ما سر تمسك العالم بمبادرة عنان؟ …..

يكاد يشعر الانسان أن العالم مصاب بانفصام عن الواقع عندما يتابع تصريحات السياسيين العالميين حول ما يحدث في سوريا!

فنظام ايران بعد 13 شهراً من الثورة تلت 15 عاماً من الحكم يصر على انه “يجب” اعطاء الفرصة لنظام يقوده بشار الأسد كي يقوم “بالإصلاحات”!
لم يخبرنا المتحدث ما هي خطة الاصلاحات الموضوعة ولماذا يحتاج الاسد الى كل هذا الوقت كي يصلح والسؤال الاهم من المعني بفعل “يجب” هل هو يخاطب الشعب السوري ام يخاطب من تحديداً عندما يطالب بتمديد المهل للأسد؟

أما السفيرة الامريكية في مجلس الامن سوزان رايس فتقول: سنصل قريباً الى لحظة الحقيقة!
وهل موت اكثر من 12 الف سوري على مدى اكثر من سنة يعتبر لحظات من الخيال؟ وما هو عدد الضحايا المطلوب حتى يصل العالم الى لحظة الحقيقة؟
فرنسا بدورها تصرح على لسان جوبيه أن المجتمع الدولي بدأ يلحظ عدم احترام دمشق لالتزاماتها بخصوص 10 أبريل/نيسان!
نعم بعد عام وشهر من القتل وتجاهل النظام لدعوات المجتمع الدولي كافة لوقف القتل “بدأ” المجتمع الدولي يلاحظ عدم احترام دمشق لالتزاماتها! نتمنى من المجتمع الدولي ان ينتهي من الملاحظة بأسرع وقت ممكن فربما يبدأ ايضاً يوما ما العمل على ايقاف آلة الاسد القمعية.
من جهته قال وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ أن بريطانيا تريد من مجلس الأمن دراسة إصدار أمر ببدء التحقيق في ارتكاب النظام السوري جرائم ضد الإنسانية.
بريطانيا تريد… دراسة…اصدار امر…” بدء” ..التحقيق في ارتكاب النظام السوري جرائم ضد الانسانية! طبعاً بعد ان ينتهي التحقيق و تصدر النتائج ( ان بدأ التحقيق اصلاً) سوف نبحث عن آليات تنفيذ قرارته!

أجد من واجبي هنا أن اذكر بان الية مهلة عنان كان يفترض أن تعمل على الشكل التالي:
– حتى تاريخ 10/4/2012 على النظام سحب آلياته العسكرية و اعادة الجيش الى سكناته وايقاف المظاهر المسلحة.
– يعطى النظام مهلة حتى 12/4/2012 للتأكد بأنه التزم بوقف اطلاق النار بمعنى انه ان لم تحصل أي حالة تجاوز من تاريخ 10/4 و حتى تاريخ 12/4 تبدأ بعدها خطوات مشروع الحل السياسي.
– على الارض لم يقم النظام بسحب دباباته بل قام بتصعيد العمليات العسكرية باعتراف النظام نفسه و الأسوأ ان الدبابات زارت مناطق جديدة لم تكن تعرفها منها مثلاً كفرسوسة التي تقع في قلب العاصمة دمشق! كذلك فقد تم تسجيل تجاوزات هائلة ابتداء من اول ساعة بعد انقضاء المهلة المحددة في 10/4/2012 وليس في 12/4/2012 مما يعني سقوط المبادرة من اساسها.

والسؤال المطروح وبقوة لماذا يصر العالم على تجاهل ما يحصل على الارض في سوريا؟ الا تملك كل دول العالم التكنولوجيا الكافية لتعرف رغم التعتيم الاعلامي ان النظام السوري لا يقوم بشيء الا المجازر والمحارق على طول البلاد و عرضها؟ وما الذي يجعل العالم ينتظر وما الذي ينتظره تحديداً؟

إن اهم بند جعل النظام السوري يوافق على خطة عنان انها لا تتحدث عن ازاحة الاسد وهذا البند على ما يبدو يحصل على تأييد كبير وسط صناع القرار في العالم لذلك لا تجد الدول الكبرى أي حرج في الدعم الكامل لخطة عنان لان ما يهم كل سياسي العالم من كل هذه الاحداث في سوريا هو شيء واحد فقط وهو (الاستقرار) لا بل ان سياسيي العالم قاطبة صرحوا علناً ان الاهمية الاولى هي للاستقرار في سوريا!
واذا فكرنا بالمعنى الحقيقي لكلمة الاستقرار في الشرق الاوسط تتوضح الرؤيا, لماذا تبدو امور حكام الشرق الاوسط مستقرة لحد الرتابة فالتغيير ممنوع و العتب مرفوع ومهما حاول الشعب المسكين التذكير بقيم الديمقراطية التي تدعو الى تداول السلطة تصم الدول الكبرى آذانها عن أي صوت يدعو للتغير عادة يخرج من دولة تملك حدود مع الكيان الصهيوني الآمن و المستقر و المزدهر و الذي بات للأسف قبلة للسياح و المهرجانات و الفعاليات ويشهد حركة ديمقراطية عصرية من تناوب الحكومات والاحزاب على السلطة وما تعكسه هذه السياسة على اداء الحكومات من بذل الجهد في البناء و مكافحة الفساد في محاولة لكسب الناخب الصهيوني على الرغم من ان الكيان الصهيوني دولة حرب بامتياز و جيشها على اتم الاهبة و الاستعداد لا بل انه يعتبر مبادراً في طلعات و اختراقات من حين لأخر لبث الرعب في قلوب الاعداء و لتحطيم نفسية الجيران الغير قادرين على الرد بأبسط الاشكال.

ان وجود الكيان الصهيوني في المنطقة ووجود الخلافات بين الزعماء المعمرين العرب وتوريثهم السلطة لأبنائهم يدفعهم لتوقيع اتفاقيات اذعان سياسية و اقتصادية و عسكرية لحماية العرش المقدس في الوقت الذي تستثمر فيه كل موارد البلد من قبل شركات اجنبية كبرى لها مصالح في بقاء الوضع على ما هو عليه.

ان حصول تغيير حقيقي وجذري في بنية الانظمة العربية او ما يعرف عند الشعوب ب”اسقاط النظام” يعني تهدم كامل لسلسلة من العلاقات التجارية و السياسية و الاجتماعية و العسكرية و الاستراتيجية مع الدول العظمى التي يتعين عليها في هذه الحالة اعادة هيكلة علاقاتها مع الانظمة الجديدة في المنطقة و البحث عن بدائل في زمن الازمات الاقتصادية وارتفاع اسعار الطاقة خاصة في ظل ترقب هزة اقتصادية عالمية باتت قادمة لا محالة!

على الرغم من التعاطف اللغوي الشديد الذي تبديه معظم دول العالم تجاه الشعب السوري الا ان كل التصرفات تدل على ان المجتمع الدولي ينظر للثورات العربية عامة و الثورة السورية خاصة على انها ازمة يجب التخلص منها و العودة الى دائرة الحياة الطبيعية بأسرع وقت كي لا تتعطل عجلة الانتاج المرتبطة باستقرار المنطقة وعليه فان مبادرة عنان لا تتعدى لحد اللحظة كونها فرصة اخرى لمحاولة اخماد الثورة السورية دون اثارة سخط الشعب السوري و شعوب العالم على الحكومات بسبب تواطؤها العلني.

تصرح بعض المقالات المدفوعة الاجر ان الحكومات الداعمة لنظام الاسد تجد نفسها محرجة من جرائمه وتحاول مراراً وتكراراً ان تقنعه ان ينهج نهجاً اكثر سلمية وديمقراطية و هنا بالذات اسأل و هل الدول العظمى كروسيا و الصين و الولايات المتحدة لا تعي ان ايقاف النظام لالة القمع قليلاً يعني سقوط النظام المترنح اصلاً؟ إن من السذاجة بمكان الموافقة على هذا الطرح الذي لا يعدو عن كونه تغطية على الموافقة المطلقة على ما يقوم به النظام من جرائم ومحاولة غسل اليدين ببعض التصريحات و المقالات بينما الواقع على الارض يؤكد بان أي من هذه الدول قادر على الاقل قطع علاقاته مع النظام السوري ومحاصرته وفضحه ان شاءت, هذا اذا استبعدنا أي حل يؤدي الى أي نوع من انواع التدخل العسكري.

لقد اجتاحت روسيا جورجيا دون انتظار أذن من الشرعية الدولية و لقد وقفت معظم دول العالم بما فيها مجلس الامن و مجلس الطاقة الذرية ضد قرار الهجوم على العراق و الذي اعطي رئيسه وقتها مهلة 48 ساعة فقط! و يحضر الان المجلس الافريقي جيشا للتدخل في مالي دون أي حديث عن قرارات لمجلس الامن او الامم المتحدة او أي مهلة او مراقبين! و المعنى واضح للعيان فالتاريخ يقول ان العالم لو اراد ان يتدخل لتدخل دون ان يطلب اذن من احد ولكن كي يتدخل العالم يجب ان يملك المصلحة في التدخل و انا لا اعني هنا القليل من النفط كما يظن البعض ولكن اعني البعد الاستراتيجي لاستقرار الشرق الاوسط الذي ممكن فعلا ان يهز كل العالم اقتصاديا في حال تغيير جذري للأنظمة يغير معها خريطة العلاقات الاقتصادية و التجارية و السياسية.

اذا يبقى السؤال الاهم وهو لماذا لم يفلح النظام العالمي بدعم الاسد للقضاء على الثورة في حال كانت غير مرغوب فيها ؟
السبب هو الشعب الثائر على الارض فالعالم لم يترك فرصة الا واعطاها للأسد والاكثر من ذلك انه سمح للأسد علانية ان يدخل أي نوع من انواع السلاح لا بل ان سفن الاسلحة باتت تمر بجانب سفن الناتو و سفن امريكا واسرائيل في البحر المتوسط دون ان يعير لها احد أي اهتمام بينما لو كانت سفينة مساعدات انسانية لغزة مرت بنفس الاسلوب لهاج العالم و ماج.

ان الشعب السوري حطم كل الاساطير وتغلب على كل الصعوبات ليحافظ على شعلة ثورته المنبوذة عالمياً وضرب اروع الامثلة في التضحية و الفداء جعلت وزراء الخارجية و زعماء الدول الكبرى يكادوا يتوسلون للشعب السوري كي يتفاوض مع الاسد عل و عسى يخدعون الشعب ببعض المكاسب للحفاظ على استقرار مصالحهم في سوريا ولكن الشعب السوري لا يبدو مهتما بهذا العرض مما يدفع السياسيين على العمل على خطة بديلة في حال لم يسقط النظام وهي الانتقال التدريجي للسلطة أي انتقال تسهل السيطرة عليه من قبل القوى الخارجية و تتحكم بكافة تفاصيله كي تضمن عدم تغير البنية السياسية الا بشكل خارجي ويمنع قيام ديمقراطية حقيقية قائمة على احترام رغبات الشعب ومصالحه و تحويلها الى سياسة خارجية تتضارب طبعا مع مصالح الدول الكبرى.

ان الضمان الوحيد للنجاح الحقيقي للثورة السورية هو تحقيقها اهدافها الاساسية في اسقاط النظام ومحاسبة كل من تلطخ يديه بالدماء السورية دون أي حصانة واعادة بناء الدولة على اساس العدالة و الديمقراطية وبعيداً عن أي تسوية قد تؤدي الى زرع اشخاص من النظام القديم لتقويض عملية التحول تماما كما يحصل الان في مصر و اليمن حيث لم يعد الشعب يعرف من الذي يحكمه و هل فعلا انتصرت الثورات هناك؟

على الشعب السوري ان يتوحد في صف واحد يطالب بالحرية و العدالة وعدم الالتفات الى مبادرات ممجوجة تعطي النظام مزيد من الوقت للقتل ففاتورة الدم يدفع ثمنها السوريون فقط وبالتالي لا يحق لاحد ان يتاجر بها ويزج بأرواح السوريين على أي طاولة مفاوضات لتحقيق مصالحه.

لا سبيل عن العودة الأن الى ما قبل الثورة و السبيل الوحيد هو المضي قدماً و الايمان بقدرة الشعب التي ارغمت العالم كله على ان يسمع وهو الجسر الذي يعبر بالسوريين نحو سوريا المستقبل سوريا الحرية و العدالة و الكرامة وليس سوريا التسويات و التنازلات.

بقلم عبد الرحمن عكل

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend