أثر المبالغة في حماية الأبناء على بنيتهم النفسية والجسدية

أصبح الأهالي شديدي الخوف من خروج أبنائهم لوحدهم خارج المنزل، كما أصبحوا شديدي التحذير من المخاطر، والريبة من العلاقات مع الوسط الخارجي، وإبقائهم ضمن برامج تتبع مواقعهم.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

يشهد القرن الحالي انفجاراً استثنائياً في نِسَب اضطرابات المِزاج من قلق واكتئاب وشعور بالوحدة، والتزايد غير الطبيعيّ في منحنيات إيذاء النفس ومحاولات الانتحار لدى الجيل الجديد من المراهقين والبالغين والشباب.

الأمر الذي شغل عدد من المختصين في مجال علم النفس والتربية. الذين وجدوا حالات ونسب وأسباب مختلفة تبعاً للفئات العمرية، يتعلق ذلك في الأزمات التي تعرضوا لها والحروب التي شهدوها، وباهتماماتهم ونمط حياتهم والتقنيات التي يستخدمونها.

هشاشة البنية النفسية

بدراسة حول هشاشة البنية النفسية للجيل المولود في نهايات القرن الماضي وبدايات الألفية الثالثة، الجيل الذي عرف الحياة تماما عبر السوشال ميديا والأجهزة الذكية، والذي دخل الجامعات منذ سنين مُبكّرة، أشارت عالمة النفس الأميركية “جان ماري توينجي” إلى اختلاف نظرة الأهل لأبنائهم، فقد أصبح الأهالي شديدي الخوف من خروج أبنائهم لوحدهم خارج المنزل، كما أصبحوا شديدي التحذير من المخاطر، والريبة من العلاقات مع الوسط الخارجي، وإبقائهم ضمن برامج تتبع مواقعهم.

وتوصلت توينجي في دراستها للموضوع إلى “حدوث انزياح عُمري للسنّ الذي يسمح به الأهل لأبنائهم بالخروج خارج المنزل لوحدهم.”

الأنماط المشتركة في طريقة تمضية الوقت

لاحظت توينجي ارتفاع إحصائي لافت وحادّ في نسب إقدام هذا الجيل على إيذاء نفسه والإقدام على الانتحار على أبسط الأسباب. ‏ تنحرف المنحنيات بازدياد حاد دائمًا في السنين بين 2011 و 2013 وهي السنين التي صار فيها بالإمكان اقتناء أجهزة ذكية بسعر رخيص، وحدث فيها انفجار في تسجيل حسابات على مواقع التواصل الاجتماعيّ.

وترى توينجي أن هذا الجيل ‏ يمتاز بمجموعة من الأنماط المشتركة في الطريقة التي يقضون بها وقتهم، فهم:

ـ يقضون وقت طويل على السرير ممسكين بأجهزتهم يقلّبون شبكات التواصل.
ـ أقل خروجا من المنزل سواء مع الأهل أو الأصدقاء.
ـ أقل نومًا.
ـ أقل مخاطرة وإقدام على مغامرات وتجارب نوعية.
ـ أكثر عُرضة للاكتئاب.
ـ كثيرو التذمّر من الزملاء، وغالباً ما يُقدِّمون شكاوى ضدّهم.

ضرورة اختبار الدفاعات النفسية

بحسب عالم النفس الاجتماعيّ جوناثان هايدت، تؤدّي التربية الزائدة، والحماية المُفرِطة للأجيال من التنمّر ومن مصاعب الحياة ومشقّاتها إلى خلق جيل هَشّ نفسيًا وداخليًا.

‏فحينما لا يختبر الطفل أي معاناة في صغره، وأي شعور بالرفض والإقصاء الاجتماعيّ، ويعيش في بيئة مُفرِطَة في الحماية فإنّه لا يختبر دفاعاته النفسية، كما لا يتمكّن من مراجعة نفسه (لماذا لا يرغب بي الآخرون؟) يتحوّل الطفل لأداة شكوى (هذا لا يُحبّني، عاقبوه لأنّه لا يُحبّني).

وحينما ينشأ الطفل في بيئة محمية، فلا يتعرّض للرفض الاجتماعيّ أو الإبعاد، وحينما يعيش والنظام يُصحّح له أخطاءه ويجبر الآخرين على قبوله وتقبّله على مساوئه.

‏ هذه الخبرة تشمل أن يخرج الأطفال في مناطق حُرّة للعب كما كُنا في “الحارة” حيث سيرتب على الاحتكاك غير المشروط خبرات نوعية جديدة، وما ينجم عنها من تقوية خبرات الأبناء والاحتكاك مع قسوة العالَم الخارجيّ.

مخاطر المبالغة في الاهتمام بالأطفال

المبالغة في الاهتمام بالأطفال أصبحت نمطا شائعا، تعرض “د. توينجي” لإحدى القصص التي أثارت الجدل “وهي قيام أحد الأزواج بالسماح لأبنائهما 10و6 سنوات بالتجوّل لوحدهما في مُحيط الحَيّ، فقام أحدهم بالإبلاغ عن مشاهدته لأطفال يلعبون ويتجوّلون لوحدهم في الحَيّ للمركز الأمنيّ، الأمر الذي أخضع الزوجين للتحقيق حول إذا ما كانا يُهملان رعاية أبنائهما.

هذه المبالغة في حماية الأبناء، وتدخلهم لحل جميع مشكلاتهم، تجنب الأبناء أي مواجهة مع مشكلاتهم الشخصية، فتحرم الطفل من أن يراكم خبراته الذاتية تجاه الآخرين والحياة بشكل العام. كما تحرم الطفل من قدراته على تقييم نفسه وتقييم الآخرين واكتساب مهارات حلّ المشكلات.

مخاطر تدخلات الأهل

من جهة أخرى يسيء الآباء والأمهات إلى أبنائهم عندما يطلبوا من أقرانهم مسايرتهم وتقبلهم، بالرغم من طباع ابنهم ربما العدوانية أو الأنانية، فيحولون بذلك دون الاهتمام الإيجابي بعيوب ابنهم الشخصية والاجتماعية، والبحث عن سبب ابتعاد الآخرين عنه أو إقصائه، بدلاُ من مراجعة طباع ابنهم ومساعدته على تقويمها؛ كما يغرسون بنفس الطفل اعتقاد أنه محق ويتوجب دوماً على الآخرين تقبله.

لكن ليس بالإمكان أن يتواجد الأهل بكل وقت وبكل مكان وظرف لحماية ومساعدة أبنائهم. لا بد أن يأت الوقت الذي يصبح طفل الأمس بمواجهة مباشرة مع الحياة سواء اضطر للسفر لوحده لأجل الدراسة، أو بدأ حياته المهنية. الحياة ليست رومانسية، فحين يتعرض لأي مشكلة سواء في العمل أو الجامعة أو مع رفاق السكن أو على صعيد علاقة عاطفية …الخ، ولن يجد الأبوين إلى جانبه، سوف تتضخم المشكلة داخله، وقد ينهار مع تزايد الصعوبات التي تواجهه، وهو الذي لم يعتد حل مشكلاته بنفسه، ولم يطور خبراته الداخلية لحل مشاكله، كيف يمكن أن يتقبل شخص عاش دون نقد أو اعتراض وكان دائماً على حق وطلباته مجابة؛ يمكن تخيُّل حجم المعاناة والضغط الذي يمر به، وربما الانهيار النفسي.

صورة تعبيرية(دقائق نت)

مبررات وأخطار الحماية الزائدة

يشرح عالم النفس الاجتماعي “جوناثان هايدت”:”إن مبررات الحماية الزائدة، يخالف المنتج العلمي واستنتاجات الخبرة البشرية عبر التاريخ”.

ـ فهي تصور البشر على أنها كائنات هشة قابلة للكسر، وهذا المبدأ نقيض لمقولة الفيلسوف الألماني نيتشة “ما لا يقتلك يقويك”.

ـ وهي تتبنى مقولة “ثِق دائما بأحاسيسك ورغباتك”، وهذ يناقض ما توصّل إليه علم النفس الإدراكيّ والمَعرفيّ بأنّنا “كائنات مدفوعة بعواطفنا وانحيازاتنا الإدراكية”، وبالتالي لا ينبغي للمرء دائما أن يثق بأحاسيسه أو أن يعتبر أنّ ما يجعله يشعر بعدم الارتياح هو أذى وخطأ بالضرورة، وبالتالي يحرم نفسه من التفكير في المسألة ويطلب الحماية قبل أن يعطي لنفسه فرصة مراجعة نفسه.

ـ كما تتبنى هذه الثقافة مقولة كل من يخالفني هو عدوي، وهذا يخالف الطبيعة البشرية.

ترافق الحماية المفرطة بأمراض الحساسية

يشير “جوناثان هايدت”، إلى ترافق الحماية والمتابعة المفرطة من الآباء، بأمراض الحساسية المسجلة لدى الأجيال الناشئة، فالإحصائيات تشير إلى معاناة الأطفال والمراهقين من أمراض الحساسية نتيجة الحماية المفرطة التي تسببت بعدم قدرة أجسامهم، على بناء نظام حماية طبيعية وأضعفت لياقتهم.

حينما تحمي ابنتك أو ابنك بشكل مفرط من كلّ جرثومة وفيروس وبكتيريا، لَن يتقوّى جهازه المناعي، وبعدها سيتأذّى كثيرًا لو تعرّض لفيروس فجأة بعد سنين. ويضرب هايدت مثلًا بحساسية الفستق والعديد من أمراض الحساسية التي تشيع بالأجيال الناشئة نتيجة الإفراط في حمايتهم وعدم تعريض أجسامهم لمختلف الأطعمة وبعض الجراثيم البسيطة.

مصدر (جوناثان هايدت، التربية المُفرِطَة والحماية الزائدة) (سميرة ونجن، محددات وأنماط المتابعة الأسرية وتأثيرها على التحصيل الدراسي للأبناء)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.