جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

بينما معارضيه يتخبطون لوضع استراتيجية، الأسد يعد عدته

طوني كارون

رئيس تحرير مجلة التايم متخصص بشؤون الصراع في الشرق الأوسط.

الذي لم يتحقق في ساحة المعركة من النادر أن يتحقق على طاولة المفاوضات، والحقيقة المرة التي تواجهها المعارضة السورية هي أن بشار الأسد لم يهزم حتى الآن ولا يواجه خطر السقوط الوشيك لنظامه.

الأسد وعد السكرتير العام السابق لهيئة الأمم المتحدة كوفي عنان لتنفيذ جزئي لخطتة السلمية بسحب قواته والأسلحة الثقيلة من المدن والأحياء السكنية وذلك بحلول العاشر من ابريل/ نيسان الجاري.

وكانت القوى الغربية قد وجهت إنذاراً للأسد بحال لم ينفذ بنود خطة عنان، فأنه سيواجه عواقب لم تحددها لكنها أشارت إلى تاريخ الأسد الذي اعتاد على أن يخلف بوعوده، والأكثر غرابة كانت الشكوك حول نشطاء المعارضة على الأرض، لكن هذا لم يكن له تأثير يذكر كونهم ليسوا موحدين ليكونوا طرفا في خطة عنان، وهذا ما يعكس ضعف المعارضة نظراً لانعدام التوازن في القوة في الوقت الراهن.

إن وضع استراتيجية كرد على الأسد بحال لم يلتزم بوعوده هو أمر منوط بالقوى الغربية والعربية الذين يدعمون المجلس الوطني السوري، لكن في مؤتمر أصدقاء سوريا لذي انعقد في استنبول مؤخرا لم تظهر تلك القوى أنها قد توصلت إلى أي استراتيجية بالإجماع.

ربما في حقيقة الأمر ونظرا لهذا الفشل الدولي والعربي قد يشعر نظام بشار الأسد بالزهو بالنفس لان معارضيه في الخارج لم يكن بمقدورهم وقف القصف الوحشي على المدن التي كانت تحت سيطرة الثوار، حيث أمطرت القوات التابعة للنظام معاقلهم مما اضطرهم للانسحاب التكتيكي والتخلي عن سيطرتهم على كامل المدن، على أمل انشقاق عناصر جديدة عن جيش النظام والذي يعتقدون أن هذا سيؤدي إلى إسقاط النظام.

لقد ثبت للثوار أنه من الصعب في الحالة الراهنة السيطرة على الأرض وصد الهجمات الشرسة التي تشنها قوات النظام المدججة بالسلاح الكامل، بينما الثوار يسيرون على أقدامهم بحثا عن السلاح والذخيرة لتساعدهم في المواجهة، ما اضطرهم إلى الانتقال بخطتهم العسكرية من المواجهة إلى حرب العصابات، فيما لا يزال النظام محافظا على هيبته ضمن صفوف قواته الأمنية والتي تركز على الدفع نحو حرب طائفية.

ولا تبدو أي مؤشرات تدل على أن النظام من الممكن أن يسقط بعوامل داخلية على المدى القريب، حتى لو أن القمع الذي أطلق عنانه النظام قد حال دون استعادة الاستقرار على المدى البعيد.

خطة عنان السلمية تعكس حقيقة أن المعارضة السورية والجهات الدولية الداعمة لها غير قادرين على فرض الشروط على الأسد على ارض الواقع، وكانت القوى الغربية والعربية قد أرغمت للتراجع عن مطالبة الأسد بالتنحي كشرط مسبق لحل الأزمة، فيما خطة عنان تطالب بوقف إطلاق النار وسحب الجيش والآليات العسكرية من المدن، وفتح المجال أمام المعارضة السياسية للتعبير عن نفسها سلمياً، لكن البعد الأساسي لخطة عنان يمكن في أن المفاوضات حول مستقبل سوريا سيكون مع النظام وليس بعد رحيله.

تبقى بالنسبة للمعارضة فكرة التفاوض مع النظام أمر غير لم يعد بالأمر المستساغ بعد عام ونيف من النضال والتضحيات، حيث بلغ عدد الذين قتلوا على يد قوات النظام أكثر من تسعة آلاف شخصاً، لكن بنفس الوقت المعارضة لم يكن لها رأي رئيسي في خطة عنان لتطويرها، لأسباب ليس أقلها أنه حتى الآن لم تتمكن من طرح نفسها كجسم سياسي واحد منظم ويكون لها ما يكفي من القوة على الأرض لتفرض رأيها وهيمنتها على القرار بما يجعلها في موقع تحظى باهتمام عنان.

الحلول الوسطية للصراعات السياسية العنيفة قد تكون ناجحة، فعندما يجد المتصارعون أنهم دخلوا في طريق مسدود عندها يدرك كل طرف انه بإمكانه النجاة من هجمات خصمه، لكن هجومه لن يقضي على الخصم. مثل هذا التماثل لا يتوفر في الوضع الراهن لتطبيقه على المعركة الدائرة على الساحة السورية، فالثوار لا يزالون قادرين على تسديد ضربات قاسية للنظام، على الرغم من أن محاولاتهم للسيطرة على المناطق باءت بالفشل.

وفي الوقت الذي من الممكن تقديم الدعم العسكري للمعارضة إلا أن الثوار يعتمدون بشكل أساسي على الدعم السياسي الذي من شانه أن يؤدي إلى النتائج المرجوة، وتكون المعارضة لاعب مباشر في هذا التحرك، وبالتأكيد قد يتحقق هذا بحال تم تطبيق خطة عنان بشكل كامل والتي تطالب في أحد بنودها الست النظام السوري السماح بالتظاهر السلمي.

لكن الأمر المؤكد والذي لا مجال للرهان عليه هو أن الأسد سوف يطبق خطة عنان وفقا لشروطه، معتمدا على حالة الفوضى السياسية وانعدام الاستراتيجية لدى المعارضة والتخبط بين القوى المحلية والدولية على صياغة العواقب، وعلى الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلتها كل من تركيا وقطر لترقيع ورص صفوف المعارضة في المنفى تمثلت هذه الجهود بالاعتراف بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي وحيد عن الثوار في سوريا، إلا أن مؤتمر أصدقاء سوريا قد أظهر بشكل واضح تلك الفوضى السياسية في صفوف المعارضة، كما فشلت القوى الغربية في إخفاء شكوكها حول ما إذا كانت هذه المعارضة فعلا تمثل البديل عن النظام وممكن الوثوق بها وبقوتها في التأثير على الأرض في الداخل السوري حتى ترمي بثقلها لدعمها. وحتى الآن لا تزال الحكومات الغربية رافضة تقديم أي دعم لمطالبة الدول الخليجية لتسليح الثوار وترى هذا من شانه يجر البلاد إلى حرب أهلية طويلة الأمد، بينما تعهدت تلك الحكومات بتقديم مساعدات غير فتاكة كأجهزة اتصال وغيرها، فيما أعلنت المعارضة أن الدول الخليجية النفطية قدمت الدعم المالي وخصصت رواتب للثوار على الأرض.

وبينما أظهرت الدول الغربية وبشكل واضح انعدام الحماس لأي استراتيجية نحو التصعيد العسكري تجاه نظام الأسد بمزاعم أن التدخل العسكري قد يكون له عواقب وخيمة محتملة على المنطقة، وبالتوزاي نجد أن نظام الأسد لم يأخذ بكثير من الاهتمام تحذيرات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون من العواقب بحال فشل النظام في تطبيق خطة عنان، والأسد قد لاحظ أن خصومه الدول الغربية والعربية وحتى خصومه في الداخل ليس لديهم خطة متماسكة لتطبيق هذه العواقب التي لم تذكرها الوزيرة.

على ما يبدو أن الأسد سوف يستفاد من هذه الفوضى السياسية لتطبيق نسخة معدلة من خطة عنان وفقا لشروطه، وهذا بناء على تصريحات المتحدث باسم النظام الأسبوع الماضي حين قال “أن القوات الأمنية تخوض عملياتها العسكرية ضد المقاتلين لن تنسحب من المدن حتى استعادة الحياة الطبيعية فيها، وأفاد آخرون أن النظام لا يزال لديه متسعاً من الوقت حتى العاشر من ابريل/نيسان حيث يشن حملة أمنية واسعة النطاق في المدن الثائرة في عملية تطهير شاملة، وبالتأكيد ليس هناك ضمانات بان يلتزم الثوار على الأرض بالقاء السلاح وهذا ما قد يتخذه النظام ذريعة بخرف خطة عنان والاستمرار في عملياته العسكرية.

حتى لو كان مؤتمر أصدقاء سوريا قد وافق على وضع استراتيجية لتغيير هذا الخلل في التوازن فيما بين النظام ومعارضيه فان هذا سوف يستغرق عدة شهور ليكون له تأثيرا اكبر، وهذا لن يحدث قبل أن تصبح خطة عنان قيد التنفيذ، وخلق نوعا من التوازن في القوة سواء على الأرض أو دوليا، كما أن أقصى ما عند عنان من تأثير هو حث الأسد على الوفاء بالتزاماته حيث تلقى بعثة عنان الدعم من روسيا والصين.

على جميع الأحول فان روسيا قد أعلنت وبكل وضوح تعاطفها مع رواية الأسد التي يصر عليها بان استعادة السلم في البلاد يقع على عاتق الثوار وتوقف أعمالهم المسلحة، وستبقى لعبة النظام هذه بيد موسكو ما يتطلب من كوفي عنان أن يكرس معظم جهوده لحث الروس على تأييد رؤيته لتطبيق خطته.

إلى جانب ذلك هناك طريق واحد لضمان تطبيق خطة عنان بدخول قوات حفظ السلام دولية غير أن تحقيق ذلك بعيد الاحتمال، لان النظام لن يقبل قوات أجنبية على أرضه، ولم تكن الضغوط الدولية التي فرضت نهاية الأسبوع الماضي كافية لترغم النظام على قبول ذلك.

هناك كثر يعولون على الطريقة التي سيتصرف بها كوفي عنان حيال خطته السلمية وكيفية تطبيقها والتي ستقود نفسها بنفسها وتنفذ شروطها الرئيسية على أرض الواقع خلال الأسابيع القادمة.

تبقى خطة عنان تشكل خطورة بالنسبة للمعارضة السياسية لكن في حقيقة الأمر فإن الخطة تشكل الخطر الأكبر على النظام نفسه حيث ينص أحد بنودها الست هو السماح بالتظاهر السلمي تحت الرقابة الدولية، وفي هذا الوقت بالذات فان خروج التظاهرات الحاشدة في العاصمة دمشق وباشراف دولي ترعب الأسد أكثر من الثوار المسلحين، وعلى جميع الأحوال فان قوات النظام كانت قد أطلقت النار على المتظاهرين السلميين لفترة طويلة قبل أن يضطروا لحمل السلاح.

http://globalspin.blogs.time.com/2012/04/03/syria-as-his-adversaries-scramble-for-a-strategy-assad-sets-his-terms/

ترجمة: نورا دندشي

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend