جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

بابا عمرو.. حكاية لم تكتمل – حسان الصالح

كان عمري خمس سنوات عندما ركبت سيارة برفقة جدي، كان أول خروج لي عن حدود منزلي، لم أكن أعرف حينها ماذا تعني بابا عمرو؟
وصلنا إلى قرية أقاربنا الذين يعيشون بعد ساعة نوم في سيارة تهدر بقوة. نزلنا من السيارة ومشينا اتجاه أول بيت في القرية، استقبلنا وجه أسمر يرعد بصوته البدوي: يا هلا.. يا هلا بأهل بابا عمرو، التفتّ لأعرف من هم أهل بابا عمرو. لم نكن إلا اثنين لا ثالث لهما، جدي وأنا، نحن أهل بابا عمرو.
في بابا عمرو دفن الفارس الصحابي عمرو بن معد كرب الزبيدي في مسجد قديم، وقد أخذ الحي الاسم منه.
في بابا عمرو بيوت لم يكتمل بناؤها، أبواب مفتوحة على الشارع، جدران لم يكتمل كساؤها، لكنها مكتملة الحياة، بها متسع لأناس يأتون من كل صوب، يجدون طعامهم وشرابهم وراحتهم، ويجدون أهل البيت فرحين بضيوفهم، إذا دخلت بيتاً في بابا عمرو، يقدمون لك كل ما يملكون على مائدة واحدة، وربما يقترضون ضيافتك ليثبتوا لك محبتهم وفرحهم بقدومك.
وفيها أطفال يديرون لك خدهم للتقبيل، ويخبرونك كل أسرارهم دفعة واحدة، ولا يمكن لك إلا أن تحبهم، فعندما تكون في بيتهم تكون واحداً منهم، وفيها شباب يكافحون بكل ما أوتوا من قوة ليعيشوا، وهم مستعدون لتقديم العون دون حاجة لسؤالهم.
غابت الدولة عن بابا عمرو طوال حكم الأسدين، ولكن حضر رجالها دائماً، في كل بيت من بيوتها عامل يكد ليجمع لقمة العيش مع الكرامة ذرة ذرة، وفي كلِّ بيت من بيوتها أم تتشارك التعب مع أبنائها، تدربهم على الحياة لحظةً لحظةً، أخت تكدح مع أخيها لبناء كرامة البيت، على الجميع أن يعمل ليعيش البيت حجراً حجراً، تجد في كل بيت من بيوت بابا عمرو، رغم الفقر، مهندساً أو طبيباً أو مدرساً أو حقوقياً، وفي كل شارع من شوارعها شاعراً أو كاتباً، تعاون الجميع ليكون حي بابا عمرو حاضراً في هذا العصر.
عندما هبت نسائم الحرية والكرامة فوق أسوار السجن السوري الكبير، هب أهل بابا عمرو ليهتفوا للكرامة والحرية، خرج الجميع متمسكاً بالوعي الوطني الفطري وبالثورة السلمية، زحف الشباب اتجاه ساحة الساعة الجديدة وسط المدينة، هتفوا وهتفت حمص: الشعب يريد إسقاط النظام.
هاجمت قوات الأسد المعتصمين السلميين في ساحة الساعة الجديدة وسط حمص، قتلت المئات، وضعوا الشهداء والجرحى في شاحنات كبيرة مستخدمين جرافة أحضروها مسبقاً، كانوا قد بيتوا كل شيء، ارتكاب الجريمة، وإخفاء الأدلة، لم يعرف أحد عدد الشهداء الذين سقطوا في تلك الليلة، لكن أصوات الشهداء أيقظت من بقي نائماً من أهل بابا عمرو.
احتضنت بابا عمرو طليعة المنشقين عن جيش الأسد، اهتم شبابها ورجالها بحماية الحي ومحيطه، واهتمت النساء بالغذاء والمؤونة، أقام الأطباء المشافي الميدانية التي آوت الجرحى الهاربين من القتل في مشافي الدولة، وفضح شبابها كذب الإعلام الأسدي، فأصبحت مركزاً إعلامياً هاماً للثورة السورية، دخل بابا عمرو سراً الكثير من الصحافيين والإعلاميين من كل أنحاء العالم، واستشهد فيها خيرة الصحافيين الميدانيين في العالم، ردد العالم اسم بابا عمرو الصامدة.
خاف الأسد من بابا عمرو، وخاف تعميم النموذج في المدن الثائرة، عزل بابا عمرو عن محيطها، حفر الخنادق ووضع الجدران الإسمنتية العازلة، قصفها بالمدافع والدبابات والصواريخ، تعامل الأسد الخائف من بابا عمرو بعنف شديد معها، هذا العنف انعكاس لمقدار الخوف الذي يعيشه من بابا عمرو، دك الحي بالمدافع فقتلت عائلات بكاملها تحت القصف، حاول الثوار إخراج النساء والأطفال من جحيم القذائف والصواريخ، رفضت حواجز جيش الأسد خروجهم، وأجبرتهم على العودة والموت تحت القصف لأنهم طلبوا الحرية، حاول أهل بابا عمرو ألا يخرجوا منها، أقسم الكثير من شبابها ألا يخرجوا منها إلا شهداء، وأقسم الآخرون على متابعة الثورة وعدم التخلي عنها حتى آخر طفل في بابا عمرو، لكن القصف العنيف لم يبق لهم مأوى.
اقتحم جيش الأسد بابا عمرو، نهب جنده وشبيحته البيوت، حملت الدبابات أثاث البيوت المنهوبة، نهبها بعدما ارتكب جرائم ومجازر بحق أهلها، أعدم كل الشباب الذين أمسك بهم في محيط بابا عمرو، ومشى جنود الأسد في بابا عمرو القتيلة رافعين شارات النصر على دماء شهدائها.
تشرد من بقي من أهل بابا عمرو على قيد الحياة.
لم تكتمل حكاية الحي كحاله، ففي بابا عمرو لا شيء مكتمل سوى الكرامة والرجولة عندهم منها فائض.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend