أصول العلاقات الأميركية – التركية الجديدة (1/3)

10

بقلم: جورج فريدمان
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

منذ العديد من السنوات، حدث تحول كبير في الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط؛ حيث سعت واشنطن باستمرار إلى تجنب القتال في هذه المنطقة.

قوتجد الولايات المتحدة اليوم نفسها مضطرة إلى البحث عن توافق مع تركيا؛ الدولة التي تشكل قوة إقليمية في حد ذاتها، بناءً على شروط ضرورية من الناحية الجيوسياسية لكلا البلدين.

وكانت علاقتهما مضطربة. وعلى الرغم من أنها قد تستمر في أن تكون كذلك لفترة من الوقت، فإن التوتر فيها سيتراجع. ولا علاقة لتوافقهما بالمودة المتبادلة بقدر ما تتعلق بالضرورة المتبادلة. ويشكل التوغل التركي الأخير في سورية، ورد الفعل الأميركي عليه، جزءاً من هذا التعديل الذي له أصول عالمية وتداعيات إقليمية.

بالمثل، هناك أصل جيوسياسي واستراتيجي لقرار الولايات المتحدة التنحي جانباً بينما تقوم تركيا بعملية التوغل في شمال شرق سورية. والأصل الاستراتيجي هو صدام بين عناصر وزارة الدفاع الأميركية والرئيس الأميركي.

فقد تشكل مجتمع الدفاع في الولايات المتحدة متأثراً بحرب ما تزال مستعرة منذ العام 2001. وخلال ما تسمى “الحرب الطويلة”، أنشأت الولايات المتحدة هيكل تحالف مع مختلف الجماعات الوطنية وما دون الوطنية.

ومع ذلك، ما تزال المنطقة بعيدة عن التوازن. فقد وسع الإيرانيون مجال نفوذهم غرباً. والعراق في حالة فوضى. وما تزال الحرب الأهلية اليمنية محتدمة، وقد انتهت الحرب السورية الأصلية، بطريقة شرق أوسطية للغاية، أي بشكل غير حاسم.

لقد نضج جيل من المفكرين العسكريين والدفاعيين الأميركيين وهو يخوض الحروب في الشرق الأوسط. وكانت “الحرب الطويلة” هي حياتهم المهنية. وأمضت عدة أجيال من هؤلاء حياتهم المهنية في توقع أن تدخل الدبابات السوفيتية إلى “فجوة فولدا”.

واعتقد محاربو الحرب الباردة أنه لا يمكن تخيُّل عالمٍ خالٍ من الحرب الباردة. ويمكن قول الشيء نفسه عن أولئك منهم الذين شكلتهم حروب الشرق الأوسط. بالنسبة لجيل الحرب الباردة، كان حلف “الناتو” هو أساس تفكيرهم.

وكذلك كان الأمر بالنسبة لجيل “ساندبوكس”، الذين قضوا حياتهم المهنية وهم يتناوبون على الخدمة في العراق أو أفغانستان أو أي مكان آخر، حيث بدت التحالفات التي تشكلت معهم والأعداء الذين يقاتلونهم أبديّين. كانت فكرة أن العالم قد مضى قُدماً، وأن “فولدا” وحلف الناتو أصبحا أقل أهمية، شيئاً لا يمكن تصوره عاطفياً. وأصبح يُنظَر إلى أي تحول في التركيز وبنية التحالفات على أنه خيانة.

بعد انتهاء الحرب الباردة، اتخذ جورج دبليو. بوش قراراً بتخفيض عمليات النشر الجوية لطائرات B-52 على مدار 24 ساعة في الشمال، والتي كانت تنتظر في السابق وقوع الهجوم السوفياتي. فقد تغير الواقع، واتخذ بوش ذلك القرار بعد عام من بدء انهيار أوروبا الشرقية.

وفعل ذلك في وقت مبكر يوم 21 أيلول (سبتمبر) 1991، بعد سقوط جدار برلين، وإنما قبل انهيار الاتحاد السوفياتي بالكامل. وكان قراراً مثيراً للجدل. كنت أعرف بعض الأشخاص الجادين الذين اعتقدوا بأننا يجب أن نكون منفتحين على احتمال أن يكون الانهيار في أوروبا الشرقية مجرد غطاء لهجوم سوفياتي قادم، وكانوا مستائين للغاية من قرار تخفيض نشر الطائرات الأميركية.

من الصعب أن نقبل بحقيقة أن حقبة قد انتهت فعلاً وذهبت إلى سجلات التاريخ. وتشبث أولئك الذين تشكلوا في تلك الحقبة، من خلال مزيج من الشعور بالخطر والحنين، بالأشياء نفسها التي تتردد في أذهانهم.

وقد تحدث البعض (ولو أنهم ليسوا من الأوروبيين) عن خيانة لأوروبا، وأعرب آخرون عن أسفهم العميق لأن الأسلحة التي عملوا بجد لجعلها قريبة من الكمال والاستراتيجية والتكتيكات التي ظهرت على مدى عقود لن تتم تجربتها أبداً.

حدث الشيء نفسه بطرق مختلفة في الشرق الأوسط. فقد أنتج الانتشار العسكري على مدى فترة تقترب من 20 عاماً أنماط سلوكية وتوقعات والتزامات، وليس فقط بين الأفراد وإنما على مستوى أكثر مؤسسية في جميع تكوينات القوات المسلحة.

لكن المهمة تغيرت. في الوقت الحالي، تقلص وجود تنظيم “داعش” إلى حد كبير، وكذلك تنظيم القاعدة. وانتهى الصعود السني في العراق، وحتى الحرب الأهلية السورية لم تعد كما كانت من قبل. ولم تبدأ حرب ضد إيران، وقد لا تحدث على الإطلاق، ولن تشبه في حال اندلاعها الحروب التي خيضت في المنطقة حتى الآن.

يولد هذا الواقع بشكل حتمي إعادة تقييم استراتيجية، والتي تبدأ بقبول حقيقة أن الحقبة السابقة قد ولت فعلياً. كان من الصعب التحول من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الباردة، ومن الحرب الباردة إلى عالم اعتقد الكثيرون أنه قد تسامى عن الحرب، ليكتشفوا بعد ذلك أن الحرب علِّقت فقط وأنها استؤنفت الآن.

وتتظاهر الحرب والإستراتيجية بأنهما غير مرتبطين، لكنهما مسعيان عاطفيان لا يستوعبان التغيير الجوهري بسهولة. والآن، بعد 18 عاماً من الحرب، ثمة شيئان أصبحا واضحين تماماً: الأول هو أن الهدف المتواضع المتمثل في كبح جماح الإرهاب قد تحقق؛ والثاني هو أن الهدف النهائي المتمثل في خلق شيء يقترب من الديمقراطيات الليبرالية في الشرق الأوسط لم يكن ممكناً أبداً.


جورج فريدمان، متنبئ واستراتيجي جيوسياسي معروف دولياً في الشؤون الدولية، مؤسس ورئيس مؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز”.


نشر هذا المقال في مجلة (جيوبوليتيكال فيوتشرز) تحت عنوان:
The Origins of New US-Turkish Relations
وتم نشر الترجمة في جريدة الغد الأردنية بتاريخ 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.