أبي الأستاذ.. أبي العتّال!!

هو ذاته الذي كان يلملم الحقول وأسماء القرى والمدن وملامحها في كيس ذاكرته كلما حان موسم حصاد ليبذرها في وجه أول جلسة يحضرها. باتت ذاكرته كيساً مثقوباً وعالقاً على سلك كهرباء. أما يده فأصبحت مجرد (ريموت) يتعلق بها على حافة خبر عاجل. أو يدعو بها محللاً سياسياً إلى سُفرة عشائنا رغماً عنا.
حسين ضاهر؛ يكتب عن أبيه الأستاذ.. أبيه العتّال!!

الأيام السورية؛ حسين الضاهر

(1)

ترك أبي مهنة التدريس في أواخر الثمانينات واتجه نحو العتالة مبرراً هبوطه الوظيفي هذا بقلة الراتب وغلاء المعيشة. فانشغل عنا بملاحقة (الچوالات) أو (الچوايل) والتي أكلت من ظهره نثراً ومن عمره سنين طويلة، فحملتْ عنه أمي لقب الأب ومشت تغلف الأيام ببهجة مصطنعة. فحيناً تصير أم حسين وأحياناً كثيرة أبا حسين! ولم يزد عليها لقبها الأخير سوى أقدام متشققة وشقاء.
ظل أبي على هذه الحال ثلاثين سنة، يقول: (ثلاثون سنة حملت فيها كل حنطة الجزيرة على ظهري).
كان في كل موسم يغادرنا ولا يعود إلا بعد شهر أو شهر ونصف أو أكثر وذلك يعتمد على وفرة عطايا السماء.
يقول: في سنة 1988 عدت بـ 7000 ليرة لوحدي،
منذ قليل شاهد صور الحرائق المنتشرة على شبكات التواصل والإعلام كالنار في “السفير” فدمعت عيناه ثم سند ظهره إلى الجدار بعدما أيقن أنه لن يقدر على حمل كل هذا الرماد .

(2)

وقع بين يديّ في الأمس دفتر عتيق كان قد استخدمه كسجل مدرس. رحت أقلب صفحاته ببهجة كمن يتصفح مخطوطاً نادراً! ومن بين الأمور التي لفتت انتباهي جدول مستوى الطلاب وهواياتهم.
حسن: مواظب على كتابة وظائفه، نظيف، مجتهد، ويحب كرة القدم.
خليل: مواظب على كتابة وظائفه، متوسط، مشاغب ولا يكف عن مضايقة أصحابه.
إيمان: مواظبة على دروسها، مجتهدة، خجولة لكنها قليلة المشاركة.
مريم: تحب اللعب بالتراب.
توقفت هنا عند كفيّ مريم.
في زمن لا يشبهنا
كانت مريم
وكانت الأرض مرتعاً للأغنيات
وبلحظة لهو
صنعتْ من الطين
حذاء أخذها إلينا
حيث نسكن الآن
في حضن اللاشيء
مرت بجوار موتنا
فكفنته بحيرة بيضاء.
سلامٌ عليكِ في الخالدين يا مريم .

(3)

أبي الذي يقابلني في الجلسة الآن هو ذاته أبي الذي أناديه (ياب) منذ الخلق الأول للكلمات في فمي، كذلك ورث أولادي الكلمة بحروفها القليلة ورائحتها الشاوية.
هو ذاته أبي الذي ولد في عام مُختلف بشأنه إلى الآن.
هو ذاته الابن البكر لأمه التي عبرت من تركيا إلى سوريا عبوراً باكراً لتتزوج ولم تعد إلى منبتها الآمن بالرغم من هروبنا الجماعي إليه.
هو ذاته الطالب اليابس الوجه أحياناً والنحيل دائماً، الذي يكمل دروسه على عربة بحصان أو (كديش) و هذا أمر مُختلف بشأنه كذلك .
هو ذاته الذي خدم علّماً ما لأربع سنوات وأيام، دون أن يتململ بل ويصّر بأنها أجمل أيام حياته.
هو ذاته الذي حصل على الشهادة الثانوية وأراد التاريخ هواءً لرئته الفتية إلا أن جدي أغرقه في مستنقع السوق فأورثه عربة مهترئة وعائلة كبيرة ليلقى ربه بسقوط حر عن الدرج.
هو ذاته الذي ينادونه (الأستاذ) إلا أنه في الحقيقة (حمال).
هو ذاته الذي انتظرناه ونحن أطفال عند نهاية حائط (كرم الحنيضل) ليأتينا بطيبات منبج.
هو ذاته الذي انتظر كي يراني خريج تاريخ لكن التاريخ أعاد نفسه، ياللتاريخ !
هو ذاته الذي تمسك بمنبج إلا أن منبج لم تتمسك به (يكررها عندما تضغط الغربة على رسغه).
هو ذاته الذي أميزه عن مدينة من الرجال بوشاحه الأحمر المرقط و(كَلابيته) الرصاصية المضادة للحداثة.
هو ذاته الذي يجلس قبالتي الآن ولا يأبه بما أكتب.

(4)

منذ أن رمته زوبعة الحرب في هذا الشمال المقيت، لم يجد ما يفعله..
فاستلقى أمام شاشة التلفاز كقارب غارق في قعر محيط؛ تخترقه أسماك الأمل تارةً وتنمو على وجهه طحالب الخيبة دائماً.
هو ذاته الذي كان يلملم الحقول وأسماء القرى والمدن وملامحها في كيس ذاكرته كلما حان موسم حصاد ليبذرها في وجه أول جلسة يحضرها.
باتت ذاكرته كيساً مثقوباً وعالقاً على سلك كهرباء.
أما يده فأصبحت مجرد (ريموت) يتعلق بها على حافة خبر عاجل.
أو يدعو بها محللاً سياسياً إلى سُفرة عشائنا رغماً عنا .
أبي ضحية أمل زائف يدعى (العودة) أقنعه بها مجموعة محللين سياسيين؛
أبي اليوم مجرد عداء متأهب ينتظر صافرة العودة التي لن يطلقها أحد.

هامش:

حين ضرب زلزال منطقتنا ركضنا جميعاً بلا وعي إلى الشارع!
حينها ركض معنا تاركاً مذيعة قناة العربية لوحدها في الغرفة.. لوهلة ظننته تخلص من لعنة التلفاز تلك.
ثم عاد فجأة بذات السرعة إلى البيت.
وعندما خرج مجدداً إلى الشارع وفي يده “الريموت” ارتسمت على وجهه علائم الانتصار كأنه أنقذ طفلاً من تحت الأنقاض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.