أردوغان أو الطوفان

خاص بالأيام || حليم العربي –

من سوريا إلى تركيا أردوغان ينقلب على خصومه.

فالمنطقة قبل الثورة السورية ليست كما سوف تكون بعدها، وسوريا ليست كمصر أو ليبيا أو حتى العراق كما قالوا .
فهذه الثورة وما أفرزته خيبت كل التوقعات والتنبؤات و التحليلات لسياسيين و باحثين، فكم أطاحت بألف وباء ودال الخطط المعدة مسبقا للسيناريوهات المحتملة في المنطقة، وكم تجاوزت من مراحل و فتحت من آفاق.

لم يبق دولة أو قوة عالمية ذات نفوذ، إلا وأدلت دلوها وحاولت توجيه المقود بما يخدم مصالحها، لكن ما حدث و يحدث اليوم يطيح بسقف التوقعات، وينسف أكثر المخططات، ويتلاشى بعده ويتحول لمجرد تكهنات أفرزته بعض التحليلات وتسربت بغير قصد للإعلام، ثم دثر وكأنه لم يكن.

كان على أردوغان أن يزعن ويطأطئ الرأس ويسلم مفاتيح الدولة ومؤسساتها للإنقلابيين، كما فعل سلفه مرسي، وسلم حكومته وشعبه للسيسيين بسلام، ليحفروا لهم أخدودا كبيرا يسعهم، يرمى به كل من يخالف إرادتهم.

 

^54C065B60EC38DF1A48D9B3C25BB369775BD81FF2AE0662A01^pimgpsh_fullsize_distr

 

فقد فعلوا بهم ما يريدون دون أي مقاومة، تماما كما يصنع المريد بين يدي شيخه، يقلبه كيف يشاء، وكأنه قدره المبرم من الله الذي لا يجوز أن ينازعه فيكفر.
لكن أردوغان قلب المعادلة، المنحدرة من أصول المدرسة الصوفية التي ينسبه إليها خصومه السلفيون عند انتقاده في الساحة الاسلامية.
حطم أردوغان كل التوقعات، بذلك الإتصال الذي قال فيه لمؤيديه وأنصار الديمقراطية بما فيهم معارضته، أن يشدوا الأحزمة ويأخذوا مواقعهم، ليبدأ العد التنازلي لانفجار كبير سيطيح بالمنطقة، إن لم يتوقف من يدعم الانقلاب عن اللعب بتلك النار.

أطبق الصمت على المنطقة والعالم، وكتم صناع القرار أنفاسهم، وجحظت أعينهم بانتظار ما ستفرزه المرحلة من سيناريوهات دامية.
كانت مهمة الغرب و أعداء أردغان سهلة جدا إن انتصر الإنقلابيون، فما عليهم إلا أن يطلقوا بعض التصريحات المستنكرة للانقلاب، ويبدوا قلقهم على مستقبل الديمقراطية في الشرق الأوسط، ويحذروا الانقلابيين من موجة الانتقام بعد تسلمهم للحكم و البطش بخصومهم.
لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل قبع الجميع أمام وسائل الإعلام وعلى أجهزة اتصالهم بخلاياهم ليضعوهم في صورة الوضع، ويراقبون مدى استجابة أتباع أردوغان لقائدهم، الذي اختاروه بأنفسهم، كانت النتائج مهولة لحظة انفجار البركان، وخروج المارد السني و أنصار الديمقراطية التركية للدفاع عن أنفسهم وقرارهم.

 

^33C4E92C814EE095DB3378024D7B9B2756EC793E2C9D9B4D18^pimgpsh_fullsize_distr

 

رمي أردوغان بعدها الكرة في ملعب رعاة الانقلاب، وخييرهم بين سحب أيديهم قبل القطع، أو الإستمرار و الاندماج بالتيه السوري والفوضى الخلاقة التي ستنتج عنه.
فلدى أردوغان الكثير ليفعله، فمن السهل تمرير أساطيل جديدة للحرية إلى غزة وتأليب الشارع العربي والسني ، على اسرائيل ثم توجيه الاهانات لقادتها وجبرها على الاعتذار.
ومن السهل فتح الحدود مع ايران، للمعارضة الإيرانية ومجاهدي خلق، والسنة المضهدين فيها للمارسة حقهم على أرضهم وبين أبناء شعبهم.

كما أنه من السهل إطلاق آلاف السجناء من أوزبك وتركستان وأفارقة وغيرهم من بلاد البلقان، الراغبين بالجهاد وفتح الحدود للعابرين ليصلوا إلى أهدافهم في الشام المباركة بلا إعاقات.
من السهل لأردوغان أن يدفع بعض المجموعات لبيعة القاعدة أو حتى داعش، وجعل حدودهم قريبة من الروس والأوربيين وركوب البحر أسهل من ركوب الرياح.
لو لم يتوقف الانقلاب في اللحظة المناسبة لكانت كل السيناريوهات مفتوحة أمام أردوغان، لاتخاذ التدابير اللازمة له ولأمته التي منحته الفرصة ليتسلم زمام أمورها.
فهل نجح أردوغان، أم نجح خصومه عندما أنقذوا أنفسهم من الطوفان ؟

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.