حكام العالم وشجرة النبوة

ما السرّ الذي يدفع حكام العرب وغيرهم لينتسبوا إلى الله أو حتى آل بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم؟

الأيام؛ حنظلة السوري

يومها كنت في الابتدائية عندما طُلِب مني أن أهتف أمام “الرفاق الطليعيين” على تلك المنصة العالية عبارة كتبتها الآنسة “ابتسام” على ورقة صغيرة لأحفظها كاسمي –كما قالت-: ((قل هو الله أحد الله الصمد خلق شعباً عظيماً واصطفى منه الأسد))، المناسبة في حينها تجديد البيعة للأب المناضل حافظ الأسد.

وصلتُ متأخراً إلى باب المدرسة؛ الشرطة تملأ المكان، وحشدٌ كبير من أهالي الحي الدمشقي –باب سريجة-يهتفون للأسد، أسرعتُ مبتعداً عن العين بين الأحياء لم يرقْ لي ذاك الهتاف؛ تهتُ قبل أن أصل المنزل متأخراً قبيل المغرب بقليل، ارتميتُ في حضن والدتي دون أن أعي سرّ تلك الدمعات التي نزلت من عينها؛ ما أذكره أنها لم توبخني؛ فقد علمتني أن أقول كلام الله كما أنزل؛ حتى لو اضطر الأمر أن أموت.

لم يختلف الأمر في عهد “بشار الأسد”؛ فالثورة كشفت أشياء كثيرة، بالنسبة للمحيطين به على وجهٍ خاص، أولئك الذين مثّلوا للعُرف السائد: “يا فرعون مين فرعنك، قلهم ما لقيت مين يردني”!!

الفارق بين زبانية فرعون والأسد؛ أن أولئك لم يردوه عن جبروته؛ أما شبيحة اليوم فقد صنعوا “فرعونيته.

مثّل “حافظ الأسد” في حياتنا قصة “الربوبية الكاذبة”؛ التي أجبرنا مشايخ السلطان على القبول بها وشربناها في حليب الأمهات، والكتب الدراسية؛ في محاولةٍ منهم ليصل إلى أذهاننا “خلود هذا الكائن”.

حافظ الأسد ليس وحيداً في ادعاء الربوبية والاصطفاء على البشر؛ فرعون مصر كان سبّاقاً، حتى أغرقه الله؛ وانتهت كذبته في عمق البحر!

لا يختلف زعماء الأمة العربية الواحدة في رسالتهم الخالدة، فمعظمهم فرض هيمنته على الشعوب؛ لا بالحرية والكرامة أو الديمقراطية والعدالة، بل باتخاذ الإسلام سلماً للوصول وتثبيت العروش؛ فصاحب الجلالة ينتهي نسبه إلى الأسرة الهاشمية الشريفة، حتى وإن باع فلسطين، وأمير المؤمنين في أقصى غرب البلاد يصل نسبه إلى الأسرة العلوية الشريفة…!!

صدام حسين خلع على نفسه ضروباً من الألقاب ذات الدلالة الدينية؛ كان آخرها أنّه نسب نفسه إلى بيت النبوة.

عبد الفتاح السيسي آخرهم؛ المنقلب على الشرعية الشعبية المصرية؛ وما تم تداوله عبر الإعلام الموالي والمؤيدون الذين نشروا شهادةً تدل على نسبه لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

جميعهم–القادة أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة-يلتقون في النسب مع المصطفى صلى الله عليه وسلم… لكنّ واحداً لم يقرأ في التاريخ أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم قتل أحبابه أو عشيرته من أجل الملك والإمارة.

يا كرام خلونا نحكي بالعامية الدارجة:

كل واحد بدو يصبغ حكمه بالشرعية لازم ينتسب لبيت النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى لو كان من غير ملّة، ثم يبدأ الإفتاء بضرب الأمثلة للناس لتطويعهم وتذليلهم للحكام بحجة الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ)). دون تنبيه للعوام بأن الحديث مرسلٌ ضعيف؛ قال بيه العلماء كلاماً.

وبلا طول سيرة خلونا نستمتع بآخر نهفة: مفتي مصر السابق، علي جمعة، قال في تصريحٍ له: ((إن هناك مراجع تاريخية تشير إلى أن العائلة المالكة في بريطانيا ربما تعود أصولها إلى آل بيت النبي محمد)).

له يا رجل وصلت موصيلك لبريطانيا…؟!!

نتن يا هو … أقربلك؛ صح؟!!

بعيداً عن الرؤية التحليلية لما خلف تلك التصريحات والادعاءات وبفرض صحتها؛ والتسليم بما أتى به كل “مسيلمة الزمان”:

ألم يسمع هؤلاء ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) قَالَ : ( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ – أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا – اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ) رواه البخاري (2753) ومسلم (206).

واللبيب من الإشارة يفهم.

ولحتى ما نطول بالسيرة:

تشير شجرة الأسرة التي احتفظ بصورةٍ عنها عن نسبنا الشريف إلى آل بيت النبوة رضي الله عنهم؛ لكنّ جدي كان يرفض أن نتشدق بها أمام الناس ونظهرها -رحمه الله -كان يعرف أنها قد تصير “تجارة ومكسب”؛ لكنه لم يعرف أنّ الملكة “إليزابيث” عمتنا اللزم…!!

سامحك الله يا جدي كنت الآن أميراً أجوب البلاد وأضرب العباد، وأظلم دون رقيب؛ فأنا الحبيب القريب.

‏لو فهم الطغاة معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا)) رواه البخاري؛ لما تجرأ واحدٌ منهم على إقحام نفسه في نسبٍ ينتسب إلى العدل والحق، لا الجبروت والقتل.

أخيراً: لا تسأل الطغاة لماذا طغوا؛ بل اسأل العبيد لماذا ركعوا؟!

مصدر Bbc: هل تنحدر أصول ملكة بريطانيا من نسل النبي محمد؟ سيرة حياته كما رواها بنفسه صدام حسين‏..‏ دولة التماثيل والأمن والدعاية‏!‏ الجزيرة نت: مؤيدون للسيسي يعتبرونه من آل بيت النبي
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.