المنظومة الأسدية …..مملكة للارهاب والفساد – بقلم جان عبدالله

 

جاء في دراسة ( استراتيجية اسرائيل ) في الثمانيات من القرن الماضي لباحث اسرائيلي أن تفتيت سوريا والعراق لاحقاالى مناطق عرقية ودينية كما هو الحال في لبنان يعد الهدف الرئيسي لاسرائيل على الجبهة الشرقية, غير أنّ تفتيت القوة العسكرية لهاتين الدولتين يعتبر الهدف الرئيسي على المدى القصير ضمانا للسلام والأمن الاسرائيلي في المنطقة. يتضح من هذه الوثيقةأنّ اسرائيل تعرف نقاط الضعف قي سوريا وتعرف أنّ التقسيم الديني – السياسي هو هدف لكل ارادة استعمارية. وكان اليهود أول من وظّف الدين جيدا في سبيل مصالحهم القومية وجعلوا من وصاياهم وصايا الهية فلا سبيل للمناقشة مع الله وجعلوا الترابط الديني والاثني حتميا حتى أصبحت هذه الانتماءات تتحكم بالصراع السياسي.

كما استغلت هذه الاستراتيجية في العقود الأربعة الماضية حالة السلبية واللامبالاة التي وصل اليها شعبنا بعد أن جردوه من حقوقه كانسان وأصبح المواطن غريبا في بلده قتل فيه هؤلاء الحكام روح الاحساس بالوطن وقصر النشاط السياسي على طائفة معينة من المنتفعين والمرتزقة والانتهازيين, وراح الاعلام يشجع كل ماهو سطحي وتافه ورخيص لصرف أنظار الناس عما يجري في مجتمعهم .

في هذه الفترة برز دور حافظ الأسد الذي كان قد انضم في القاهرة للجنة العسكرية التي كان عمادها اللواء محمد عمران واللواء جديد وانضم اليها فيما بعد الكثير من العسكريين البعثيين المبعدين الى مصر حتى تحقق الانفصال بقيادة مجموعة عبد الكريم النحلاوي وفيما بعد انقلاب الثامن من آذار بقيادة زياد الحريري ومن ثم التخلص من مجموعة الناصريين وانفراد البعثيين بالحكم تحقيقا لمآرب بدأت تتضح اليوم. قتل محمد عمران في منزله بطرابلس وتم التخلص من أمين الحافظ والقيادة القومية في 23 شباط, وجاءت بعدها المرحلة الثالثة في 16 تشرين الثاني 1970 وماسماها الحركة التصحيحية التي تم له فيها السيطرة الكاملة على السلطة بمساعدة شقيقه رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع والمقدم محمد الخولي الذي كان قد تولى ادارة المخابرات الجوية والمقدم علي دوبا رئيس ادارة المخابرات العسكرية اللذان لعبا دورا أساسيا في تشكيل المنظومة الأسدية والتي هيأت للسيطرة على مفاصل القوة في الجيش والأمن والحزب , منها مجموعة كانت محسوبة على اللواء محمد عمران أمثال علي حيدر وعلي صالح وشفيق فياض وابراهيم الصافي وغيرهم.

الضابطان الوحيدان اللذان لم يستمرا حتى النهاية من هذه المنظومة هو المقدم محمد كنعان الذي لعب دورا أساسيا في نجاح الحركة التصحيحية في المنطقة الشمالية والشرقية وأصبح في فترة ما مستشاره للأمن والثاني هو النقيب فريد النقري رئيس فرع الأمن الداخلي لأسباب شخصية تتعلق ببشرى الأسد واستلم النقيب محمد ناصيف نفس الفرع من بعده.

في هذه الحقبة التاريخية من التاريخ لم تشهد غالبية الدول العربية حكما مدنيا الافي فترات معينة كان الجهاز القمعي البوليسي خلالها في سوريا أداة للأ حكام العرفية وسلطتها وكان مبدأ تصفية الخصوم والاعتقال والحجز الاداري التعسفي هو أسلوب السلطة لقمع الارادة الشعبية وتجسد في حكم حافظ الأسد أبشع صور هذا القمع حيث اغتال في لبنان عددا من القادة والشخصيات الوطنية مثل كمال جنبلاط وبشير الجميل ورينيه معوض ورشيد كرامي وداني شمعون والمفتي حسن خالد والشيخ صبحي الصالح والشيخ نزار الحلبي وسليم اللوزي وناظم القادري وكثيرون غيرهم. أمّا في سورية فتم تصفية الدكتور محمد الفاضل والدكتور محمود شحادة خليل والدكتور ابراهيم نعامة والعميد عبدالكريم مرزوق والمقدم أحمد خليل من الطائفة العلوية الكريمة لاخافتها وجعلها تلتف حول نظامه بعد أن اتهم الاسلاميين زورا بقتلهم وكان قد تخلص من اللواء محمد عمران وصلاح البيطار وزوجة عصام العطار وعدد من الرموز الوطنية. كما شهدت السجون والمعتقلات السورية في عهده عددا كبيرا من ابناء الوطن بسبب آرائهم السياسية والحزبية ويكفي هنا أن نتذكر تصريح مصطفى طلاس الذي أعلن فيه توقيعه بشكل يومي لأوامر عديدة بالاعدام , طبعا كانت هذه الأوامر تصدر بعد تنفيذ هذه الأحكام.

وفي دول الجوار العربي كانت منظومة النظام تزرع الخلايا الاجرامية وفرق التفجير والاغتيالات مثل محاولة اغتيال مضر بدران رئيس وزراء الأردن , حتى حلّ عام 1976 ودخلت قوات هذا النظام الى لبنان بحجة التهدئة والسيطرة على الأمن لايقاف الحرب الأهلية التي كان حافظ الأسد قد حركها بتحريضه الطوائف بعضها على بعض وتسليح كل منها في الوقت المناسب للسيطرة على لبنان والتحكم فيه وابتزازه اقتصاديا حسبما كان قد قال لزوجته أن سورية ولبنان هما لعائلة الأسد ولولد الولد .

كان دخول هذه القوات هو بداية انتحار الجيش المحترف حيث ارتكب من الفظائع والنهب والسلب في لبنان الشيء الكثير لدرجة أنّ احدى القنوات الفضائية الأميركية أذاعت شريطا مصورا لمدة عشرين دقيقة يظهر الضباط السوريين وهم يلفون طيات المخدرات بالسجاد ويحملونها لاحدى الطائرات في البقاع الغربي حيث كانت زراعة هذه المخدرات مصدرا رئيسيا لهذا النظام ولكم حاولت الحصول على نسخة من هذا الشريط دون نتيجة . انهم كانوا يريدون الحصول على المال بأية طريقة كانت. قائد سرايا الدفاع خطب احدى المرات في قواته يشجعهم على النهب والسرقة مهددا اياهم بعقوبة السجن ان بقي أحدهم فقيرا.

شملت فظائع الأمن والجيش السوري في لبنان كل المجالات الاقتصادية وكان من بينهم عملائهم أصحاب مزارع الخشخاش يحيى شمص وفي مجال الكسارات شاركوا نقولا فتوش وفرضوا منتجات كساراته على شركات اعمار لبنان في مجلس الجنوب بأسعار خيالية وفي الحقل المصرفي سطوا على بنك المدينة وبنك الاعتماد المتحد والموارد اللبنانية وأوصلاهما الى حافة الافلاس وتبييض أموالهما وأموال النفط العراقي التي كانت تقدر بثلاثة مليارات دولار عن طريق سفيرهم في رومانيا وليد عثمان ومعاونه فواز الزنك, أما عقود النفط ومنذ استلام حافظ الاسد فكانت حصرا للسيدين غسان مهنا خال رامي مخلوف ونزار الاسعد بالاضافة الى السطو على كازينو لبنان.

عمليات الفساد هذه لاتقدر ولا تحصى ولن تكفيها مستقبلا آلاف المجلدات وهنا أستميح العذر لأسوق مفسدة رأيتها بأم عيني حيث اتصل بي في صباح أحد الايام من عام 1977 الصديق الدكتور انور الفرا وكان نقيبا لأطباء دمشق يسألني ان كنت استطيع تناول قهوة الصباح معه في مكتبه بمستشفى الزهراوي ( الانكليزي سابقا) بالقصاع وبعد تناول القهوة طلب من سكريتره ان يجلب الطبيب المزور وكان شابا في السابعة والعشرين من عمره ويدعى علي عبدالكريم . سأله الدكتور أنور في اية سنة تخرجت من جامعة دمشق أجاب المذكور منذ سبعة اعوام, قال له أنور لقد فتشنا جداول الخريجين في كلية الطب منذ اثناعشر عاما ولم نجد لك اسما فتلعثم هذا الشاب ولم يعرف بماذا يجيب , حينها ألقى مدير المستشفى كل اوراقه في وجهه قائلا لاترني وجهك بعد الآن في هذا المستشفى وكان قد أمضى فيه شهران يدخل غلى العمليات النسائية بعد ان احضر مرسوما موقعا من حافظ الأسد ووزير الصحة لايفاده بالتخصص في فرنسا لمدة خمس سنوات بامراض النساء مع انه ليس طبيبا.

في نفس هذا العام كانت جامعة دمشق قد احالت الى اجهزةالامن للتحقيق اربعين ورقة امتحان من كلية الحقوق وستة عشر ورقة امتحان من كلية الصيدلة مكتوبة بخط يد شخص واحد لمعرفة الفاعل الا ان الأمور طويت.

لابد من عملية اصلاح شاملة في طول سورية وعرضها حتى يشعر السوري بانسانيته وكرامته وحقوقه ولابديل الا بالديمقراطية الحقة التي يتحرر فيها المواطن من كوابيس الكبت والارهاب فلا تصبح أكثرية الشعب متهمة في ولائها واخلاصها لمجرد انها تقول رأيا يخالف رأي الحاكم وعندما يصبح المواطن شريكا في تنظيم شؤون الحكم وانتخاب ممثليه. تقوم بين المواطن والحاكم علاقة الانسان بالانسان لا علاقة الحاكم بالمحكوم وتصبح مشاركة المواطن فعلية في توجيه دفة الحكم لما فيه صالح الوطن وخير المواطن.

ولقد أثبتت تجارب التاريخ السياسي أن اي بلد متقدم لم يعرف طريقه لبناء الاقتصاد المثمر ورفع مستوى معيشة جماهيره ونشر العلم والمعرفة وتعزيز كرامة الانسان الا بالديموقراطية وحيث توجد ديموقراطية يوجد تقدم وازدهار وكرامة وعزة وطنية وحيث يوجد حكم مطلق يوجد التخلف وهدر الكرامة وانعدام أو ضعف العزّة الوطنية.

جان عبدالله

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend