أسميتها جوري.. سنتين من الاعتقال لفلسطيني قبل حصوله على البراءة

إلى متى ستبقى عصا السلطة في أيدي أشخاص مرتبطين بنظام الاستبداد، ويتم من خلالها الحاق الضرر بالبشر على اختلاف جنسياتهم؟

خاص الأيام السورية

تستمر قوات الأسد بالتفنن بأساليب الاعتقال بدءً من الأسباب المباشرة لعملية توقيف الأفراد سواء إن كانوا من السوريين أو من الجنسيات الأخرى، ولطالما تحدث البعض عن أساليب التعذيب، والاعتقال في ظروف أبعد ما تكون عن الإنسانية.

سنتين ونصف داخل أقبية الفرع

لكن أن تعيش المغامرة (إن صح التشبيه) أمر، وأن تسمعه من الغير موضوع أخر، بهذه الكلمات بدأ (ن،س) فسلطيني الجنسية حديثه لـ الأيام السورية، معرباً بالدرجة الأولى عن سعادته الغامرة بالتخلص من إجرام لا يمتّ لها بصلة، تم اتهامه بها من قبل فرع المخابرات العسكرية (235) الكائن في منطقة القزاز في العاصمة السورية دمشق.

سنتين ونصف أمضيتها داخل أقبية الفرع بعد أن تم احضاري موجوداً من الحدود السورية الأردنية “معبر نصيب” أثناء قدومي إلى دمشق من مدينة الخليل في فلسطين، وذلك من أجل حضور ولادة زوجتي بطفلنا الأول.

لكني تفاجأت بتسارع وتيرة الأحداث مع دخولي للفرع، واتهامي بأني عميل وجاسوس لمصلحة المخابرات الإسرائيلية، علماً بأن لي مكانتي المرموقة في مجتمعنا الفلسطيني، وأعمل مهندس كهرباء، وليس لدي أي وقت فراغ خارج ساعات عملي.

لم تشفع لي كل الأوراق الثبوتية التي كانت بحوزتي، والإثباتات التي قدمتها، طلبت من المحقق آنذاك بالتقصي عنها في موطني الأم، ولكن (عبثاً تحاول) أمضيت ما يقارب الستة أشهر في إحدى الزنزانات الجماعية المكتظة تحت الأرض، ليتم اقتيادي إلى أسوء مكان في حياتي، الزنزانة الفردية.

أمضيت عامين دون أن أتحدث مع بشر قط

في ذلك الركن المظلم الذي تغيب عنه أدنى مقومات الحياة، تم احتجازي لمدة عامين، دون أن يسألني أحدهم عن اسمي بأبسط الأحوال، غابت الدنيا عني، وحاولت جهدي ألا أفقد سيطرتي على نفسي حتى لا ينتهي مصيري كباقي المعتقلين الذين قضوا بعد ما تراجعت حالتهم الصحية جراء التفكير الزائد، وهو ما يشتهر بتسميته داخل الفرع بـ (الفصل).

كان الخروج من الزنزانة منوط بأمر واحد ألا وهو التوجه إلى الحمامات في كل يوم مرتين ولمدة لا تتجاوز في المرة الواحدة الخمسة عشر ثانية، ويتم منحي بضع ثواني لأقوم بتعبأة عبوة من الماء لشربها في الداخل.

سمسم كان ملاذي الوحيد في زنزانتي المظلمة

أيام وليال تعاقبت على وأنا بمفردي، قبل أن أنجح باستدراج عطف أحد الصراصير الذي بات يزورني يومياً لأتحدث إليه، بشرط أن أكرم ضيافته ببعض فتات الخبز الملقى على مقربة من باب الزنزانة المنفردة.

أسميته (سمسم) وقد أحب هذا الاسم بدلالة أنه كان يزورني يومياً، وكان لسمسم الفضل الكبير بحفاظي على عقلي سلياً من الأذى، حيث كنت أشكو إليه همي، في ظل عدم جرأتي على رفع رأسي لمحادثة البشر (السجان) طيلة تلك الفترة، وأحدثه عن شوقي لعائلتي وطفلتي التي لم أراها، إذ كنا قد اتفقنا أنا وزوجتي المقيمة في دمشق بحكم عملها (طبيبة أسنان) على تسمية طفلتنا بـ جوري.

صورة تعبيرية(منظمة العفو الدولية)

تلف الأعصاب

وبعد مرور عامين يزيدون أو ينقصون قليلاً، استجيبت دعواتي، وربما يأسوا من مكوثي عندهم دون أي فائدة تذكر، لا أنسى صراخي الذي اختنق في صدري خشية أن يسمعني أحدهم، وأنا أطالب بتوقيف صوت عقارب الساعة التي أتلفت أعصابي لأيام وأشهر طوال.

جاء السجان وقال لي.. حضر أمتعتك، أصلاً لم يكن لدي أي أمتعة لأحضرها، وفتح بالباب، وتم سوقي إلى مكتب التحقيق للبصم على محضر التحقيق الذي اصفّرت أوراقه مع مرور الأيام.

من جهته تحدث غدير عن الموقف بفجاءة أكبر وهوة أحد الخارجين في نفس اليوم مع (ن،س) قائلاً لـ الأيام: عند رؤيته لي بدأ يتحسس يدي ووجهي، ولا أكاد أنسى ابتسامته العريضة التي ترتسم على كامل وجهه مخاطباً إياي ( هل هو حلم؟ هل أنت بشر وأنا أتحدث إليك؟)

لقائي مع زوجتي وطفلتي كان صادماً

تم اقتيادنا لفرع الشرطة العسكرية في القابون وهناك تعرفت عليه بتفاصيل أكبر، وكان يطلب مني مناداته بـ أبو جوري كناية باسم ابنته التي لم يراها، وبعد وصولنا إلى سجن عدرا المركزي، كان يحتفظ ضمن أماناته العينية بمفكرة الهواتف، ليتصل بزوجته التي صعقت من هول المفاجأة.

أنا بسجن عدرا أحضري طفلتنا وتعالي لأراكما، لم يزد عن هذه الكلمات أي شيء، وكانت كلماته كفيلة بانهمار دموعه دون أن تتوقف، بحسب روايته، وكانت المفاجأة بأن ابنته التي طالما انتظر رؤيتها ليناديها باسمها المختار، قد عدلت زوجته الاتفاق وعمدت على تسميتها “أشواق” للتعبير عن مدى شوق الأم لزوجها الذي غيبته أقبية الأفرع الأمنية لنحو عامين دون أي خبر يذكر.

براءة بعد عامين من الاعتقال

حصل (ن،س) على براءة من محكمة الإرهاب لعدم توفر أدلة جنائية ضده، وبذلك يكون فرع المخابرات العسكري (235) قد قضى على نحو عامين في غياهب سجونه على شخص مدني فلسطيني دون أي حاجة تذكر، ويبقى السؤال إلى متى ستبقى عصا السلطة في أيدي أشخاص مرتبطين بنظام الاستبداد، ويتم من خلالها إلحاق الضرر بالبشر على اختلاف جنسياتهم؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.