أزمة مشاريع أم اقتتال لمصلحة خارجية؟

مصير الاقتتال بين فصائل المعارضة في الشمال السوري بات معروفاً؛ لكن انعكاسه على حياة المدنيين فرض تساؤلاً في الشارع، هل انتهت الثورة، وماتت معها مطالب الكرامة والتغيير، عن أيّ أزمة نتحدث؟!

الأيام السورية؛ حنظلة السوري

عددٌ قليلٌ من المدنيين يتنقّل مضطراً للسير في شوارع إدلب، قلقٌ يعبّر عنه الناس يمكن سماعه من خلال أحاديث جانبية على الطريق الواصل إلى ساحة الساعة وعلى امتداد الطرقات…. لم تنفع بيانات المطالبة بوقف الاقتتال بين الفصائل المعارضة… تظاهراتٌ نسائيّة جابت الشوارع مطالبةً بفتح الجبهات ونصرة الغوطة الشرقية؛ لم تلقَ آذاناً صاغية، ولم تلامس على ما يبدو “وامعتصماه” عواطف القادة أو تحرّك رجولتهم.

حبرٌ على ورق معظم المنشورات التي ألصقها الشباب على الجدران تطالب بتوجيه البندقية إلى النظام، وعويلٌ طرق أبواب السماء دون مجيب…!!

الغاز مفقود، وإن وجد يصل سعر الجرة إلى 13000 ل.س، بزيادة عن السعر المحدد 6200 ل.س، بحسب أبو مصطفى صاحب محل توزيع غاز؛ الذي أكّد أنّه في منزله لا يوجد غاز للطهي منذ أسبوع.

لم تطه زوجتي منذ 5 أيام، نأكل الخبز والزعتر مع حبّاتٍ شهية من الزيتون، لا كوب شاي نشربه، ولا قهوة على صوت فيروز صباحاً كما اعتدنا، تلك تجربتي التي ما تزال مستمرة. والغاز هو السبب وحاشا لله أن يكون وراء أزمة الاقتتال لحركة الفاتح الجولاني ونظرائه.

ليس “المازوت” بأحسنِ حال:

قبل أيام سبقت الاقتتال بين الفصائل المعارضة كنت تجد خياراتٍ متنوعة، مازوت مفلتر وصل سعره إلى 450 ل.س، مازوت عادي وصل إلى 350 ل.س، مؤخراً هناك نوعٌ وحيد من أردأ الأنواع يصل سعره ما بين 450 إلى 500 ل.س. بحسب “خالد” أحد موزعي المازوت. الذي أكّد سببين للوضع: عملية الأتراك في عفرين اتجاه الأكراد وتوقّف الطرقات أمام عبور شاحنات النفط، ومؤخراً –المصارعة الحرة-بين المعارضة؛ على حدِّ وصفه.

توقّفت المدارس، تعطّل التعليم، مستقبل الأبناء على المحكّ هو الآخر، ليس السبب طائرات الأسد؛ إنها نيرانٌ صديقة بحسب “أبو محمود” 45 عاماً يحكي عن عودة أبنائه إلى المنزل بعد أن تمّ صرفهم من مدرستهم خشية تطور الاقتتال بين المعارضة.

توقّفت المدارس، تعطّل التعليم، مستقبل الأبناء على المحكّ هو الآخر، ليس السبب طائرات الأسد؛ إنها نيرانٌ صديقة

بالمجمل الأوضاع الإنسانية وصلت إلى مرحلة من السوء واضحة، أمام عدم اكتراث أصحاب القرار في الشمال السوري، وكأنهم بلا حولٍ ولا قوة، يثبت احتمالين قائمين:

أزمة مشاريع متناحرة، واقتتال يصبّ في خدمة أجندات خارجية، ومن الطبيعي أن يكون نظام الأسد والروس أحد المستفيدين منه في مرحلة قريبة، تتبع انهيار تلك الفصائل المتصدّعة أصلاً.

الصورة تحاكِ حال سورية تماماً، دمارٌ مادي، وفوضى، عسكرةٌ لا تعرف إلا لغة العنف… لها ما يبررها وعليها ما عليها من عيوب، والكلام حولها طويل، لكن الأزمة امتدت لتطال حياة الناس –الحاضنة الشعبية-التي أُسيء لها.

الحاضنة الشعبية وعلاقتها بالفصائل الموجودة والمتصدرة للمشهد باتت على المحك؛ تظاهرات ترفض وجود “هيئة تحرير الشام” وأخرى تطالب بوقف الاقتتال، بالمقابل لا شيء يثني تجار الدماء عن صراعهم، وطموحاتهم بنيل حظوظ الدنيا واستعطاف “الداعم”.

أمنياً الشارع يشكو الفوضى وانعدام الأمان؛ مساءً تتوقف حركة المرور، الحجة “حظر تجوال” فرضته هيئة تحرير الشام التي تركت الكثير من مواقعها على الحدود مع تركيا من بينها “أطمة”؛ للتمترس في نقاط تعطيها أفضلية البقاء والسيطرة لمدة أطول، لإعادة ترتيب الأوراق.

الغوطة الشرقية التي تشهد حصاراً وموتاً فرضته قوات النظام التي تشن حملة عسكرية شرسة وتمارس بحق المدنيين هناك أبشع سياسات الإجرام والإبادة الجماعية، والقصف المستمر على ريف إدلب، غاب عن معادلة “المتصارعين” على الحلبة.

الجولاني الذي توعُد من أسماهم البغاة بحسب وصف الكثيرين هنا، لا يزال موضع جدلٍ بين الناس، من يرى فيه مشروع تغيير، ومن يعتقد عمالته للاستخبارات السورية، تعلو أصوات الناس دون الالتفاف على شخصية حقيقية –سورية-تمتلك أجندة وطنية واضحة.

حروب طاحنة ضحيتها شباب الثورة؛ بفتوىً متلونة تلقى في مضافات الفصيلين –المكان الذي يجتمع فيها الأمراء والمشايخ بالمقاتلين-لا توحي بل تؤكد أنّ الثورة السورية دخلت أخطر مراحلها على الإطلاق أمام صراع المشاريع والأقزام المتسلقين، وارتباطها بدولٍ إقليمية بات معروفاً للقاصي والداني.

اشتباكات مشاريع “تحرير الشام” الذي يحمل من التسمية دلالاتٍ واضحة، و “جبهة تحرير سورية”، حيث سبق مسماه بـ “جبهة” لتعيد إلى الأذهان “النصرة”… وبين سورية والشام والجبهة علاقة يمكن قراءة مدلولاتها وخلفياتها من أبسط الناس.

لسان حال المدنيين هنا وفي الغوطة المغتصبة: “أفوض أمري إلى الله”.

نتحدث عن أزمة المعارضة السورية للأسف، عن أزمة غياب المشروع الذي يخدم تطلعات الشارع، وفق ثوابت ثورته، مصير الثورة بيد الشرفاء الذين صمتوا طويلاً للأسف.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.