أزمة قيادة

((تكمن قدرة القيادة في تحويل الرؤى إلى حقيقة)). “وارن بينس”
مقدمة كان لا بد منها للدخول إلى مشكلة بل ربما “معضلة” تعانيها “الثورة السورية” منذ انطلاقتها حتى اليوم.
إذ إن مطالعة التاريخ والنظر إلى معظم ثورات الشعوب على مر السنين نجد بأنها تتبع “قيادة موحدة” تدير تحركاتها العسكرية والسياسية، وهذا بالضبط ما تفتقر إليه الثورة السورية اليوم.
مع اطلاق الثورة في ربيع العام 2011 كان الحديث المتداول فيما بيننا كـ”نشطاء ثوريين” وبين بعض “الموالين” يدور حول هذا المحور بالتحديد، في حينها كنا نرد بأنه سيأتي ذلك اليوم الذي نتخلص فيه من الظلم والجور وتشرع في بناء الدولة المنشودة، ونثبت للعالم بأن “الثورة فكرة” و”الفكرة لا تموت”، يومها كنا ندعي بأن “وجود قيادة” قد يساعد العدو على قتل الثورة في مهدها، من خلال اغتيال رموزها.
يبدو أننا اليوم نكتشف خطأ تلك الفرضية التي فضّلناها وفضّلنا يومها ترك “ثورتنا بلا قيادة” تتبنى مطالبنا والدفاع عنها في الداخل وكذلك في المحافل الدولية.
النتيجة كانت تشتت الجهود والتفرق عن الهدف الأساسي، الأمر الذي مكّن لدخول جماعات “متطرفة” مثل “داعش” وانخراطها ضمن النسيج المقاتل، كما مكّن للأسد من العمل على إيجاد مجموعات مسلحة ادّعت العمل تحت مظلة الثورة، وجميع هذه التشكيلات شوهت المشهد، بعد أن تصدّرت الصورة والمشهد من غير رادع أو مانع.
شخصياً أعتقد أن طبيعة نظام الأسد المخابراتي/البوليسي ساهم في منع ” ظهور القيادة الواحدة”، كذلك الملاحقات في خارج حدود البلاد، وهذا أسهم في تشتيت المعارضة الخارجية، وإضعافهم سياسياً.
بالمقابل، يدرك الداخل مدى حاجته لوجود قيادة موحدة تدير المرحلة الراهنة، وتكسر جميع حواجز التخوين والانشطار القيادي والإداري.
قيادة تنبع من مبادئ أساسية تبناها الشعب السوري، تعمل على إعادة الأولويات على الأرض، كما تعمل على إعادة هيكلة العلاقات الدولية، وتوضح تسمياتها بما يصب في خدمة الثورة في نهاية المطاف.
قد يكون الكلام مكرراً، لكن “صدى الداخل” يؤكد ضرورة الانتقال من إدارة العسكر للمناطق المحررة إلى إدارة “سياسية” تتبنى الفكر العام السائد وترسي القواعد المنهجية الجديدة التي تنبع من متطلبات الواقع وحاجاته، فيما يخدم الثورة وتطلعاتها.
في عين الشارع السوري ترقب تطلعات للمستقبل تطالب بإعادة هيكلة البنية الاجتماعية للبلد وتعيد إنتاج نخب سياسية ودينية وقيادية وعلمية، تتكيّف والواقع الجديد.
في سياق الكلام عن القيادة فإن القول بفقدان “القائد” غير صحيح فالشعب السوري لديه من الخبرات ما يستطيع من خلاله لملمة جراحه، والنهوض من جديد، فقط تحتاج الفصائل الثورية العاملة اليوم إلى “إرادة التوحد”، و”إرادة العمل”، و”إرادة التغيير الجذري الشامل”.
التاريخ يؤكد أن الفرنسيين عندما أرادوا إنهاء الحرب اتفقوا، وأوجدوا مسوغاً لإنهاء حربهم، فكانت يومها الثورة الفرنسية منعطفاً تاريخياً في تاريخ أوروبا.
السوريون يمتلكون جميع المقومات لتجاوز هذه المرحلة والبدء بمرحلة جديدة تتوافق مع تطلعاتهم، وتجعل من ثورتهم منعطفاً تاريخياً جديداً في تاريخ الشعوب، وتاريخ المنطقة.
المشكلة إذاً ليست في القيادة كما يروج بل تتعداها لما هو أهم وهو “الإرادة”، ومتى توفرت هذه المعادلة شكلت عامل ضغطٍ على العالم والمجتمع الدولي، للقبول بالواقع الجديد، الواقع الذي نفرضه “نحن” لا الواقع الذي “يريده الآخر”، ويفرضه علينا.
يحتاج قادة الفصائل اليوم إدراك حقيقة هامة تتمثل بأنه في مجال “أمن الوطن لا مجال للاعتبارات الشخصية، كذلك لا مجال للمجاملات الدولية”.
متى وجدت هذه “القيادة”، ووجدت تلك “الإرادة” لن نتساءل متى تنتهي حالة الاستعصاء الذي تمر بها البلاد.
(( أرشدني، اتبعني، أو اذهب بعيداً عن طريقي)). “الجنرال جورج باتن”، كلمة تختصر مطلب الشارع.

خاص| بقلم: فرات الشامي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.