أبو خليل القباني الشيخ الذي أسس المسرح الغنائي العربي

كان فقيها وشاعرا وأديبا بارعا، كتب الأزجال في شبابه، تعلم الموسيقى والموشحات الأندلسية، واكتسب شهرة في فن الموسيقى والغناء، وتتلمذ على كبار الموسيقيين في دمشق، وتعلم التواشيح والأغاني الدينية.

الأيام السورية؛ بتول حسن

يعد أحمد أبو خليل القباني؛ رائدا من رواد المسرح العربي في سوريا، وهو أبو المسرح الغنائي. وله دور فعال في تطوير هذا الفن حيث قدم كثيرا من المسرحيات العربية في سوريا ومصر.

الولادة والنشأة

وُلد أبو خليل القباني في دمشق، سنة 1852م، لأسرة دمشقية عريقة يتصل نسبها بأكرم آقبيق الذي كان مستشار السلطان سليمان القانوني. وأحد أجداده هو شادي بك آقبيق أحد أفراد عائلة آق بييق التركية المعروفة.

لُقِّبت العائلة بالقبَّاني لأن والده كان يـملك قبّان في باب الجابية نسبة إلى القبابـين التي كانت بذلك الزمان ملكاً لفريق من العائلات في كل حي من أحياء دمشق.

أنشأه أبوه تنشئة دينية، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى العلوم الإسلامية على شيوخ عصره، وتعلم القراءة والكتابة، ودرس أصول العبادات وعلوم الدين واللغة والموشحات الدينية في المسجد الأموي، وحضر دروس الصوفية وحلقات الدين في التكايا حتى نال لقب الشيخ.

كما كان فقيها وشاعرا وأديبا بارعا، وكان يكتب الأزجال في شبابه، تعلم الموسيقى والموشحات الأندلسية، واكتسب من الشهرة في فن الموسيقى والغناء، تردد على كبار الموسيقيين في دمشق، وتعلم التواشيح والأغاني الدينية، وتتلمذ على كبار أساتذة الموسيقى الذين شهدوا له بالإقبال على الدرس وبالتفوق والنبوغ.

نال شهرةً في فن الموسيقى والغناء، وأصبح أستاذاً لهذه الفنون، وكان الناس يرجعون إليه ويلهجون بذكره، وبخاصة عندما رحل إلى مصر ليقوم بتأسيس هذا الفن الجديد.

بداية التعلق بفن المسرح

كان من عادة القباني في صباه أن يتردد على المقاهي، وخاصة المقهى الكبير بحي العمارة في دمشق القديمة، وكان يستمع من الحكواتية والقصاصين الشعبيين إلى القصص الشعبية والملاحم والسير الشعبية، وكان يشاهد لاعبى الأراجوز ويستمع إلى ملاحم عنترة وأبي زيد الهلالي وسيرة بني هلال والزماني خليفة والظاهر بيبرس.

بعد مشاهدة القباني هذه القصص الهزلية الضاحكة أو التاريخية الحماسية، أعجب بخيال الظل بشكل كبير، وهذه المشاهدات ولدت عنده رغبة بأن يقدم مثل هذه القصص أمام الناس. يقول في مذكراته: “نحن نشاهد الخيالات المصنوعة من الجلد والتي يحركها ويقوم بجميع أدوارها شخص واحد. وهذه الأعمال متعبة جدا، وتدل على براعة فائقة، واستعداد عظيم وإرادة قوية وصلبة. فإذا كتب أحدنا قصة بخمسة أشخاص أو أكثر ثم أخذنا نتحاور في كل ما من شأنه أن يعود بالفائدة على المجتمع، ويحطم الأدمغة المتحجرة، أليس ذلك أفضل من الخيالات التي يزرع فيها الحياة رجل واحد، ومع مرور الأيام نختار القصص العربية والتاريخية، والإسلامية الطافحة بالتوجيه والموعظة والعبر، والشجاعة والفداء والتضحية، ومن ثم نضيف إليها من يغنى ويطرب ومن يرقص السماح ويبدع، ونقيم الحفلات المبدئية في قاعات البيوت الكبيرة”.

التأثر بالمسرح الأجنبي

تأثر القباني بالفرق الأجنبية التي كانت تأتى إلى باب توما بدمشق، وتقدم مسرحيات اجتماعية وأخلاقية في المدرسة العازارية، حيث شاهد هذه المسرحيات جمعياً، وقد تأثر القباني بالمسرح الأجنبي، كما تأثر بمسرح خيال الظل، ومنها أخذ فكرةً عن المسرح والتمثيل، فأسس في دمشق مسرحاً وألف فرقةً.

بداية المسرح السوري والعربي

يعتبر أبو خليل القباني أول من أسس مسرحاً عربياً في القرن التاسع عشر في دمشق، وقدم عروض مسرحية وغنائية وتمثيليات عديده منها (ناكر الجميل)، و(هارون الرشيد) و(عايدة)، و(الشاه محمود)، و(أنس الجليس)، وغيرها. أعجب أبو خليل القباني في بداياته بالعروض التي كانت تقدم في مقاهي دمشق مثل الحكواتي ورقص السماح، وكان يستمع ويتابع النوتة الموسيقية لابن السفرجلاني، وكذلك تلاقى القباني مع الفرق التمثيلية التي كانت تمثل وتقدم العروض الفنية في مدرسة العازرية في منطقة باب توما بدمشق القديمة.

رائد المسرح العربي

قدم رائد المسرح العربي القباني أول عرض مسرحي خاص به في دمشق عام 1871 وهي مسرحية (الشيخ وضاح ومصباح وقوت الأرواح) ولاقت استحسان الناس وإقبال كبير، وتابع الناس أعمال القباني وعروضه المسرحية وحقق نجاحاً كبيراً، وفي عام 1879 أسس أبو خليل القباني فرقته المسرحية وقدم في سنواته الأولى حوالي 40 عرضاً مسرحياً وغنائياً وتمثيليات اضطر أبو خليل بالاستعانة بصبية لأداء دور الإناث في البداية مما استنكره المشايخ فشكوه والي دمشق، لاقى صعوبات في البداية وتوقف عن عروضه المسرحية إلى حين عودة مدحت باشا إلى ولاية دمشق حيث سهل له متابعة العمل المسرحي. واشتهر القباني وعرف بعروضه المسرحية الجميلة التي يقدمها وحقق نجاحاً كبيراً واضعاً الأسس للمسرح العربي.

مرحلة القباني في مصر

بعد النجاح الكبير لرائد المسرح السوري والعربي القباني ومسرحياته في دمشق سافر مع مجموعة ممثلين فنانين وفنانات سوريين إلى مصر حاملاً معه عصر الازدهار للمسرح العربي والذي هو رائده، وكذلك مؤسس المسرح الغنائي حيث أدى مسرحية أنس الجليس عام 1884 فازداد شهرة أكثر.

أهم ألحانه

(موشح “برزت شمس الكمال… من سنا ذات الخمار” على مقام الحجاز وايقاع جفتة/ موشح “ما احتيالي يا رفاقي” من مقام الحجاز وايقاع الأقصاق/ موشح “اشفعوا لي يا آل ودي” من مقام الهزام وايقاع جفتة جنبر/ موشح “رصع اللجين بياقوت في الحناجر” من مقام الرست وايقاع المصمودي الكبير/ موشح “يا غصن نقا مكللاً بالذهب”/ موشح “بالذي أسكر”/ موشح “يا من لعبت به شمول” من مقام الرست وايقاع الفالس/ موشح “شادنٌ صاد قلوب الأمم” من مقام عجم عشيران وايقاع سماعي دارج/ موشح “كيف لا أصبو لمرآها الجميل” من مقام شوق أفزا وايقاع الأقصاق/ قد “يا مسعدك صبحية”/ قد “صيد العصاري”/ قد “يا طيرة طيري يا حمامة… وديني لدمّر والهامة”/ قد “يا مال الشام”.

أهم مسرحياته

ترك القباني؛ خمس عشرة مسرحية ولم ينشر منها غير ثمان، كما يذكر محسن أطمش في كتابه “الشاعر العربي الحديث مسرحيا”، وهي (هارون الرشيد مع الأمير غانم)، و(هارون الرشيد مع أنس الجليس) و(الأمير محمود نجل شاه العجم)، و(عنترة)، و(عفيفة ز)، و(ألباب الغرام أو الملك متريدات)، (حيل النساء الشهيرة بلوسيا) و(ناكر الجميل).

وفاته

تتلمذ على يد القباني الكثير من رواد المسرح بعد ذلك، سافر إلى العديد من البلدان كإسطنبول والولايات المتحدة. وفي سنواته الأخيرة دوّن أبو خليل القباني مذكراته وتوفي في دمشق بمرض الطاعون عام 1903 ودفن بدمشق.

بيت أبو خليل القباني (ويكيبيديا)
مصدر (د. محمد يوسف نجم، المسرحية في الادب العربي الحديث)، (وصف المالح، تاريخ المسرح السوري) (محسن أطمش، الشاعر العربي الحديث مسرحيا)، (أحمد ايـبش، دفاتر شامية عتيقة) (خير الدين الزركلي، موسوعة الأعلام)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.