من الأطراف العلوية أو السفلية بشكل جزئي أو كلي؛ ويعمد الأخصائيون إلى تركيب الأطراف بهدف القضاء على الإعاقة.

افتتحت مراكزٌ لتوزيع أطرافٍ مجانية داخل سوريا وتركيا؛ لكنّها لم تغطِ أكثر من 20% من الحاجة الفعلية لها، وتقوم بعض المراكز بصناعتها محليّاً، الإداري في المشروع الوطني السوري “علاء البري” يقول: إنّ مركزهم افتتح عام 2014م ولديهم 2500 مريض مسجلين حتى الآن، واستطاعوا تركيب مما يقارب 1500 طرف منهم 70% ذكور و30% بين أطفال ونساء.

وفي حديث له إلى جريدة الأيام أوضح أن: “المركز يحضّر القطع الأساسية من تركيا ويقوم التقنيون بتفصيلها محلياً حسب حاجة الموجودين”، ويضيف: “قد يطول الدور المخصص لكل حالة بسبب قلة المواد وكثرة البتور وصعوبة إدخال المواد من تركيا. إضافة إلى نقض الفنيين الموجودين ما يضطرنا إلى تدريب تقنيين جدد”.

أبو صلاح يقوم بتصنيع الأطراف الصناعية من بقايا الخردة لمساعدة من بُترت أطرافهم في دوما (راديو ألوان)

ما هي أنواع الأطراف التي توزع؟

“صناعة الأطراف الصناعية تحولت لفن متطور بشكل دائم” حسب ما أفادنا الطبيب حمزة دياب مدير مركز خطوات الإرادة التابع لجمعية القلوب الرحيمة الدولية iphs في حديث له إلى الأيام، لكنّها بحسب الطبيب نفسه وافدة على البيئة السورية إذ لم يكن هناك اهتمام في هذا المجال كان هناك مركز في حاميش بريف دمشق وفي حلب.

عالميا تقسم الأطراف الصناعية إلى أنواع عدة، فالأطراف السفلية تقسم إلى ثلاثة أنواع “الميكانيك” التي تمنح نصف حركة، وهناك “النوماتيك الهوائي” التي تمنح حركة أفضل كما توجد “الهيدروليك” المتقدمة ذات التحرك السهل.

“يستطيع المريض بالطرف الهيدروليك أن يمشي ويصعد الدرج بدون أدنى مشكلة، لكن الطرف الميكانيك يحتاج لعكاز مساعد لان أمنيّات الطرف ضعيفة” بحسب شرح الدكتور دياب مؤكداً: أن “الأطراف الميكانيكية تحتاج لمشدات وأربطة أما الهيدروليك يعتمد على حساسات توضع على سطح الجلد”، لكن سعر هذا النوع من الأطراف كبير “قد يصل إلى 70 ألف يورو من نوع جينتيوم” حسب الطبيب نفسه، أما الأطراف العلوية فهناك “الميكانيك” و”العضلي” والذكي” الذي يستطيع أن تتحكم بواسطته على حركة الأصابع وقد يصل الأخير إلى 30 ألف يورو أيضاً، ويؤكد أنها صناعة متطورة وهناك أطراف جديدة تنزل إلى السوق كل سنة أفضل من سابقتها.

شاب سوري يساعد صديقه الذي فقد قدمه في حلب للوصول مشياً إلى النّمسا(هيومن رايس ووتش)

هل يمكن للمتضرر بالبتر أن يستعيد حياته بشكل طبيعي؟

يقول الدكتور حمزة إن: “المريض يحتاج إلى خدمة جيدة وطرف جيد كي يستعيد حياته”، المراكز الخيرية التي تقدم الأطراف مجانا للمرضى.

خدماتها جيدة لكن أنواع الأطراف متوسطة؛ بسبب قلة الدعم وارتفاع أسعارها، إذ أنّ تلك المراكز تقدّم الأطراف الميكانيكية فقط.

ويشير إلى أن تقديم طرف جيد للمريض يستطيع عن طريقه استعادة جزء كبير من حياته. لكن المقارنة بين الطرف الصناعي والطبيعي صعب إذ أن أفضل طرف لا يمكنها تنفيذ أكثر من 7 % من الحركة الطبيعية كحد أقصى بحسب الدكتور دياب الذي أضاف أن “الفنيين في المركز لديهم قاموا بإرسالهم للشركة الألمانية التي يقومون بالتعامل معها والاستفادة من الأفكار الجديدة.

إيمان المصري تساعد إحدى النساء من ذوي الاحتياجات الخاصة (يوتيوب قناة آرام tv)

وقد يكون الطرف حلماً:

أبو صالح وزوجته من الغوطة الشرقية بتر أحد الطرفين السفليين لدى كلّ منهما، قاموا بالتسجيل في أحد المراكز منذ أكثر من سنة دون أن يحصل أيّ منهما على طرف، يقول القائمون على المراكز أن: الحصول على المفاصل ليس بالأمر السهل لأن بترهم “فوق الركبة”، ويقول أبو صالح أنه ملّ الانتظار والتنقل بين المراكز المجانية دون أن يحظى وزوجته بطرف يساعدهم على تخطّي الصعوبات التي يواجهونها.

إيمان المصري الأم المعيلة لطفلين استطاعت أن تحصل على طرف ميكانيك بواسطة جورب سيليكون وليس طرفا ذكياً، تقول: إنها وجدت صعوبة لتحصل على عمل مناسب لها بسبب وضعها الصحي، واستطاعت بعد سنة أن تمارس حياتها بشكل شبه طبيعي، “كل أربع ساعات عمل أحتاج لأربع ساعات راحة” وتشير إلى أنها تحتاج إلى تأهيل وتدريب دائمين لأقدامها اتقاء لما قد يصيبها من ضمور “أفكر في تركيب طرف ذكي يساعدني في عملي بشكل أفضل”.

إيمان الحاملة لبكالوريوس أصول الدين أدركت طريقة التأقلم على الحياة في وضع جديد، وحاولت أن تساعد مثيلاتها في تجاوز مشاكلهن، شاركت في مسابقة “صناع الأمل” حاملة على عاتقها مسؤولية أمثالها ممن واجه ذات العجز الذي سبب لهن ضعفاً ما.

مصدر أرشيف الأيام
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.