أحاسيس افتراضية

بحثاً عن المشاعر المبعثرة في زمن الجليد، هل تغيّرنا، وهل يمكن أن نعود من جديد؟

بدأ يقترب منها تدريجياً، لمسةٌ تذيب قلبه… بينما يتفطّرُ فؤادها في كل لحظات انقطاع… ليس وهماً؛ ما زال للمشاعر مكاناً بيننا… إنّ التعلق والهيام جزءٌ أصيل تسلل خلسةً بين ضلوع الشاب والفتاة، داخل بيتهم حتى بعد الزواج.

يحاول إدارتها كيفما شاء، تحاول عبثاً أن تثور على ولوعها به، ﻻ يبديان استعداداً للفراق، أو حتى اﻻبتعاد عن المواجهة داخل الغرفة التي تجمع بينهما وحيدين…رغم أنّ اﻹحساس من طرفٍ واحد!!

أنْ تحب ذاك شيءٌ عظيم، لكن أن تكون محبوباً؛ فذاك شيءٌ أصعب… عبارةٌ خطتها له بيدها، هو اﻵخر يعتقد بتلك الكلمة، إﻻّ أنّ المسافات الفاصلة تكاد توازي المسافة بين حياتين إحداهما داخل قبرٍ مظلم، معدمةً بفعل الموت.

قرر أن يتراجع عن مشاعره، قررت أن تتغلب على ذاتها وتعانقه، ما الذي يمنع أنثىً من فعل ما تريد إذا كانت مقتنعةً به؟!

تتوارد الخواطر على عتبة الذاكرة، كيف بدأت تشتاقه، كيف بدأ يلامس روحها، كلاهما يحار في إيجاد اﻹجابة، وﻻ تزال الغرفة مظلمة، والتعقيدات تتراكم كصخرةٍ في طريق سعادتهم…

نحتاج إلى الجرأة لنواجه العالم، قرارٌ ثنائي، أنثويٌّ بحزمِ الرجولة التي فيه.

يستلقي فوق السرير، منهك الجسد، تنهار في لحظةٍ وتسند رأسها فوق الطاولة، يُخرج سيجارة، ينفث خيوط الدخان بعيداً، كأنما ينفث ما تراكم من همومه القديمة، تفتح النافذة، إنّه المساء… للقمر حضوره الساحر، وخيوطه التي تحملنا بعيداً… نسيا أو تغافل كلٌّ منهما عن شيءٍ ما، شيء يحتاج إلى تفسير، أو دليلٍ آخر على وجوده.

رائحةٌ عفنة خرجت من النافذة المفتوحة، إنّها كالعالم اﻻفتراضي المفتوح الذي يفوح فساداً، يمدّ يده إليها، تطبق جسدها لتستريح فوق جسده المتخشب، ﻻ يشعر بها، وﻻ تكاد تلامس رجولته… يستيقظان من حلمٍّ افتراضي آخر، كلٌّ منهما يقف بعيداً، إنّها حياتنا… جزرٌ منعزلة، كلّ ما فيها افتراض… وهمٌّ… خديعة!!

تدرك متأخرةً أنها فرضت ذاك الابتعاد الجنوني، يدرك أنه وافق على ارتكاب الخطيئة مع غيرها في عالمه، يعترف لها، كان قوياً، وتعترف بأنّها وأنّها…!!

يغفر لها، وتغفر له، يضع جهازه المحمول بعيداً، تترك لوحة مفاتيح جهازها المحمول، يطفئ النور، ويذهبان في عناقٍ كأنما يبحثان عن حياةٍ أخرى تذيب ذاك الجليد، أو حتى تتلاقى روحهم في بوتقةٍ واحدة، ﻻ ينفصلان، بل ينصهران في تيهٍ حقيقي، ﻻ كتلك اللحظات الافتراضية… يرتويان بعد عطشٍ وجفاف.

حضورٌ كالغياب، إننا نعلن رفضه، نحتاج حضوراً كاملاً، حتى يصير الغياب حضوراً في زمن اﻷحاسيس اﻻفتراضية، والمشاعر المصطنعة، في زمن الغياب والتبلد العاطفي، حبّاً ترتفع قيمته، ﻻ تعلقاً رخيصاً يتبدد.

منزلٌ واحد، وغرفةٌ واحدة، سريرٌ واحد، ووسادةٌ جمعتهما، لكن العزلة خطفت قلبهما، فكان المشهد اﻷول مجرد تولعٍ بأدوات الحضارة، المحمول “الموبايل”، الذي كاد يحدث الفراق، لوﻻ تلك الكلمات واللحن الذي أبدعه “عبد الوهاب”، حتى عبرت نغمته المحملة بالمعاني من نافذة الغرفة التي أغلقت طويلاً…

زي ما رمشك خد لياليّ    وحكم وأمر فيها وفيّ

يلي زماني رماني في بحر عنيك

ونساني، وقلي: أنساني

بحر عينيك يا حبيبي غريق

لكن فيه أحلى ليالي زماني

تتلاقى اﻷرواح، تتواصل اﻷجساد الملتهبة بالمشاعر الحقيقية، يستدير الرجل إلى فتاته ملقياً ذاك الجزء اﻻفتراضي الذي شغله، تلتفت إليه، تشق دمعةٌ خديها، يحاول تجفيفها بمنديل، تأبى إﻻ أن تبتل وتغتسل بالدموع…!!

الدموع إنها الشيء الذي يؤكد أننا على قيد الحياة… بعد أن فقدنا التواصل، والتفتنا إلى هوىً مزيف… كلانا استدار ليعانق جهازه المحمول، ويدخل عالمه اﻻفتراضي، عشقنا الأزرار، ولامسناها بأناملنا، حتى تحول ما بداخلنا إلى جفاءٍ إنساني، وولوعٍ بآلة؛ اعتقدنا أنها سبيل الهرب إلى عالم النسيان، بعيداً عن هموم الحياة.

يضع يدهُ على زر المذياع القديم، ممسكاً بيده… بضغطةِ زرٍ واحدة يشتعل الجسد شوقاً، يرقصان ورأسها ينام فوق كتفه، ويده تمتد لتداعب خصلات شعرها السوداء، وخصرها النحيل.

للحكاية بقية، عن كلّ حبيبٍ شغله إحساسٌ افتراضيٌّ عن مسرح واقعه، فاستدار إليه ورحل غائباً، البعض استيقظ من عالمه ذاك، وآخرون استسلموا إلى مشاعر افتراضية، لعل يداً حانيةً أو كلماتٍ تطرق بابهم، تشد بأيديهم إلى لحظةٍ يتجدد فيها العناق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.