آنّا أخماتوفا الشاعرة التي حاربها ستالين.. شكل شعري متألق بوسائل لغوية بسيطة

شاعرة وناقدة أدبية ومترجمة روسية. تعتبر من أركان الأدب الروسي في القرن العشرين. كانت شاعرة، تعكس قصائدها عمق شخصيتها، وتنطوي على حقائق نفسية ووجدانية قوية، تثير رغبات حسية دفينة وموجعة، عبر شكل شعري متألق، بوسائل لغوية بسيطة.

الأيام السورية؛ محمد محسن

ولدت آنا أخماتوفا في 11 يونيو/ حزيران عام 1898 في أوديسا في روسيا القيصرية. وتميزت منذ صغرها بطبعها الحاد، وفي الوقت نفسه اتسمت بالذكاء والفطنة، التحقت بالمدرسة الأدبية عام 1900 وأمضت فيها خمسة أعوام ثم انضمت إلى مدرسة خاصة في كييف، وتلقت دورات في الأدب والتاريخ 1908. وعندما بدأت نشر أعمالها عام 1911 اختارت الشاعرة لنفسها “أخماتوفا” كاسم فني – بدلاً من لقب والدها غورينكو – اعتقاداً منها أن أحد أسلافها (أحمد خان) كان أميراً تترياً ينتمي إلى سلالة ” جنكيزخان “.

دواوينها

صدرت أول مجموعة شعرية لها في 1912 تحت عنوان “أمسية”، ثم أتبعتها بمجموعة ثانية في 1914 بعنوان “المسبحة”، ومجموعة ثالثة في 1917 بعنوان “القطيع الأبيض”، ومجموعة رابعة في 1921 بعنوان “أعشاب على جانب الطريق”.

كانت آنّا أخما توفا شاعرة رقيقة ذات موهبة عظيمة، وكانت قصائدها تعكس عمق شخصيتها، وتنطوي على حقائق نفسية ووجدانية قوية، تثير رغبات حسية دفينة وموجعة، عبر شكل شعري متألق، بوسائل لغوية بسيطة.

قصائد ممنوعة

في قصائدها ينعكس همها الخاص ممزوجا بتناول التطورات السياسية الجارية في بلادها ما أدخل دواوينها في دائرة المحظور، إذ أمرت السلطات بعدم نشر أشعارها وأعمالها الأدبية خلال 1923-1934.

مع أنها انضمت إلى اتحاد الكتاب السوفيات 1938، لكنها عادت فأصدرت مجموعة شعرية حزينة تارة ومتمردة تارة أخرى عام 1939 تحت عنوان “مرثاة”، وخصصتها للحديث عن “العسف السياسي” في بلادها، وتجربتها الخاصة مع إعدام زوجها الأول نيقولاي غوميليوف في 1921، واعتقال ولدها الوحيد ليف غوميليوف.

لم تغفر السلطات السوفياتية لها مجموعتها الشعرية “مرثاة” فأوعزت للنقاد بشن هجمة ناقدة لإنتاجها الأدبي على صفحات أهم المجلات الأدبية في ذلك الحين، وأتبعت ذلك بقرار يقضي بفصلها من اتحاد الكتاب السوفيات 1946.

تقول مصادر إنها أصدرت مجموعة شعرية 1950 تحت عنوان “المجد للسلام”، في خطوة تصالحية مع السلطات السياسية، وللتوسط لمصلحة ولدها الذي عاد مجددا إلى المعتقل.

ساهمت هذه المجموعة الشعرية في الإذن بعودتها إلى اتحاد الكتاب السوفيات، وفي 1956 أفرجت السلطات عن ولدها لكنه تنكر لمعاناة والدته مما زاد آلامها وعمق شعورها بالوحدة والانكسار، ولهذا كانت مجموعة “أشعاري” التي صدرت في ذلك العام هي الأكثر سوداوية في عطائها الأدبي.

آنا أخماتوفا (روسيا الآن)

قداس جنائزي

في عام 1935 بدأت بكتابة قصيدتها الطويلة الرائعة “قداس جنائزي” وهي قصيدة سيرة ذاتية تعكس معاناتها الداخلية، وفيها تجلت عظمة أخما توفا كشاعرة مبدعة. هذه القصيدة، التي قضت الشاعرة حوالي عشر سنوات في كتابتها، هي دليل على نضجها كشاعرة، فقد كانت تعيش في فقر مدقع، تعاني من الجوع والبرد، وتشعر بالنفور من الواقع الكئيب، الذي كان يعج بالمخبرين السريين، لكنها لم تفقد احترام الذات. في هذه الظروف الصعبة كانت تكافح ضد الواقع المرعب بسلاح الشعر تقول آنا: “وقفت آنذاك مع شعبي وتقاسمت معه محنتي “.

بعد سنوات من التضييق والصمت والتجاهل، نشرت قصيدة “قداس جنائزي” في ميونيخ عام 1963، في كتاب صدر عن دار نشر “فيرلاج” الألمانية.

بعد أسابيع قليلة من النشر تحولت القصيدة إلى صرخة حزن ليس فقط للشاعرة نفسها، ولكن أيضًا لملايين النساء الروسيات اللائي عشن كل أهوال النظام الذي حطم حياتهن، وحياة أزواجهن وأبنائهن، تقول الشاعرة:

” اليوم لدي الكثير لأفعله: يجب قتل الذاكرة حتى النهاية، ويجب أن نجعل الروح لا تأبه، ويجب أن نتعلم كيف نعيش مرة أخرى “.

شادت آنَّا أخما توفا لغة شعريَّة قائمة على إيقاعات رشيقة ومرنة وقافية ثريَّة وخاصَّةً على مفردات مجرَّدة وشفَّافة؛ ويبدو بناء هذه اللغة حقيقة آسرًا من فرط طراوته ونقائه، إذ تنهل في كتابة الشعر من معين أنفاسها الشفيفة والمتسامية. وستعرض آنَّا عن السحر المصطنع الذي يعتمده شعراء آخرون (إسّين، بلوك، ماياكوفسكي…)، ليبقى صوتها متفرِّدًا أصيلاً وساحرًا.

تقدير متأخر

منحت آنا جائزة الشعر والأدب في إيطاليا عام 1964، وفي 5 يونيو/حزيران 1965 منحت جامعة أكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب لآنا أخماتوفا، ولأول مرة في تاريخ الجامعة، كسر البريطانيون التقليد الأكاديمي الراسخ: لم تصعد آنا أخماتوفا الدرج الرخامي لاستلام شهادتها من يد رئيس الجامعة، على النحو المعتاد، بل إن رئيس الجامعة هو الذي نزل إليها. كما أن اخماتوفا اعتذرت عن وضع القبعة التقليدية على رأسها لأنها ـ كما قالت ـ لا تلائمها، ووافق رئيس الجامعة على استثناء ملكة الشعر من هذا التقليد الراسخ أيضاً.

ومع بداية عهد البيروسترويكا في الاتحاد السوفياتي خلال ثمانينيات القرن العشرين، سُمح بطباعة إنتاجها الأدبي والفكري وأعمالها في مجال نقد الأدب، وصدرت جميع أعمالها الشعرية، بل وأكثر من ذلك تحولت إلى بطلة في عشرات الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، وأبدع الرسامون في كتابة “بورتريه أخماتوفا”.

حُولت قصائدها إلى أوبريتات وباليهات وأغان يصعب حصرها. وكتبت عنها عشرات الكتب والأطروحات العلمية. وتحتفل روسيا في 23 يونيو/حزيران من كل عام بذكرى ميلاد الشاعرة حيث تقام فعاليات ثقافية جماهيرية، يلقي خلالها أشهر الممثلين والممثلات الروس قصائدها الوجدانية التي تهز المشاعر بصورها الفنية المدهشة.

الشاعرة بريشة ناثان ألتمان 1914 (الأنترنت)

أخماتوفا وجائزة نوبل في الأدب

تحافظ أكاديمية العلوم السويدية ـ مانحة جوائز نوبل ـ على سرية وثائقها الأرشيفية لمدة خمسين عاماً. وكما يتضح من الوثائق المنشورة في يناير/كانون الثاني عام 2016 أن أخماتوفا كانت ضمن لائحة المرشيحن لنيل جائزة نوبل في الأدب عام 1965.

وجاء في تلك الوثائق أن رئيس لجنة نوبل “أندرس أوسترلوند” قال خلال تقييم قصائد أخماتوفا: “لقد تأثرت كثيراً بالإلهام القوي للشاعرة، وتأثرت أكثر لمصيرها وإرغامها على الصمت الإجباري لسنوات طويلة”. وقد ذهبت الجائزة في ذلك العام إلى مرشح الدولة السوفيتية ميخائيل شولوخوف، بعد أن حشّد الاتحاد السوفيتي تأييد الأوساط الأكاديمية، والفائزين بجائزة نوبل من الكتّاب والشعراء اليساريين. ومارس ضغوطاً دبلوماسية واقتصادية على السويد.

كما تشير وثائق الأكاديمية السويدية التي كشف النقاب عنها عام 2017 أن أخماتوفا كانت من أبرز المرشحين لنيل الجائزة عام 1966. ولكن وفاة الشاعرة في مارس/آذار من ذلك العام أدى إلى صرف النظر عن ترشيحها.

غلاف كتاب ترجمة أشعر آنا أخماتوفا(ويكيبيديا)

وفاتها

توفيت آنا أخما توفا يوم 11 مارس/ آذار 1966، بنوبة قلبية في مصحة بالقرب من ضواحي العاصمة الروسية موسكو.

مصدر (جودت هوشيار، آنّا أخماتوفا ملكة ذات طابع مأساوي) (غيل براستنيتزار، آنَّا أخماتوفا أيقونة الوجع الروسي) (محمد حجيري، آنا آخماتوفا.. روحية الراهبة وإيروس بائعة الهوى)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.