أحسن من غيرو.. متلازمة ستوكهولم الجمعيّة

ما هو مفهوم الأحسن؟ أو ربما ما هو مفهوم “الغيرو”؟. الجملة لا يمكن لعقل أن يتحملها؛ فإنّ مجرد وقوعها على الأذن يصيب العقل بالهلوسة والقلب بالجلطة. كيف يمكن لشخص عاقل أن يتبجح ويقول بأن هذا الكائن المدعو بشار الأسد أحسن من “غيرو”؟.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في سوريا النظام اليوم، هناك من أدرك جلياً واقع الحال المزري حتى لو كان سابقاً مؤيداً للنظام، لقد وصل السوري إلى مرحلة أصبح مدركاً جيداً أن هذا النظام كان كاذباً خلال تاريخ حكمه الطويل في المسائل الوطنية والقومية والصمود، ..إلخ، وأنه في هذه الفترة ليس ببعيد أن يصدر قرار قريب جداً لتصبح سوريا الممانعة جزءًا من خطة مدعومة إماراتياً أو بحرينياً لتكون سوريا الدولة الثالثة المطبّعة مع إسرائيل، وكفّ يد بعض الدول كلياً عن سوريا.

هنا لسنا بصدد تحليل سياسي، لكن هذا الاحتمال قائم بطريقة ما، وقد يحصل وقد لا يحصل، فلا شيء مستغرب في عالم السياسية.

لكن ما يهمّ هنا، ليس ما قد يتخذه النظام من خطوات مفاجئة، إنّما الحديث عن فئة مواطنين سوريين ما زالوا يعيشون في سوريا النظام اليوم، وهؤلاء أسوأ بكثير من جماعة (الله يطفيا بنوره)، وهم جماعة (أحسن من غيرو).

هذه الجملة تكثر على ألسن أشخاص معدمين وغير مستفيدين أبداً من النظام السوري، ولا يوجد من يدفعهم للتعبير عن مكنون عبقريتهم، لا أحد يطالبهم لا غصباً ولا تحبباً أن يتفوهوا بتلك الترهات، لكنهم ينتخون من تلقاء أنفسهم؛ ليقولوا دائماً: “رئيسنا أحسن من غيرو”.

هذه الجملة تكثر على ألسن أشخاص معدمين وغير مستفيدين أبداً من النظام السوري، ولا يوجد من يدفعهم للتعبير عن مكنون عبقريتهم، لا أحد يطالبهم لا غصباً ولا تحبباً أن يتفوهوا بتلك الترهات، لكنهم ينتخون من تلقاء أنفسهم؛ ليقولوا دائماً: رئيسنا أحسن من غيرو.

بالنسبة لهؤلاء الذين لا يجدون خبزاً ليؤكل، ولا مالا ليهاجروا، ولا بنى تحتية وخدمية ليتم اعتبارهم كائنات بشرية طبيعية، ولا أي شيء مما يجب أن يتوفر في دولة مثل الدول الطبيعية، ومع ذلك يُصر هؤلاء على أنّ بشار الأسد أحسن من “غيرو”.

ما هو مفهوم الأحسن؟ أو ربما ما هو مفهوم “الغيرو”؟. الجملة لا يمكن لعقل أن يتحملها؛ فإنّ مجرد وقوعها على الأذن يصيب العقل بالهلوسة والقلب بالجلطة. كيف يمكن لشخص عاقل أن يتبجح ويقول بأن هذا الكائن المدعو بشار الأسد أحسن من “غيرو”.

يعني عندما يُقال ذلك بمَن تتمّ مقارنة بشار الأسد مثلاً في ذهن ذلك القائل؟ بمحمد عبد الله محمد رئيس الصومال؟ حتى رئيس الصومال، يحاول أن يجد مخرجاً دبلوماسياً لأزمة بلاده.

دولة النظام وبشار الأسد نفسه يأخذون أتاوات الدخول من المعدمين والفقراء على الحدود كأنهم فتوات فيلم مصري، لا محروقات، لا طعام، لا نقد، لا عمل، لا صناعة، لا تجارة، لا تعليم، لا صحة، لا بناء، ولا أي شيء، ومع ذلك بالنسبة لذلك الشخص رئيسه أحسن من “غيرو”.

كنت أظن سابقاً أن متلازمة ستوكهولم يمكن أن تقع لأشخاص مفردين، يجدون تبريراً لمختطفهم أو مغتصبهم أو معذبهم، لكن أن تصبح متلازمة ستوكهولم ثقافة جمعيّة ويخرج بشر يموتون من الجوع والأمراض ويجدون تبريراً لجلادهم بأنه أحسن من “غيرو”، فنحن إذاً، على أبواب كارثة نفسية تعدّت مرحلة الصدمات والهزائم والحروب، إننا أمام كارثة نفسيّة اجتماعية كاملة، بشر بالمئات يسقطون منهكين من بؤس الحياة وهم يصرخون بأعلى أصواتهم دون أن يدعوهم أحد لذلك بأن بشار الأسد أحسن من “غيرو”.

دولة النظام وبشار الأسد نفسه يأخذون أتاوات الدخول من المعدمين والفقراء على الحدود كأنهم فتوات فيلم مصري، لا محروقات، لا طعام، لا نقد، لا عمل، لا صناعة، لا تجارة، لا تعليم، لا صحة، لا بناء، ولا أي شيء، ومع ذلك بالنسبة لذلك الشخص رئيسه أحسن من غيرو.

بطريقة ما يجب تنبيه المجتمع العلمي لهذه الظاهرة المنتشرة في سوريا، فالمسالة ليست دعابة أو حالة سخرية، هناك أشخاص غير مستفيدين أبداً ويجدون تبريرات غير منطقية ولا إثبات عليها في الدفاع عن كيان تدميري كبشار الأسد، ليس فقط لا يوفر شيئا للمواطن السوري بل يحرمه من أبسط حقوقه وهي الغذاء، وفوق ذلك باع البلد لكل العالم؛ كأنها ميراثه الشخصي.

إن كانت مسألة حلّ تسليم سوريا وإعطاء استثمارات فيها للدول الكبيرة بأيدي العقول السياسية، فمسألة الطبقة الاجتماعية المصابة بمتلازمة ستوكهولم الجمعيّة تحتاج حلاً من قبل المجمع العلمي، إن خسرنا بلداً مؤقتاً فلا بأس، يبقى الوطن هو مساحة القدمين ما دام الإنسان يمتلك عقلاً للإنتاج المعرفي، لكن عندما يُفتقد العقل حتى لو كانت الأرض موجودة فلا معنى لمفهوم الوطن أصلاً.

أيها البائس، الفقير، المُعدم، الجائع، المشرّد، الستوكهولمي، رئيسك ليس أحسن من “غيرو” أبداً، مثله مثل كلّ السفلة الذين بجوّعون شعوبهم ويبيعون بلادهم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.