جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الأيديولوجيات التي تنخر جسد الثورة السورية

نورا دندشي:

مضى أكثر من عام على الثورة وحتى الآن لم تتحقق أي نتائج ملموسة على صعيد إسقاط النظام ولا حتى تلوح في الأفق أي بوادر أمل تشير إلى نهاية وشيكة، وعلى الرغم من الشعور العام بالنصر كون اشتعال الثورة بحد ذاته هو نصر عظيم للشعب السوري، إلا أنه ونتيجة هذا العجز إقليميا ودوليا وعربيا لم يتم التوصل حتى الآن لحل ناجع يضع حداً للنظام المجرم وإيقاف آلة القتل التي تحصد الأخضر واليابس وكان هذا النظام ينتقم من هذا الشعب الذي ثبت حكمه لأكثر من خمسة عقود.

ونظراً لهذا الخذلان الذي يشعر به الشعب السوري بدأت مشاعر الإحباط تسيطر عليه، لذا كان لا بد من إعادة تقييم الثورة مع دخولها عامها الثاني لما أنجزته وما حققته من تقدم وأين أخفق الثوار وأين أصابوا، فبقاء الأسد حتى اليوم رغم كل هذه الجرائم الوحشية التي يرتكبها لا بد من وجود خلل ما أطال بعمر الأسد ونظامه.

هناك كثر من يعتقدون أن استمرار النظام في الحكم حتى اليوم رغم كل هذه البطولات والتضحيات التي يقدمها الشعب السوري يقف وراءه إسرائيل التي لا تريد المخاطرة في إسقاط نظام خدم مصالحها وحمى حدودها، وآخرون يرون السبب بالدعم اللامحدود من إيران فضلاً على روسيا والصين والفيتو الذي رفعاه كرتين في مجلس الأمن ما حال دون استصدار أي قرار دولي يدين النظام على اقل تقدير، علما أن الفيتو الروسي والصيني كان أمريكيا بامتياز.

 قد يكون ما سبق أحد العوامل التي ساعدت في استمرار النظام بعد عام ونيف من الثورة لكن ليس العامل الرئيسي، ولا بد أن هناك عوامل أخرى وراء تلكؤ المجتمع الدولي لحسم الأمر واتخاذ القرار بإسقاط النظام مع أن الثورة أثبتت للعالم أجمع بأنها ثورة شعب انتفض ضد الطغيان دام لأكثر من ستة عقود، ربما البعض يربط الطغيان بعام 1963 وآخرون بعام 1970 بوصول حافظ الأسد إلى سدة الحكم.

 لكن في حقيقة الأمر هذا الطغيان بدأ في سوريا منذ ولادة حزب البعث عام 1947 ومن هذا التاريخ المشؤوم بدأ الصراع الداخلي بين القوى السياسية التقليدية بفعل التحريض السياسي الذي كان يمارسه رفاق البعث من اجل الوصول إلى السلطة، فلم يكن بمقدورهم تحقيق أطماعهم في ذاك الوقت نظرا لانعدام شعبيتهم والتي كانت محصورة بين صفوف الطبقات الاجتماعية الفقيرة من عمال وفلاحين في الوقت الذي كانت لا تزال القوى السياسية التقليدية لها هيبتها في الشارع السوري، لذا ارتكز البعث على الفكر الانقلابي والاعتماد على الجيش فجاء أول انقلاب عسكري قام به حسني الزعيم في 30 آذار 1949، ثم توالت الانقلابات حتى الوحدة مع مصر ورهن البلاد لجمال عبد الناصر الذي افشل مخططهم بإقصائهم للجم طموحاتهم بل وإبعاد خطرهم عن الساحة السياسية السورية بإيفادهم إلى مصر، ثم جاء عهد الانفصال لكن خلال العامين من عمر الوحدة مع مصر كانت القوى السياسية التقليدية والشخصيات السياسية قد توارت عن الأنظار منها من هاجر خارج البلاد ومنها من أنزوي في بيته خصوصا بعد أن أصدر عبد الناصر القوانين المجحفة بمصادرة الملكيات بشكل اعتباطي وهذا كان له الأثر البالغ على تركيبة المجتمع وعزل الطبقة السياسية التقليدية التي كانت تمثل البرجوازية الوطنية التاريخية، ما مهد الطريق أمام البعث للصعود إلى السلطة بعد أن خلت الساحة وتم إزاحة كافة العقبات التي كانت تعيق هذا الصعود، فظهر البعث كقوة سياسية آزرهم بعض مخلفات عبد الناصر إلى جانب الأحزاب اليسارية التي تحالفت فيما بينها واتفقت على القضاء على ما أسموه في حينه مخلفات الاستعمار أي الطبقة السياسية التقليدية، وعملت على تحطيم الطبقة السياسية البرجوازية نفسيا ومعنويا بتشويه تاريخها النضالي الوطني وماليا بمصادرة أملاكها ومصدر رزقها الذي كان يعتبره هؤلاء الحاقدين أن هذه الملكيات هي التي كانت تمد البرجوازية بالقوة سياسياً.

ومنذ ثورة الثامن من آذار المشئومة بدأ الصراع السياسي فيما بين تلك القوى التي صعدت على أكتاف الطبقة السياسية البرجوازية التقليدية تراوحت في بعض الأحيان إلى القطيعة وأحيانا كثيرة إلى التوافق تجلى ذلك بتشكيل جبهة واحدة لتكون السد المنيع أمام سقوطهم خصوصا بعد هزيمة حزيران عام 1967.

فعند وصول حافظ الأسد للسلطة بانقلاب عسكري عام 1970 عمد على إقامة نوع من التوازن بين حزب البعث الذي أصبح حاكما للبلاد والعباد وبين الأحزاب التي كانت ناشطه فقام الأسد بإنشاء ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية تضم سبعة أحزاب اشتراكية ويسارية تعمل تحت مظلة حزب البعث للسيطرة على نشاطها السياسي واليوم قيادات هذه الأحزاب تتصدر المشهد السياسي المعارض للنظام لكن لا تطالب بإسقاطه وهذا ما يهدد الثورة السورية ويطيل بعمر النظام.

إن العوامل الخارجية مهما كان لها من قوة في التأثير على الداخل إلا أنها تبقى ضعيفة بحال وجود جبهة داخلية متماسكة، غير أنه في الحالة السورية اليوم أصبح جليا أن مصالح تلك الجبهة السياسية الداخلية التقت مع العوامل الخارجية الداعمة للنظام فكان لها هذا التأثير البليغ سواء إقليمياً ودولياً وساعدت على استمرار نظام البعث وحكم الأسد إلى اليوم.

وهنا يكمن الخطأ التاريخي الذي ارتكبه الثوار هو التعويل على هذه المعارضة عندما بدأت تتعالى الأصوات من مختلف المناطق الثائرة والتي كانت تتساءل بندائها “أين أنتم يا معارضة” المعارضة التي بقيت وما زالت صامته حتى اليوم بل وداعمة للنظام ضمنياً كل على طريقته الخاصة.

فالشارع الذي كان بعيداً كل البعد عن أي عمل سياسي نتيجة سيطرة الدولة وهيمنتها إلى جانب القمع الوحشي لأي رأي أو حتى نقد مهما صغر شأنه، فهذا كان كاف ليغيب صاحب هذا النقد وراء الشمس، فحذفت المفردات السياسية من قاموس المجتمع السوري وبات الناس يستخدمون العبارات اليومية الشائعة تعبيراً عن رأيها وبالهمس أو الغمز لأن الجدران كان لها آذان وحتى أن هذا الخوف كان يلازم من هو في المهجر لذا نجد اليوم هذا التصحر السياسي، فالشعب السوري الذي كان مغلوب على أمره كان يعتقد حتى آخر وقت أن هناك معارضة حقيقية، ولا يعلم أن هذه المعارضة هي على مقاس النظام وليست على مستوى الشعب وأول من أعلن العداء للثورة هي هذه المعارضة الداخلية مع انهم ذاقوا الويلات من هذا النظام ومع ذلك عندما اشتعلت الثورة كانوا أول المصطفين مع النظام ولا عجب.

هذه المعارضة تتصدر مع غيرها من الأطراف المشهد السياسي على انهم خصوم لنظام بشار الأسد وهم في الأصل من مهد الطريق لحافظ الأسد للحكم في سوريا، وهم من أورثوا بشار الأسد الحكم عن أبيه، وهم من كانوا يتوسمون به الخير مع أن الإجرام واضح في معالم وجهه، وهم من ثبتوا حكم عائلة الأسد وكل هذا ليس لأجل عيون عائلة الأسد إنما لحماية البعث من السقوط، فهناك عقد ضمني غير معلن فيما ما بين عائلة الأسد والبعثتين وغيرهم من الأحزاب اليسارية بحيث تبقى أسرة الأسد كواجهة للحكم فيما يبقى البعث من ورائهم هو الحاكم الفعلي، وبرز اليوم ما يطلق بجناح البعث القديم من خلال الأبناء ولحق بركبهم الناصريون وأبناءهم واليسار بشكل عام، هذه هي تشكيلات المعارضة اللاعبة على الساحة السورية سواء في الخارج او الداخل، وحتى بعضهم موجود في الحراك الثوري، فهل هناك ما يبشر بقرب سقوط النظام أوسقوط البعث مع هذه التركيبة العجيبة للمعارضة السياسية البارزة؟ لا أظن ذلك!

 هناك هوة واسعة فيما بين الثوار على الأرض ومطالبهم وبين المعارضة، فمطالب الثوار اليوم ومعظم الشعب السوري هو إسقاط النظام بكل رموزه من الأعلى إلى الأسفل فهذا يعني إسقاط البعث أيضا، فيما المعارضة بشقيها الداخلي والخارجي منها جناح يطالب بإصلاح النظام وجناح آخر يطالب إسقاط حكم الأسد وليس إسقاط نظام البعث وجناح آخر يطالب بإسقاط الاثنين معاً، ونظرا لهذا التباين في وجهات النظر المعقدة والمتعددة الأهداف نجد الخلاف على أشده بين صفوف المعارضة ومتعلقة بهذه الناحية بالذات وليس بطريقة إسقاط النظام أو التدخل الخارجي أو شكل الحكم ما بعد الأسد لان شكل الحكم سيحدده النظام الجديد الذي سيأتي من خلال صناديق الاقتراع.

ولا عجب إذا قلنا أن بعض أطراف المعارضة من فلول البعث السابق والحالي والناصرية واليسارية تتخوف من سقوط نظام البعث لان هذا يعني أيضاً نهايتها فهي تدرك جيدا أن معركتها المستقبلية ما بعد سقوط النظام ستكون مع غريمها التاريخي وهو الإسلام السني المحافظ والمعتدل الذي يمثل البرجوازية السورية والتي بدون أدنى شك ستنهض لتنفض الغبار عن نفسها بعد أن تم طمسها وتشويه تاريخها.
وحسب ما جرت عليه العادة من التدخل الخارجي في شؤون سوريا، فان هذه الجماعات المؤدلجة ترتبط دائماً بأجندات القوى خارجية وتتحرك بإيعازاتها، وهذا مثبت في الوثائق التاريخية، فيما يبقى التيار السني المحافظ وحسب ما عرف عنه تاريخيا بالوطنية الصرفة التي ترفض الارتهان للخارج بعكس ما كان يروج ضدها لتشويه سيرتها ولهذا سيحتدم الصراع مستقبلا فيما بين جماعات العهد البائد وبين القوى السياسية الجديدة، كما أن التصريحات الأخيرة لوزير خارجية روسيا لافروف لم تكن عشوائية بل هي موجهة وممنهجة، لان لافروف حتى يصرح بهذا الكلام الخطير الذي يتحدى به الطائفة السنية في سوريا وهي تشكل الأغلبية ولافروف يعي ذلك جيداً، فالأمر لا يتعلق بطائفة بل برموز هذه الطائفة التقليدية ولا بد وأن لافروف تلقى هذه الآراء من الرفاق الشيوعيين في سوريا وهم شراذم الشيوعية الموزعة هنا وهناك، وبأن سقوط النظام يعني عودة الرجعية التي كانوا قد قضوا عليها في السابق.

إن الثورة السورية في مأزق ما لم يعيد الثوار حساباتهم لأنه لو بقيت الأمور على هي عليه فالوضع الحالي سيطول وإذا ما غير الثوار نهجهم وتوقفوا عن اعتمادهم على المعارضة لان في هذا مقتل للثورة وسيطيل أمد النظام إلى ما شاء الله، وإذا لم يرتقي مستوى تفكير الثوار إلى مستوى ثورتهم والى مستوى التضحيات التي يقدموها في سبيل حريتهم فان دماء الشهداء ستذهب رخيصة.

المطلوب من الثوار اليوم لحماية ثورتهم بعد هذا المشوار الطويل أن يعيدوا النظر في تلك الشخصيات التي رفعوا صورها وكتبوا لها اللافتات وأولوها كامل الثقة لتمثل حراكهم الثوري محليا وخارجيا وتتحدث باسمهم في المحافل الدولية، وبما أن بعض من هذه الشخصيات المعارضة مرتبطة بشكل غير مباشر مع البعث إما خلال علاقاتها وصداقاتها مع زعماء أحزاب الجبهة التقدمية أو من خلال التقارب في الأيديولوجية مع الأحزاب الأخرى اليسارية، فإنه يترتب عليها أن تعلن جهراً تبرؤها من تلك العلاقات وهذا الإرث العقيم الذي ادخل البلاد في متاهة كان يمكن للثورة أن تحقق النصر منذ الشهور الأولى لولا تلك الحسابات والارتباطات الوثيقة مع البعث بطريقة أو أخرى بذريعة حماية العلمانية والمخاوف من وصول الإسلام المتطرف إلى السلطة، وفي حقيقة الأمر فهم متخوفون من عودة البرجوازية السنية.

وعلى الثوار اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يسارعوا إلى تشكيل جسم سياسي من الداخل ليسير جنباً إلى جنب مع نضالهم الثوري، وذلك باختيار شخصيات مستقلة سياسيا عن أي أحزاب مؤدلجة أو تعلن انفصالهم وانشقاقها صراحة وتكون مؤمنة كل الأيمان بمطالب الثوار وعن قناعة وليس مجرد بهرجة إعلامية لكسب ثقة الشارع ودغدغة مشاعره فيما تعمل عكس ما تظهره من وراء الكواليس، وطرح هذه المطالب في المحافل الدولية بدلاً من هذه الدائرة المغلقة التي يدور حولها المعارضة وهي متنازعة فيما بين بقاء الأسد أو رحليه وبين إسقاط البعث أو حمايته.

إن نجاح الثورة وانتصارها لن يتحقق إلا بإسقاط حكم الأسد وإجتثاث البعث من الدولة وتقطيع أوصال وقطع دابر تلك الأحزاب المؤدلجة الرجعية رواسب القرن الماضي والتي تدعي المعارضة وهي نصير وحليف شرس للبعث، عندها فقط يمكن القول أن الثورة حققت أهدافها أما أنصاف الحلول التي تقود إليها بعض هذه الأطراف فهذا سيعيدنا إلى نقطة البداية، فبناء سوريا الجديدة يجب أن يقوم على أسس ترقى إلى طموح المواطن السوري وتضحياته التي قدمها في هذه الثورة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend