أزمات المنطقة العربية والبقاء خارج التاريخ

لم يحدث منذ سقوط الخلافة العثمانية أن عاشت المنطقة العربية الحالة التي تمر بها اليوم، نزيفٌ أو انتحار سياسي اجتماعي سبق أن عاشته أممٌ أخرى، مع فارقٍ كبير دون شك.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

التجارب التي مرّت بها الأمم بما فيها تركيا التي قادت لأربعة قرون العالم الإسلامي ثم انتهت إلى الانهيار المعروف، عادت لتنفض غبار الذل، نهوضاً بكيانها لصالح شعوبها، فيما ظلّ العرب على حالهم، عدا مظاهر الحضارة الزائفة التي تعيشها الدول النفطية.

المسألة تتعلق بقراءة التاريخ، ومن ثم فهمه، والعمل وفق سنن الكون تلافياً لنقاط الضعف، واستثمار عوامل القوة للنهوض، في هذا الجانب بقي العرب مشغولين بالتصفيق لحكامهم، لا يتعاملون أو يستفيدون من دروس التاريخ.

فحيث سار التاريخ شرقاً سار العرب غرباً، على عكس عجلة الساعة، بعيداً عنها وليس معها، حتى النخبة المثقفة التي تبنّت التغيير، أو تلك التي عارضت المستبدين لا تختلف حالاً عن الأنظمة العربية القائمة التي تحكمها؛ ويصدق في الجانبين ما روي في الحديث الضعيف عن النبي صلى الله عليه وسلم: ))فإن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى)).

إنّ تتبع مسيرة الحراك من أجل التغيير في المنطقة العربية يبدو لديه جلياً بروز مشكلتين رئيسيتين: فشلٌ في التطبيق أو الانتقال الديمقراطي، والأخرى؛ متعلقة بسلمية التعايش المشترك العرقي والطائفي.

في الوقت الذي ترفع فيه الشعوب العربية شعار “الحرية، الكرامة، العدالة الاجتماعية”، تواجه بالنار داخلياً وعلى المستوى الإقليمي والدولي؛ بهدف إجهاض تحرُّكها، ما يؤكد مجدداً أنّ الاستقلال الذي تعيشه الأمة العربية مجرد مظاهر شكلية، في واقع الأمر لم تخرج عن سياسة الدول الاستعمارية الكبرى.

تحت شعار مكافحة الإرهاب، وتصحيح المسار، وضرب أعوان الإمبريالية، ومنع تقدم الإسلام الأصولي المتطرف، يتم إفشال التجارب الديمقراطية، ما يثير الكثير من التساؤل حول المسار الديمقراطي المطلوب عربياً، وتبعية الانقلابيين أو الأنظمة الحاكمة.

خروج الشعوب العربية عن الناموس الاستبدادي والرغبة بالانعتاق من ربقة التخلف والخمول الفكري والسياسي، وصولاً إلى حالة حضارية، بدل حالة السبات السلطوي العميق، والمواجهة العسكرية معها، أعاد للأذهان ورفع الصوت عالياً في جدوى الديمقراطية، أو تناقضها مع المنهج الإسلامي، وهي نقطة ذات جدلٍ عميق، ليس المتسع هنا بحثها.

عموماً؛ مع كل مشاهد العنف تلك، ثمة من وجد الملاذ الآمن والقناعة الكافية في أنّ “الديمقراطية كفر”، والحل في المواجهة مع المجتمع الدولي بفكره العدائي لنهضة الشعوب العربية ضد الظلم بل وحتى التحرك في المسار الديمقراطي.

المسألة؛ بالنسبة لآخرين تبدو مختلفة؛ يمكن اختصارها بأنّ سياسة الدول الغربية تحاول فرض ديمقراطيات على مقاسها، متناسبة مع مصالحها وسياساتها في المنطقة لضمان خضوعها، والأهم الخشية من عودة “الدولة الإسلامية” فيما بات يعرف “الإسلام فوبيا”.

من جهةٍ أخرى، ونتيجة للمعطيات السابقة وحالة الاحتقان الداخلي العربي؛ فشل العرب في ترسيخ قيم العيش المشترك، وضمان المواطنة الحقيقية لمختلف مكوناته ونسيجه الاجتماعي المتنوّع.

انشطر المجتمع العربي داخل حلقة صراعاتٍ متعددة، طائفية تارةً، وعرقيةً حسب الدولة والمكونات الموجودة داخلها، وتغذية الأحقاد من طرف الأنظمة الحاكمة، مع رعاية واضحة من الأيدي الخفية خارجياً.

الصراع الطائفي، والانقسام العرقي، مهّد لحروبٍ ونزاعات معظمها يعود في جذوره إلى ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، مات أصحاب الخلاف الفعليين، وأيقظ أحفادهم نار الحرب الثأرية السخيفة.

صحوةٌ عربية غير طبيعية، تثير تساؤلاً واضحاً؛ هل اكتشف العرب مؤخراً أنهم مجتمعاتٌ متنوعة مذهبياً، تضم إليها عرقيات مختلفة؟ هل كان ذلك من قبيل المصادفة والمفاجأة؟

ما يحدث وحدث في العالم العربي، على مستوى قمة الهرم والقاعدة الشعبية، ينسف مصطلحات العيش المشترك والتسامح، ويجعل منها غائبةً عن قاموسه وأبجدياته في مسيرة الحياة. ولعل استمرار النزيف السياسي والدموي سيجعلها مجرد شعاراتٍ مرفوضة أو مجرد أحلامٍ بلا قيمة.

أزماتٌ متشابكة هيمنت على الحالة العربية، فشلت ثورات الربيع العربي بفعل عوامل ورواسب ثقافية قديمة من التخلص منها؛ الأمر الذي ما زال يفرض على شعوبنا حياة الأسر بعيداً عن حركة تقدم التاريخ.

على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، الأخبار تتحدث عن مصالحة بين الكوريتين، الجنوبية والشمالية، رغم عقودٍ ستة من الصدام وحالة العداء، مروراً بإنهاء القطيعة بين إريتريا وإثيوبيا بعد عشرين عاماً.

روابط الدم والتاريخ والعقيدة واللغة لم تمنع دولاً عربيةً ما لحملات مقاطعة دولةٍ ما!! مسألةٌ فيها نظر.

أزمات المنطقة العربية لن تنتهيَ في الأجل القريب؛ مادام الجميع النخبة والعامة لا يقرؤون ولا يتعلمون من التاريخ، أسرى الماضي، والنواح على الأطلال نبكي مُلكاً مُضاعاً لم نُحافظ عليه مِثلَ الرِّجَالِ.

مصدر روسيا اليوم
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.