أثر الأحزاب على الهوية السورية

نجح النظام بتمزيق المجتمع السوري، ساعده بعض رموز المعارضة التي تبنت خطاب النظام كمنهج عمل ثوري حَرَفَ الثورة عن مسارها وفرّغها من مضمونها، ساعدهما في ذلك هوية سائلة لم توفر لها المئة عام المنصرمة دولة حاضنة تصلّبها.

عمار جلو

جاءت مفردة “الوطن”، على لسان بطرس البستاني، سابقة لم يعهدها أقرانه من مفكري القرن التاسع عشر، قصد بها الوطن الأم، سوريا، ثم كساها أديب إسحاق بُعدا قومياً أشبعه الحصري تأطيراً وتنظيراً في خضم البحث عن الهُوية، بعد تلاشي الامبراطورية العثمانية وتقوقعها الهُوياتي بدايةً ثم الجغرافي مع فشل المحاولات الرامية لعثّمنة شعوب المنطقة، من خط شريف كولخانة ١٨٣٩حتى ثورة ١٩٠٨ التي وضعت العرب والترك على مفترق طرق وكانت الثورة العربية إحدى نتائجها، إلا أن الفرحة العربية لم تكتمل، فعلى تلة ميسلون سقطت الحكومة المدنية في دمشق، وسقط معها الجدل الدائر عقب الحرب الكبرى حول مسائل التسمية الخاصة بأهالي المنطقة، حيث أصرّ اشراف دمشق على تسميتهم ب” السوريين” في حين أطلق الجنرال غورو “شعوب سورية تتكلم العربية” عليهم ، لذا تم تقسيم سوريا إلى خمس دويلات، وبات على السوريين مقاومة التقسيم والاحتلال معاً، ومع مرور مائة عام على ولادة الدولة السورية، هل استطاع السوريون بناء هويتهم؟

شكلت المادة العاشرة من دستور ١٩٢٠ شهادة ميلاد مجتمعية فقد نصت على أن: “المواطن السوري هو كل فرد من أهالي المملكة السورية العربية وليس من يتكلم العربية فقط”، غير أن إلغاء الدستور المذكور من قبل الدولة المنتدِبة حرم المجتمع السوري من الدولة الحاضنة لهويتها، فالحكومة معطّلة وطنيا نتيجة الانتداب، والمجلس النيابي مسموم نصفياً ومنقسم على نفسه في النصف الأخر، إضافة لقصور تمثيلهما على دمشق وحلب والجزيرة السورية، بذلك لم يبق سوى الأحزاب، كمؤسسة سياسية، تمتلك الحرية اللازمة للقيام بالوظيفة الاجتماعية للدولة.

إلا أن هذه الأحزاب لم تكن أحزاب بالمعنى الحقيقي بل أنها أشبه بتحالف شخصيات وطنية ذات عقلية متشابهة تجمعها أهداف سياسية أو مصالح انتخابية، كما كان يشوبها الطابع الجهوي والإطار المديني، لجأ بعضها من موقعه الحكومي لمهادنة الدولة المنتدِبة للوصول لاتفاق يلغي التقسيم ويمنح الاستقلال، فوقّع إلى جانب معاهدة ١٩٣٦، ملاحق لم يعلن عنها تمس النسيج الوطني السوري، مما جعلها عرضة لانتقاد السوريين وعدم رضى الفرنسيين، حيث صريح غاستون ريو (مقرر اللجنة الخارجية في مجلس النواب الفرنسي) “بأن في سوريا مجموعة شعوب، وأن فكرة المعاهدة خاطئة في ذاتها” كما اعتبر النائب منير العجلوني أن ضياع لواء إسكندرون نتيجة من نتائج التعتيم الذي مارسته الحكومة (الكتلة الوطنية)، وقد ساهمت المنافسة الانتخابية بتأكيد بعض التهم، فقد رشحت الكتلة الوطنية في منافستها لعصبة العمل القومي (الحزب الوحيد الذي قاوم الترتيبات الفرنسية التركية الهادفة لاقتطاع اللواء) بمرشَحين ظهر خيانتهم لاحقاً، فقد انسحبوا من المجلس النيابي السوري وانضموا لمجلس نواب هاتاي ثم لمجلس النواب التركي.

مع تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي ١٩٣٢ ظهرت الأحزاب الأيدولوجية، إذ شكل الحزب المذكور طفرة حزبية نتيجة قيامه على أسس فكرية أيدولوجية يجب أن تُشكل عقيدة للأعضاء، تمحور أهمها بمفهوم الأمة السورية والتي اعتبرها أمة تامة ساهم العامل الجغرافي في تشكُّلِها، ذات قضية خاصة مستقلة عن أي قضية قومية، وأن هذا لا يتنافى مع كون الأمة السورية إحدى الأمم العربية، غير أن الضعف الذي عاناه الحزب نتيجة احتكار الساحة السورية (حكومة وبرلمان وممثلي الأحياء) من قبل الكتلتين الوطنية والدستورية حجب عنه أي دور ريادي لتشكيل هوية وطنية.

إلى جانب السوري القومي الاجتماعي، ظهر الحزب الشيوعي السوري وحركة الإخوان المسلمين والبعث العربي وكلها أحزاب أيدولوجية، إلا أنها تبنت الهوية الفوق وطنية، هذه الأيدولوجيا لدى كل حزب شكلت نقطة قوة وضعف بآن واحد، فالعلمانية التي نادى بها البعث العربي جذبت إليه الأقليات فيما عادته الأغلبية بسببها، وكذلك فعلت الاشتراكية، حيث نظرت إليه النخب المديّنية نظرة دونية فيما انجذب إليه أهل الريف الطامحين للعدالة الاجتماعية، انطبق الأمر على الإخوان المسلمين والشيوعي السوري حيث اعتُبر الأول حزباً للمسلمين السنة، والثاني خاصاً بالكرد، فانصرفت أنظار الأخرين عنهما، لذا كانت أحزاب قاصرة عن ملئ الفراغ الناشئ عن غياب الدولة الحاضنة للهوية الوطنية خلال سنوات الانتداب التي يمكن اختزالها بالجانب الهُوياتي بمقولتين، إحداهما، بداية الانتداب، على لسان فارس الخوري حيث خطب على منبر الجامع الأموي: “إذا كانت فرنسا تدّعي أنها احتلت سوريا لحمايتنا من المسلمين، فأنا كمسيحي أطلب الحماية من شعبي السوري” والثانية على منبر البرلمان، أواخر فترة الانتداب، على لسان النائب فخري البارودي إذ قال : “ليس المسلمون هم الأكثرية والمسيحيون هم الأقلية، إن الأكثرية هم الوطنيون والأقلية هم الخائنون”.

على الرغم من سياسة التفرقة التي انتهجتها فرنسا في سوريا، بداية بالدويلات الخمس، إلى استفتاء ١٩٢٤ لاكتساب إحدى الجنسيتين، السورية أو اللبنانية، إلى قطع التواصل مع الأردن وأميره الساعي لإنجاز مشروع سوريا الكبرى، إلا أن فترة الانتداب بدت وردية مقُارنةً بمرحلة الاستقلال على الجانب الهُوياتي، فمع فشل الحكومات المدنية بفرض الاستقرار السياسي والاجتماعي قفز العسكر إلى السلطة ضمن سلسلة من الانقلابات حرمت البلاد من أي حكومة مدنية مع نهاية أربعينيات القرن الماضي حتى اليوم.

رغم الحكومة المدنية التي حكمت بين عامي ١٩٥٤-١٩٥٨ فروح التدخل في السياسة وصلت إلى المؤسسة العسكرية، وتوّجت بتقرير مصير سوريا (لناحية الوحدة مع مصر) من قبل مجموعة من الضباط في نهاية سهرة سُكر، حيث تم تغّليب الانتماء القومي العرُوبي على الانتماء، بناءً على شعارات لا دراسات، مما شكّل انتكاسة للانتماءين معاً.

حُلّت الأحزاب بموجب الشروط التي فرضها الرئيس المصري لقبول الوحدة، إلا أن غرفة صغيرة فتحت أبوابها في مصر من قبل الضباط السوريين المنقولين إليها، حيث تم تأسيس القيادة العليا للجنة العسكرية البعثية عام ١٩٥٩ بدايةً من خمسة أعضاء، ثلاثة منهم علويون واسماعيليان، توسعت لاحقاً لتضم ١٥ عضو منهم خمسة علويين واسماعيليان و درزيان وستة ضباط سنة، وصلت هذه اللجنة إلى السلطة بمشاركة الضباط الناصريين والوحدويين المستقلين بانقلاب ١٩٦٣ وبغية توسيع سلطتها والحفاظ عليها قامت باستدعاء أنصارها من الضباط وصف الضباط ممن تربطهم بهم الروابط العائلية والجهوية والعشائرية مما ضاعف أعداد الضباط المنتمين للأقليات في مواقع القيادة في الجيش نتيجة التركيبة الموجودة في اللجنة العسكرية نفسها.

مُورس الأمر ذاته على الصعيد الحزبي لتأمين كوادر تتولى مفاصل الحزب والدولة (إذا لم يتجاوز عدد أعضاء حزب البعث حين وصوله للسلطة سوى المئات نتيجة حل الحزب وإعادة تأسيسه ١٩٦٢)، مما خلق جيش من المنتفعين لا يتبنى أيدولوجيا البعث ولكنه يحكم باسمه ويعتاش على موائده، كما ولّد نظرة سلبية للحزب مفادها حكم الأقليات، ما لبثت هذه النظرة أن تعمقت مع المحاكم والتصفيات اللاحقة لكل عملية انقلابية أو نتيجة الصراعات التي حدثت بين قيادة البعث أنفسهم.

 

تَطلّب حسم هذه الصراعات من خلال الأوثق والأقرب، ومنذ ذلك التاريخ انحدر الحزب في حكمه إلى سلطة العائلة والقبيلة (المذهبية أو العشائرية) والجهوية، فالعلمانية التي نادى بها الحزب سقطت في أوحال الطائفية التي لم تتمكن من عقول قادة البعث بشقيه المدني والعسكري بدايةً، فقد وقف (العلويان) صلاح جديد وحافظ الأسد إلى جانب الرئيس (السني) أمين الحافظ بمواجهة (العلوي( محمد عمران، إلا أن تصرفاتهما لاحقاً في معرض ممارسة السلطة عزّزت الولاء العائلي والطائفي.

وما أن حُسم الصراع البعثي لصالح حافظ الأسد، استقبله صراع أخر مع حركة الإخوان المسلمين، حيث شهد الشارع السوري موجة احتجاجات نيابية ونقابية وحزبية في أعقاب طرح مشروع الدستور نهاية عام ١٩٧٢، واستمرت بعد إقرار دستور ١٩٧٣، وقد فرض الحراك المذكور في كثير من الأحيان شروطه على السلطة كالفقرة الخاصة بدين رئيس الدولة، إلا أن جنوح الإخوان المسلمين للعمل المسلح والاعتقالات التي مارستها السلطة، فرّغت الشارع السوري من وطنييه، فمن أخطأته سهام الاعتقال أغلق الباب على نفسه رافضاً الانضمام لأي من الفريقين اللذين لم يتورعا عن استخدام الدين والقومية والطائفية والسلاح في سبيل كسب المعركة التي بدأت باغتيالات ذات خلفية طائفية وانتهت بمسح معالم مدينة حماة كأخر حلقة من حلقات الصراع الذي عمّق الانقسام العمودي في المجتمع السوري.

فالولاء الطائفي والعائلي شكل العامل الأهم في حسم ذلك الصراع واستقر بعده كركيزة للحفاظ على السلطة وممارستها طيلة حكم الأسد الأب إضافة لاعتماد الكوتا بجانبها السلبي في إدارات الدولة العليا كالوزراء والنواب والمحافظين بعد أن تم دفن الهوية الوطنية جهلاً أو عمداً من الأحزاب والحكومات التي تعاقبت على الحكم في سوريا منذ ولادتها حتى ثمانينيات القرن الماضي.

 

نشأت طبقة اوليغارشيا حاكمة تعتمد نفس الأسس التي قامت عليها السلطة لناحية العائلة والطائفة مع بعض رجال المال السنة المتحالفين معهم، خلال حكم الأسد الابن، إلا أن ما يميز الابن عن أبيه تغّليب الجانب العائلي لدى الابن على حساب مظاهر الدولة وقد بدى ذلك بالإحجام عن موقف جدي تجاه ابن خالته لتهدئة الشارع المنتفض في درعا، وبدلاً من ذلك تم اللعب على التناقضات الخاصة بالمجتمع السوري من قبل المستشارة الإعلامية لرأس النظام في أول تعليق للنظام عن الحراك الشعبي، كما تم استذكار محنة السوريين الكرد المحرومين من الجنسية السورية بموجب إحصاء ١٩٦٢ فتقرر منح الجنسية السورية للمكتومين الكرد في خطوة خبيثة للنظام لخلق شرخ مجتمعي يُعيق الثورة الشعبية ويحشرها ضمن تصنيف أثني طائفي لذا تم الإفراج عن الجهاديين الإسلاميين (زعماء الإرهاب ورجالاته) في الوقت الذي تعرض الناشطون المدنيون للاعتقال والقتل تحت التعذيب.

 

نجح النظام بتمزيق المجتمع السوري، ساعده في هذا النجاح بعض رموز المعارضة التي تبنت خطاب النظام كمنهج عمل ثوري حَرَفَ الثورة عن مسارها وفرّغها من مضمونها، ساعدهما في ذلك هوية سائلة لم توفر لها المئة عام المنصرمة دولة حاضنة تصلّبها، فقد استقلت سوريا كدولة سياسية دون أن تشكل مجتمع سياسي حسب توّصيف نيكولاس فاندام، ولم يُعطِ المجتمع السوري الأهمية اللازمة لتفجير محاسن فسيفسائه وتأطيره باطار وطني جامع، على العكس من ذلك فقد تم تلغيمه داخلياً في سبيل الوصول إلى السلطة وتعزيز المواقع فيها، ممّا سرّع بانزلاق الثورة في أتون حرب اهلية، لكن ألم تنتج بعص الحروب الأهلية مجتمعات ودول متماسكة بعد فشل الاحتكام للسلاح وتوجه الإرادة الشعبية لذلك؟

يُجيب التاريخ: نعم، ولكم في الحرب الأهلية الأمريكية وحرب الوردتين في انكلترا إضافة لحروب القارة الاوربية قبل معاهدة وتسفاليا وما بعده أمثلة جلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.