من أعطى بشار الضوء الأخضر لقصف مخيم اللاجئين السوريين في كِلّسْ !؟ – ساري وادي

لا تتبنى الأيام المعلومات والتحليلات التي ترد في مقالاتها ونشرها يرتكز على إيمان الأيام بالحرية والديموقراطية وكونها منبراّ حراّ  يمكن من خلاله طرح مختلف الأفكار والآراء ومناقشتها باحتراف. 
في عام 1998م اعتقد الهالك حافظ أن بمقدوره استخدام عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني كورقة ضغط على الأتراك. لم تنتظر تركيا طويلاً حتى جاء الردّ سريعاً وحاسماً (يجب تسليم أوجلان خلال 48 ساعة، وإلا فإن الجيش التركي سيكون بعدها في قلب دمشق!)
ارتعدت فرائص المقبور حينها ولم يجد لنفسه سبيلاً للخروج من هذا الموقف العصيب إلا أن يطلب من أوجلان مغادرة سوريا فورا. فهو يعرف الفرق الشاسع بين قدراته العسكرية والقدرات التركية.
الآن، وبعد مرور حوالي 14 عاماً على تلك الحادثة، وقد باتَ الجيش التركي أكثر قوة مما كان عليه، في حين أن الجيش السوري بات أكثر ضعفاً مما كان عليه، فهو منهكٌ خائر القوى يعاني من انهيار معنويات جنوده، فإن الأجدر والأحرى بالجيش السوري عدم التحرّش بتركيا، فمن الحماقة أن يَعبثَ الهرّ الهزيل بذيل وحش نائم، لأنه وبكلّ بساطة سيلتهمه!.
كذلك من المعلوم أن تركيا تمتلك أقوى جيش (برّي)في حلف الناتو من حيث العدد والعتاد، وهو قوة ضاربة يحسبُ لها حسابها، ومن الغباء الاستراتيجي الاستهانة بتلك القوة. فلماذا يتحرّشُ الهرُّ الهزيل بالوحش يا ترى!؟
ولماذا تُقدِمُ العصابة الحاكمة في دمشق على خطوة كهذه وهي تعلمُ علمَ اليقين أنها تُشكّل استفزازاً صارخاً لتركيا واعتداءً سافراً على سيادتها قد تكون عواقبه وخيمة فضلا عن كونه انتحاراً لسفاح دمشق؟! فمن أين جاء ذلك الجبان بتلك الجرأة بل الوقاحة يا ترى؟!
المسألة ليست معقّدة كما قد يتصور البعض، فالعصابة الحاكمة في دمشق لم تقصف الأراضي التركية إلا بضوء أخضر وغطاءٍ من إحدى الدول (روسيا، إيران، إسرائيل، أمريكا أو حتى أوروبا)، وقد تكون بعض تلك الدول مجتمعة في ذلك، والهدفُ ببساطة هو جرّ تركيا إلى حرب استنزاف طويلة الأمد!
كيف؟ ولماذا؟.
إنّ المُتأمّل في سياسة تركيا الخارجية وموقفها الأخير من إسرائيل، يعلمُ أنها باتت مصدر قلق للعديد من الدّول التي لا تريد لها أن تلعب دور الريادة في المنطقة.وعلاوة على تصدّرها، بل وقيادتها، الناجحة للمنطقة في المجال السياسي وسحبها للبساط من تحت أقدام العرب فيما يخص القضية الفلسطينية، باتت تركيا تشكلُ تهديداً وتحدّيا اقتصادياً متعاظماً تتخوفُ منه أوروبا وتحسب له ألف حساب.
ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا وأمريكا، ولا تزال، تئن تحت وطأة الأزمة المالية العالمية وتباطؤ نموّها الاقتصادي، كانت تركيا(والصين) هي الدول الوحيدة في العالم التي استطاعت تحقيق نموّ اقتصادي تُحسد عليه.وفي الوقت الذي كانت تعاني فيه أوروبا وأمريكا عجزاً في موازناتها التجارية وركوداً اقتصادياً لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية، وما ترتب على ذلك من إفلاس عشرات البنوك وبطالة طالت الملايين، فإن دخل الفرد التركي تضاعف 3 مرات خلال السنوات العشر الأخيرة في ظل حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان.
فتركيا ليست خصماً سياسياً للغرب فحسب، بل أيضاً عدوّ اقتصاديا أصبح يقرعُ أبواب أوروبا وبقوة.

خبراء السياسة الأتراك ليسوا سذّجاً، ويعرفون جيّداً ما يُحاك لتركيا، فالدول الإقليمية العظمى ومعها إسرائيل وإيران يهمّها جداً بقاءُ المارد العثماني داخل قمقمه، وليس من مصلحة العالم بقطبيه الشرقي والغربي خروج إمبراطورية عثمانية جديدة، وها هي الفرصة السانحة لها لتحجيم”الخطر العثماني الجديد” القادم بقوة.
ولن تجد تلك الدول وسيلة للقضاء على ذلك الخطر الذي بات يتهددها أفضل من إشغال تركيا واستنزافها اقتصاديا وعسكريا في حرب (أو حتى مناوشات عسكرية) طويلة الأمد مع سوريا وحلفائها في المنطقة كإيران وحزب العمال الكردستاني.
وهذا ما يُفسر جوهر الموقف السياسي التركي الحذر تجاه ما يجري في سوريا. فتركيا تعي جيداً خيوط اللعبة وأبعادها، وتعرفُ أنها تسير في حقلٍ مليء بالألغام، فسارعت بذكاء إلى أخذ زمام المبادرة وقطعت الطريق على المتربصين بها فصرّحت مرات عديدة أنها على استعداد لاتخاذ أي إجراء ضد سوريا شريطة أن يكون ذلك تحت مظلة الناتو أو الأمم المتحدة وبقرار أممي، وهذا ما أكدت عليه مرّة أخرى مؤخراً بعد قصف مخيّم اللاجئين.
فتركيا تعلم أنها لو تحرّكت منفردة فسوف يُستَـفردُ بها وستكون قد أكلت الطّعمَ بغباء، وسيكون حالها كحال الأبله الذي ذهب بقدميه إلى حتفه، وهذا ما تخشاه تركيا وما لا تريد الانزلاق إليه. فتركيا التي استطاعت على مدى سنوات طويلة بناء اقتصاد متين ودخول نادي الكبار، يحقّ لها الحفاظ على مكتسباتها التي حققتها، وليس من الحكمة أن تجعلَ للمتربصين بها عليها سبيلاً.
لقد تضاعفت ربما شريحة السوريين المستائين من مواقف أردوغان المُتقلّـبة تجاه الثورة السورية، فهو لطالما صرّح ولقلـّما فَعَل.لكن علينا أنْ ندرك أنَّ لعبة السياسة والمصالح الدوليّة لا تأخذ بعين الاعتبار دماء الأبرياء، ولنتذكّر جيداً أن ما يحكم السياسة هي المصالح وليس العواطف.
ليس لدي أدنى شك في أصالة أردوغان ونزاهته ورغبته الصادقة في مناصرة الشعب السوري، لكن ماذا عساه يفعل وهو يعلم علمَ اليقين أنّ مع أول عثرة لتركيا، ستخرج كل الضباع من كهوفها وقد اتفقت سلفاً على التهام فريستها، هذا إن لم تنضم إليها ضباعٌ عربيةٌ أخرى أكلتها الغيرة وحرقت قلبها النجاحات التركية الباهرة على الصعيدين السياسي والاقتصادي!
إنّ التسرّع في تخوين أردوغان والانتقاص من شأن الدور التركي تارة، والتشكيك فيه تارة أخرى، ليس من الحكمة في شيء إذا ما أخذنا المعطيات أعلاه بعين الاعتبار. وقد قلتُها سابقاً، إذا ما تدخّلت تركيا مستقبلاً وأنشأت منطقة عازلة وأثبت أردوغان أنه رجلُ قولٍ وفعل، فسيكون من الصعب التراجع عن التخوين، فالتسرع غالباً ما يضع صاحبه في مواقف محرجة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend