أدب الأطفال عند الشعب الكردي.. ندرة في البدايات وزخم كبير في العصر الحالي

عاش الأطفال الكُرد لعهود طويلة مع نماذج أدبية تراثية متصلة بهم، لكنها لم تكتب خصّيصاً لهم، كالتهليلات والأقاصيص والحكايات الشعبية، أو نتاجات مبسطة عن أدبيات شفاهية للكبار كالخرافات والأساطير والملاحم التاريخية.

الأيام السورية؛ حنان معمو

تأخر ظهور الأدب الخاص بالأطفال عند الكُرد كثيراً، بالمقارنة مع نشأته وتطوره وانتشاره لدى الشعوب المجاورة على الأقل، ولم يلقَ الاهتمام الكافي، بسبب عوامل كثيرة حالت دون ذلك، لعلّ من أبرزها: الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية العامة للكُرد، وتفشي الأمية، وعدم اعتبار هذا النوع من الكتابة ذي صفة اعتبارية.

عاش الأطفال الكُرد لعهود طويلة في فيض نماذج أدبية تراثية متصلة بهم، كالتهليلات والأقاصيص والحكايات الشعبية، أو نتاجات مبسطة عن أدبيات شفاهية للكبار كانت متداولة في المجتمعات الكُردية، كالخرافات والأساطير والملاحم التاريخية، مع العلم أنّ الكثير من تلك النماذج والنتاجات لم تتوجّه خصّيصاً لهم.

أما النماذج المدوّنة التي ظهرت في وقت متأخر، فهي نادرة جداً، على عكس نتاجات الأدب الشفاهي، حيث قدّم بعض الأدباء نتاجات متفرّقة للأطفال، خلال فترات زمنية متباعدة، من ضمنها محاولات تبسيط بعض المواد التراثية، طغى عليها جميعاً طابع الإرشاد، وتركّزت أهدافها على نشر الأخلاق والقيم الحميدة، دون مراعاة خصائص مرحلة الطفولة السيكولوجية، واحتياجات الأطفال الإدراكية والنفسية.

تجارب كرديّة قديمة في أدب الأطفـال

يعدّ القاموس الشعري للأب الروحي للشعر الكُردي، أحمدى خاني (Xanî Ehmedê)، الي صدر بعنوان (Nû Buhar/ الربيع الجديد) للصغار،

تمثال الشاعر أحمدى خاني (ويكيبيديا)

عام (1094هـ 1682م) أقدم أثر تعليمي ثقافي مدوّن للأطفال على مستوى الأدب الكُردي، ومن المصادر التعليمية الرائدة على مستوى العالم آنذاك، وقد أشار (خاني) عبر هذا العمل، إلى مبادئ تعليمية وتهذيبية عامّة، أراد منها أولاً، تعليمهم لغتهم الأم، وإنشاء جيل كرديّ متنوّر.

يتألف هذا القاموس المصوغ باللغتين العربية والكُرديّة، من 216 بيتاً مبنيّاً على أوزان عروضية عدّة.

وأول عمل متعلّق بالأطفال عند الكُرد في التاريخ الحديث، هو قصيدة شعرية من نظم: أمين عالي بدرخان، بعنوان (Delaliya Zarwan/ دلال الأطفال) نُشرت في جريدة كردستان، التي صدرت في القاهرة عام 1898.
كما تُشير بعض الدراسات والمراجع التاريخية إلى ذكر مخطوطة كتاب مدرسي لسعيد كابان صدقي، مؤلّف من 67 صفحة عام 1927، ويضمّ بعض النصوص التي تحثّ على القيم الأخلاقية والدينية والأدبية، كاحترام المعلمين لجهودهم في تعليم التلاميذ ورعايتهم.

دور مجلة هاوار في التأسيس لتجربة أدب الأطفال الكُرد في سوريا

تعتبر مجلة Hawar/ الصرخة، بداية إنعطافة حقيقية للأدباء الكُرد للاهتمام بأدب الأطفال، وتقديم نتاج أدبي خاص مكتوب للأطفال ، حيث نشرت هذه المجلة وفي فترة زمنية مبكرة، نتاجات بعض الكتّاب الموجهة للأطفال خصيصاً.

قدّم مُؤسّس مجلة (هاوار) الأديب واللغوي الأمير جلادت عالي بدرخان، زاداً ثقافياً مفيداً للأطفال، عبر نشر الكثير من المواد الأدبية على صفحاتها، وتمّ تخصيص صفحة لهم بعنوان: (Stûna Zarwan/ ركن الأطفال) شكّلت مساحة جميلة في مجال الكتابة للأطفال الكُرد، وقد استمرّ هذا التقليد لبعض الأعداد فقط، ولكن لم تتوقّف الموادّ الموجّهة للأطفال حتى الأعداد الأخيرة من المجلة.

لعل تخصيص مثل هذه المساحات للأطفال في تلك الفترة الزمنية، يعتبر سابقة صحافية لم تفعلها أيّ من المجلات الأدبية للشعوب المجاورة آنذاك، وقد تناوب الكتابة فيها عدد من الكتّاب والشعراء والقصاصّين، إلى جانب الأمير جلادت بدرخان، نذكر منهم: أوصمان صبري، بكري قوطرش، مصطفى أحمد البوطي، محمد أمين سليمان، وغيرهم.

نشرت المجلة التي صدر منها بين عامي (1932–1943) سبعة وخمسون عدداً، الكثير من القصص والقصائد والفوائد التربوية والتعليمية والترفيهية للأطفال.

كما أدر جلادت بدرخان في نفس الفترة، كتاباً لتبسيط قواعد اللغة الكُردية للأطفال، أسماه (Kitaba Sînem-Xan/ كتاب سينم خان).

تجربة الشاعر جكرخوين

يعتبر الشاعر جكرخوين Cegerxwîn، من أبرز الشعراء الكُرد في العصر الحديث، وأهمّ المبدعين الذين انتبهوا لمجال الكتابة للأطفال فكراً وموضوعاً، وقد استثمر الفلكلور الكُردي استثماراً جيداً، وحاول تقديمه بلغة ميسرة وسهلة للأطفال.

نجد في أولى دواوينه، قصيدة خاصة للأطفال هي: (Ji Biçûkan re/ للصغار) يُسلط الضوء خلالها على واقع الشعب الكُردي الممزَّق، والتناقضات الثانوية التي يحمله هذا الواقع.. فيسرد قصة: الأسد والنمر والثعلب، إذ يحتكم الأولان إلى الثعلب، الذي يقسّم قطعة الجبن التي وجداها إلى قطعتين غير متساويتين، فيأكل من هذه الجهة جزءاً ومن الأخرى جزءاً، حتى يأتي عليهما بكليتهما.

الشاعر جكرخون(يوتيوب)

العقد الأخير من القرن العشرين

ظهرت تجارب عدّة منذ تسعينيات القرن العشرين، انبرى خلالها مجموعة من الكتّاب والأدباء للتوجّه الجادّ للأطفال، فأصدروا مجموعات شعرية وقصصية أسهمت في نقل هذا الأدب إلى مرحلة جديدة، وشكّلت نقطة انعطاف هامة بالنسبة له.

صورة تعبيرية(حكايا)

فظهر لأول مرة على الساحة الأدبية الكُردية في سوريا نتاج خاصٌّ بالأطفال، وبرزت بعض الأسماء في هذا المجال، ذلك في إطار مبادرات شخصية تمثّلت ببعض الإصدارات الشعرية والقصصية، وتجربة صحافية للأطفال أو أكثر بقليل، وأحياناً بنَصّ أو أكثر ضمن الإصدارات الأدبية للكبار، وعلى الرغم من تواضع عدد التجارب إلى حدٍّ ما، إلا أنها شكّلت مرحلة أساسية لأدب الطفل الكُردي في سوريا.

ومن هؤلاء: عبد الرزاق أوسي، و الدكتور محمد عبدو النجاري، اللذان أصدرا في العام 1991، مجموعتين قصصيتين للأطفال، تم استلهامها من الحكايات الشعبية الكُرديّة للأطفال، حيث تم تجميعها من قبل أوسي فيما قام د. نجاري الذي بترجتمها إلى العربية، حمل الإصدار الأول عنوان (Dîk, dîko/ الديك الأبيض) وجاء الإصدار الثاني بعنوان (Libhinarê/ حبَّة الرمّان)، وتابعا نشر هذه السلسلة في العام 2005، حيث تم نشر ثلاثة أجزا جديدة، حمل الإصدار الثالث عنوان (Bavê hepûn/ الذئب العجوز) والرابع عنوان (Şengê û Pengê/ شنگي وپنگي) والخامس عنوان (Finda Şemal/ القنديل السحري).

كما خصّص بعض الكتّاب والأدباء جزءاً من نتاجاتهم النثرية للأطفال، رفدوا بها المكتبتين الكُردية والعربية بنتاجاتهم، نذكر أهمهم: المرحوم الشيخ توفيق الحسيني، وإسهاماته الكبيرة في الترجمة، وأيضاً إسهامات الكاتبة ديا جوان.

الشعر الموجه للأطفال

في مجال الشعر أصدر الشاعر (Konê Reş/ كوني ره ش) مجموعته الشعرية الأولى للأطفال عام 1993، بعنوان (Sîpan û jîn/ سيپان وجين) ثم أصدر مجموعة ثانية بعنوان (Şagirtê Bedir-Xan im/ أنا تلميذ بدرخان) عام 1996، وعاد في العام 2013 لإصدار مجموعة شعرية ثالثة بعنوان (Helbestên Zarokan/ قصائد للأطفال).

كما أصدر الشاعر (Ferhad Içmo/ فرهاد اجمو) مجموعة شعرية بعنوان (Landik/ المهد) عام 1998، وفي عام 2003 أصدر الشاعر (Rêwî/ ريوي، ويعني: عابر سبيل) مجموعة بعنوان: (Nazê û Diyar/ نازي وديار)
كما صدر في العام 2015 للشاعر والباحث (Salihê Heydo/ صالح حيدو) مجموعتين شعريتين للأطفال الأولى بعنوان (Sirûdên Bilbilan Li Nav Baxên Gulan/ أناشيد البلابل في حدائق الورد)، والثانية (Şewq û Fener/ شعاعٌ ونور).

وفي العام 2015 أصدر الشاعر (Dilêrê Kurd/ دلير كورد) مجموعة شعرية بعنوان: (Fîxan/ أغاريد)، أتبعها في العام 2016 بمجموعة ثانية بعنوان (Şîlan/ زهرة جبلية).

مصدر عبد المجيد قاسم الكُرد وأدب الأطفـال
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.