آل الأسد وسياسة الأرجوحة Swing policy””

ثمة بعض التصريحات والتحليلات التي تتحدث عن تفاهم “سوري – إسرائيلي”، يعطي انطباعاً أن “الأسد” يحاول مجدداً اتباع سياسة “السير على حافة السور”، متخلياً عن حلفه القديم مع “طهران” لصالح تحالف جديد مع “عدوه السابق” إسرائيل.

الأيام السورية - فرات الشامي - سوريا

سياسة “حافظ الأسد” الخارجية المتأرجحة أكسبته “شعبية”

تأثرت سورية بسياسة خارجية تبناها نظام “حافظ الأسد” اعتمدت على نهج خاص في التعامل مع دول الجوار، بل وحتى مع “الشركاء” إن جازت التسمية. اتسمت تلك المرحلة بأنها تميل كـ”الأرجوحة” ما بين موقفٍ وضده. ليتمكن “الأسد” الأب من كسب بعض الجولات وتجييرها لمصلحته الشخصية في الداخل، وهذه النقطة تحسب لصالحه – بغض النظر عن اتفاقنا معها أم لا – لكن أسلوبه هذا في التعامل مع المحيط عادةً ما تستند إليه الدول ذات الإمكانيات “الضعيفة”.

استطاع “حافظ الأسد” عبر تلك “السياسة المتأرجحة” من تحييد بعض الخصوم، وكسب آخرين، وحتماً الدفع بالبعض لاستجدائه وطلب مساندته، ولعل هذا الشيء أكسبه “شعبية” في الداخل مع بعض “البهارات الإعلامية المخابراتية” حيال تغيير مواقفه وتبديل سياساته.

العلاقة الثنائية بين “دمشق – طهران” وأثرها على المشهد السياسي في “لبنان” في ثمانيات وتسعينات القرن الماضي تعطي صورة واضحة لقدرة “حافظ الأسد” على امتلاكه مفاتيح لعبة “التأرجح” تلك، مستنداً إلى “ابتزاز الآخرين” في ذروة معاركهم السياسية والعسكرية؛ كما حدث إبان هجوم “إيران” على “البصرة”.

شخصية “بشار الأسد” نسفت سياسة “والده” وبدا أنه غير ممسكٍ بالعصا لإكمال السير على الحبل:

التركة التي ورثها “بشار الأسد” كانت كافية للمسير في ذات الاتجاه، لكن الاختلاف بين شخصيتي “الأب” و”ابنه” والتي وصلت ذروتها في العام 2005 كانت مقدمة لنسف وإطاحة ما أسسه سلفُه “حافظ الأسد” بسهولة، لا سيما إذا قرأنا بعض الإشارات حول صراع نفوذ داخل الأسرة الحاكمة بين “الحمائم” و”الصقور”، بهدف تقاسم “الإرث”.

يمكن أن نفهم اليوم أن “الفساد السياسي” الذي مارسه “حافظ الأسد” وأسلوب “السير على حافة السور” أو كما يقال في المصطلح السياسي الإنكليزي  Walking on the fence”” أدى تدريجياً للنيل من “بشار الأسد” نفسه، وبدل أن يمتلك “القوة” في إدارة الصراع، واتخاذ موقف متوازن في “السير على الحبل” Walk on the rope بدا أنه غير ممسكٍ بالعصا لإكمال السير؛ ما دفع بـ”السكين” لتقتص منه وتلعب معه ذات اللعبة “الابتزاز”، متحولاً بذلك من موقف “القوي” كما في حرب الثمانيات مع “إسرائيل” في لبنان، والدخول إلى دائرة “الفأر” بفعل “ضحالة خبرته” بالمقام الأول.رغم أن نظام “بشار الأسد” الذي يعتبر امتداداً لشخصيات عاشت في كنف “حافظ الأسد”، لكنها بدت غير قادرة بفعل موت “الشاه” والحاجة إلى “عقلية تدير إجرامه” بحنكة، فكان تكرار التجربة في “العراق” وتسهيل دخول “انتحاريين” عبر حدود سورية وتنفيذ جرائم راح ضحيتها “أبرياء” للدفع بالإدارة الأمريكية باتجاه طلب مساعدته وتحريكهم للتعاون ضد ما يسمى “الإرهاب”، لكن “خيبته” وبداية ظهور خلاف مع “حلفاء” والده “الإيرانيين” بدت في طور التبلور.

“نوري المالكي” عدو الأمس، الذي طالب بمحاكمة “الأسد” بتهمة “دعم الإرهاب” وإن بدا في وقتٍ لاحق صديقاً له، إلا أنها دلالات كافية على طبيعة العلاقة التي تجمع بين “الشركاء” ومن يحرك أساساً تلك العلاقة علناً في “طهران”.

لعبة التأرجح ما بين “الأسد – طهران – إسرائيل”:

الحلف الثنائي بين “سورية – إيران” لم يكن حلفاً مثالياً أو صادقاً بما يكفي، وإنما مَثّلَ معادلة ترمي كما هو معتاد إلى ابتزاز “دول الخليج” في المقدمة، ونوعاً ما “واشنطن” من خلال تشكيل ورقة ضغط يمكن اللعب بها في الوقت المناسب، والتفاوض عليها.

إيران اليوم تلعب ذات اللعبة وهي تتخذ ذات الموقع وتتأرجح مع الرغبات الدولية، مستفيدةً من تجربة “حافظ الأسد”؛ عملياً لا ترغب “طهران” بـ”بشار الأسد” وهي تنتظر “البديل”، وفي ذات الوقت لا تبحث عن “صِدام” على الحدود الجنوبية لـ”سورية” مع الكيان الصهيوني المحتل، وإنما محاولات “ابتزاز” جديدة تقودها بنفسها هذه المرة نكايةً بأمريكا.الحلف الثنائي بين “سورية – إيران” لم يكن حلفاً مثالياً أو صادقاً بما يكفي، وإنما مَثّلَ معادلة ترمي كما هو معتاد إلى ابتزاز “دول الخليج” في المقدمة، ونوعاً ما “واشنطن” من خلال تشكيل ورقة ضغط يمكن اللعب بها في الوقت المناسب، والتفاوض عليها.

إسرائيل اليوم تحاول إقصاء “إيران”، وربما تقبل بلعبة التأرجح، مستفيدةً من الإدارة الأمريكية الجديدة المقربة من “تل أبيب”، على عكس العلاقات التي جمعتها بالرئيس “أوباما”، لكنها بالمقابل محاولة لا تزال ضعيفة مع غياب “البديل” على الأقل لضبط الحدود الجنوبية لسورية، وهذا ما يعطي للصهاينة حجة لدعم الأسد من خلف الكواليس، وليس التمسك به أو قبوله.

ثمة بعض التصريحات والتحليلات التي تتحدث عن تفاهم “سوري – إسرائيلي”، يعطي انطباعاً أن “الأسد” يحاول مجدداً اتباع سياسة “السير على حافة السور”، متخلياً عن حلفه القديم مع “طهران” لصالح تحالف جديد مع “عدوه السابق” إسرائيل.

المشكلة أن نظام الأسد أوقع نفسه داخل “شبكة معقدة” وحلقة مفرغة، فحتى يتخلص من الثورة قتل “الأبرياء”، ودفع به فشله في كبح لجام الشباب السوري لاستجداء “إيران”، لكن ابتزاز الأخيرة له، أجبره على مغازلة “موسكو”، ليجد نفسه بين فكي كماشة، ولا سبيل لكسرها إلا بالتقرب ممن يدير فعلياً الأمر وصاحب القول الفصل وهو “إسرائيل”.

لا يمكن القول بحدوث قطيعة بين “الأسد وطهران”، وإن بدا ظاهرياً أنه في وقتٍ لاحق قد يتخلى عنها، وإنما هي مناورة تتفهمها “إيران” للخروج من المأزق، لكنها بهامشٍ ضيقٍ هذه المرة.

حبل الأرجوحة يكاد يخنق الأسد وحلفه:

سياسة التأرجح التي اتبعها “الأسد” قد تدفعه إلى كسر المحظور وتعريه أمام نفسه وقاعدته الشعبية التي تتغنى بـ”ممانعته”، وما كان في الزمن القريب يوصف بالخيانة عند “محور الممانعة” قد يتحول مع الوقت إلى “محور السلام” دون أو مع “شيطنة” النهج السابق وكأنما هي حالة “براغماتية” لإسكات بعض الأصوات التي قد ترفض ذلك، إن ارتفعت.

حبل الأرجوحة يكاد يخنق الأسد وحلفه، لكن بالمقابل ما تزال المعارضة السورية لا تجيد اللعب ولا التأرجح، وإنما تتأمل استعراض البهلوان، فلا هي تملك المقدرة ولا تطمح أبعد من أن تدخل خيمة اللعبة/السيرك بعد حصولها على بطاقة “مشارك”، فيما يبدو أن “الأسد” يحاول إعادة تسويق نفسه كرجل الحرب والسلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.