أصول العلاقات الأميركية – التركية الجديدة (2/3)

5

بقلم: جورج فريدمان

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

الثبات على المبدأ:

تغير العالم بشكل كبير منذ العام 2001. برزت الصين كقوة كبرى، وأصبحت روسيا أكثر نشاطاً. وأصبحت إيران، وليس الجهاديين السنة، هي التي تشكل التحدي الرئيسي في الشرق الأوسط، وتغير هيكل التحالفات اللازمة للتعامل مع ذلك تغييراً جذرياً منذ حملتي “عاصفة الصحراء” و”حرية العراق”.

وبالإضافة إلى ذلك، تغيرت التحالفات من حيث القدرة أيضاً. انتهت عمليات الانتشار العسكرية الضخمة في الشرق الأوسط، لكن بعض القوات ما تزال هناك. وبالنسبة لقسم من الجيش الأميركي، فإن الحرب الجهادية ما تزال مستقرة في مركز تفكيرهم. وبالنسبة إليهم، ما تزال التحالفات التي نشأت على مدار الأعوام الثمانية عشر الماضية حاسمة بقدر ما كان سلاح الجو البلجيكي مهماً خلال الحرب الباردة.

هناك فصيل آخر متزايد القوة في الولايات المتحدة، والذي ينظر إلى الشرق الأوسط كمصلحة ثانوية. وفي كثير من الحالات، يشملون إيران في هذا. وينظر هذا الفصيل إلى الصين أو روسيا (أو كليهما) باعتبارهما المنافس الأساسي للولايات المتحدة، ويرى أعضاؤه أن الشرق الأوسط هو عامل تشتيت غير مُجدٍ ومصدر لتجفيف الموارد الأميركية لا طائل تحته.

بالنسبة لهم، كان جلب الصراع هناك إلى نهاية شأناً حاسماً. وذلك، أصيب أولئك الذين صنعوا حياتهم المهنية في هذه الحرب وفي تحالفاتها بالرَّوع. كانت رؤية الرئيس دونالد ترامب ثابتة لم تتغير. بشكل عام، اعتقد بأن استخدام القوة العسكرية الأميركية في أي مكان يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة.

ولذلك، رفض بدء القتال في كوريا الشمالية. ولم يهاجم إيران بعد إسقاطها طائرة أميركية من دون طيار أو بعد استيلاء إيران على ناقلات النفط في مضيق هرمز. وبعد الهجوم على منشأة النفط السعودية، قام بزيادة الدفاعات الجوية في السعودية، لكنه رفض شن هجمات ضد الإيرانيين.

بالنظر إلى هذا التحول في الاستراتيجية الأميركية، تظهر الآن ثلاث مهام أساسية: الأولى هي احتواء الصين. والثانية هي احتواء روسيا. والثالثة هي احتواء إيران.

وفي حالة الصين، فإن هيكل التحالف الذي طلبته الولايات المتحدة هو في المقام الأول الأرخبيل الممتد من اليابان إلى إندونيسيا وسنغافورة -بما في ذلك كوريا الجنوبية.

وفي التعامل مع روسيا، هناك موضعان للاهتمام: الأول هو سهل شمال أوروبا؛ والآخر هو البحر الأسود. وتشكل بولندا الحليف الأميركي في الشمال، ورومانيا في الجنوب.

لكن إدراج تركيا في هذا المحور يمكن أن يعزز الإطار المعادي لروسيا. كما سيوفر، بالإضافة إلى ذلك، مركز ثقل مهم في وجه التوسع الإيراني.

وأهمية تركيا واضحة. ولذلك تطلب ودها كل من روسيا وإيران على حد سواء. وليست تركيا هي البلد نفسه الذي كانت عليه قبل عقد من الزمن. فقد نهض اقتصادها ثم ذهب بعد ذلك إلى الأزمة. ومرت بمحاولة انقلاب، وكان الضغط فيها الداخلي هائلاً. لكن هذا النوع من الأزمات شائع في القوى الناشئة.

كانت الولايات المتحدة قد شهدت حرباً أهلية في الستينيات من القرن التاسع عشر، لكنها كانت بحلول العام 1900 تنتج نصف السلع المصنعة في العالم، بينما تفتخر بقوات بحرية قوية هي الثانية بعد البريطانية في ذلك الحين. ولا تعني الأزمات الداخلية بالضرورة الانحدار الوطني. بل إنها يمكن أن يعني الصعود الاستراتيجي.

يبقى تحالف تركيا مع إيران وروسيا دائم التوتر. فقد خاضت إيران وروسيا في أوقات مختلفة حروباً مع تركيا، واعتبرتا العراق دائماً مصدر تهديد. وفي الوقت الحالي، لدى هاتين الدولتين مصالح أخرى وتبدو تركيا مستعدة للعمل معهما.

لكن تركيا تعرف التاريخ جيداً. كما أنها تدرك أن الولايات المتحدة هي التي ضمنت السيادة التركية في مواجهة التهديدات السوفياتية في حقبة الحرب الباردة، وأنه ليس لدى الولايات المتحدة -على العكس من روسيا وإيران- طموحات إقليمية أو احتياجات من تركيا. وباعتبارها حليفة مسبقاً في حلف شمال الأطلسي وبوجود العلاقات الثنائية التاريخية بين البلدين، فإن العلاقة مع تركيا تصب في مصلحة الولايات المتحدة لأن الأولى تشكل هيكلاً يهدد الطريق الذي تقيمه إيران إلى البحر الأبيض المتوسط ويكمل التحالف الروماني-الأميركي في البحر الأسود.

كما أن الولايات المتحدة وتركيا معاديتان أيضاً للحكومة السورية. وبالنسبة لتركيا، لا يمكن التنبؤ بروسيا وإيران على المدى الطويل، ويمكنهما أن تهددا تركيا عندما تعملان معاً. ويتوافق الاهتمام الأميركي بتركيا مستقلة تقف في وجه روسيا وإيران مع المصالح التركية طويلة الأجل.


جورج فريدمان، متنبئ واستراتيجي جيوسياسي معروف دولياً في الشؤون الدولية، مؤسس ورئيس مؤسسة “جيوبوليتيكال فيوتشرز”.


نشر هذا المقال في مجلة (جيوبوليتيكال فيوتشرز) تحت عنوان:

The Origins of New US-Turkish Relations

وتم نشر الترجمة في جريدة الغد الأردنية بتاريخ 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.


إقرأ المزيد:

أصول العلاقات الأميركية – التركية الجديدة (1/3)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.