المحنة ضرورية – د.خالص الجلبي

المحنة ضرورية ولكن أن تأتي ضمن وسطها الذهبي.
الشعوب تمتحن والأشخاص يمرون بمعاناة، واليوم الشعب السوري يمر لعله في أشد ظروفه عسرة، مثل مخاض الأم الحامل؛ فإما خرج جنين سوي حي، أو تعرضت حياة الأم والجنين لمحنة تتطلب عملية قيصرية دموية!
يبدو أن هذا ما يحدث وسيحدث في سوريا.
المحن ضرورية لإنضاج الإنسان والشعوب ولكن بشرط أن تأتي ضمن شروطها الحدية ووسطها الذهبي كي تلعب دور (الإنضاج) و(النمو) لا دور السحق والتعطيل.
يبحث عالم النفس البريطاني (هادفيلد) في كتابه (علم النفس والأخلاق) عن المنبه المناسب لتنشيط الإرادة؛ فالمنبه إذا زاد عن حده تحوَّل إلى عامل ساحق، كما أنه إذا كان فاتراً خامداً لم يقد إلى التحريض المناسب. العضلة القلبية حتى تنقبض بالشكل الملائم لابد لها من تنبيه عصبي بقدر معتدل، وحتى ننطق الكلام المؤثر يجب أن نكون بين حدي الانفعال والجمود. يجب ألاَّ يرتفع توتر الانفعال، كما يجب أن نتحرر من السكون والجمود. يعمل العقل بأفضل شروطه إذا مُلِّح ببهارات العاطفة؛ فنقرأ الانفعال في نبرة الصوت وتعبيرات الوجه وحركات اليدين وطبقة الكلام (ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول). إذا تكلم الإنسان بلا انفعال خرج الكلام وثيقة باردة ميتة، وإذا تملح بملح العاطفة خرج مؤثراً لذيذاً معبِّراً. حتى يخرج الجنين من ظلمات الرحم إلى ضوء الحياة، ومن دفء الأحشاء إلى برودة العالم الخارجي، لابد من دفعه بآلية المعاناة والتقلص طرداً له ليغادر السكون والراحة والدفء والظلام؛ فيخرج باكياً والناس من حوله يضحكون سروراً.
إذا تقلص الرحم دفع الجنين إلى الخروج والحياة، وإذا ارتخى فلم يتقلص بقي الجنين في ظلمات ثلاث وظلمات بعضها فوق بعض، ولكن الرحم يعمل بين (التقلص) و(الارتخاء) وفي مثل هذا الحقل المتحرك يخرج الجنين إلى الحياة. إذا تقلص الرحم واستمر يتحول الوضع إلى (تشنج) فيموت الجنين مختنقاً، وإذا ارتخى الرحم فلم يتقلص بقي الجنين في الظلام يسبح في المجهول؛ فإذا طابت له الإقامة في الرحم اقترب من الموت، ولكن الجنين يخرج معافى سليماً في هذه الدورة المتكررة من (تقلص ـ ارتخاء ـ تقلص) حتى تنفرج بالخروج.
والسؤال أين موضع الشعب السوري في هذه المعادلة؟

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Send this to a friend