الإزيديّون.. من يحميهم؟ – بقلم سيروان قجو

الأيام: اتفقت الأيام مع معهد الوارف في واشنطن على التعاون وتبادل المعلومات والمقالات لانماء الوعي الوطني وبناء الانسان السوري الحضاري الحر الذي ينبذ الطائفية ويؤمن بالحرية والعدالة والديموقراطية والمساواة. قد لا يعبر ما ننشره ضمن بروتوكول التعاون هذا عن رأي الأيام أو أي من هيئة تحريرها ولكنه يؤكد على ضرورة البدء بالممارسة الديموقراطية الحقة لكي نستطيع بناء الوعي الوطني في سوريا المستقبل.

تنص المادة 18 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي أقرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1948 أن: ” لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين  ويشمل هذا الحق حرية تغيير ديانته أو عقيدته وحرية الاعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء كان ذلك سراً أم مع جماعة. . في ظل الانتهاكات التي تُمارس بحق الانسانية في مختلف النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يأتي الاضطهاد بسبب الدين والعقيدة من الموضوعات الحساسة والمنسية من قبل الكثيرين. فكان لابد من تسليط الضوء على الديانة الإزيديّة (الزرادشتية) التي تُعد من الديانات المهددة بالانقراض، ولهذا نجد أن العديد من الدول الغربية سارعت إلى معالجة بسيطة لهذه المشكلة الانسانية وذلك بفتح باب الهجرة ولمّ شمهلم كلا في ألمانيا، السويد وأمريكا وفرنسا. تُعتبر هذه الديانة من أكثر الديانات التي طالما أثارت الشك حول نفسها، لما تكتنفه من غموض في تفاصيلها والطقوس الغريبة التي يمارسها معتنقوها. وقد لقت الكثير من الإنتقادات اللاذعة من قبل الديانات الأخرى وتم تكفيرهم من قبل الأصوليين والسلفيين..! وهي تعتبرمن أقدم الديانات التي ظهرت في الوجود، قبل المسيحية و اليهودية و الإسلام. واستطاعت في فترة قصيرة أن تنتشر بشكلٍ واسع وتمتد من منطقة الشرق الأوسط وصولاً إلى الهند وبلدان الشرق الأقصى.كانت معظم الشعوب القديمة غارقة في بحور من العبادات الوثنية التي لا أساس لها. فمنهم من كان يعبد الشمس ومنهم من كان يعبد الحيوان والحجر … الخ، وكانت البشرية وقتها تعتبر الطبيعة ملاذاً لتعبر من خلالها عما في داخلها من خوف و رهبة. في سنة 599 ق.م ولد طفلٌ بات فيما بعد رجلاَ خارقاً ذو فلسفة إنسانية رائعة. كان هذا الرجل هو ” زرادشت ” مؤسس الديانة الإزيديّة. يقول المستر البريطاني ” جاكسون ” الإخصائي المتمرس في العقيدة الإزيديّة : إن زرادشت شرع في بث تعاليم فلسفته و نشر دعوته قرب بحيرة ” أورمية ” ضمن حدود كوردستان إيران حالياً، ومع مرور الزمن خاض الكثير من التجارب في السفر و الترحال في سبيل إكمال مهمته الإنسانية النبيلة. وهكذا بدأت الإزيديّة تنتشر بين الناس و كان أول المعتنقين لها الكورد ثم الفرس ثم الأقوام الأخرى من أفغان و طاجيك و بعض الشعوب من الهند.بطبيعة الحال، كل ديانة تملك كتاباً مقدساً هو عبارة عن أقوال من الله على شكل نصائح وعقائد روحية وحياتية تُقدم للمؤمنين بها. وهذا الشيء ينطبق على الديانة الإزيديّة مع وجود اختلاف هو أنّ الكتاب المقدس عندهم ( أفستا ) عبارة عن أحكام وفلسفات وضعها زرادشت بنفسه لتكون دليلاً ومرشداً للناس، تبعدهم عن فعل الخطأ و ترشدهم نحو العمل الخير وخدمة الإنسانية. ولابد من القول أنّ الديانة الإزيديّة تؤمن بالتوحيد الإلهي وتقول في إحدى تعاليمها أنه هناك دائماً إلهان يحكمان البشرية، أحدهم يدعو إلى الخير و الآخر يدعو إلى الشر. يقول الكتاب الأسود في ذلك : أنّ مسألة الخلق و حدوث الكون تعود إلى ” هرمز ” إله الحياة، حيث قام هذا بحكم الأرواح البشرية لثلاثة آلاف سنة ثم ظهر ” أهريمان ” إله الشر و الظلمات و اقتحم عالم النور وبدأ يدبّ فيه فساداً… وهكذا بدأ الصراع بين هرمز و أهريمان إلى أن ظهر زرادشت، مما اضطر أهريمان الهرب و العودة إلى عالم الظلمات. يعتقد الزرادشتيون أنّ كل شيء في الطبيعة من الضوء و النار يدل على الخير و خلاف ذلك هو الشر عينه. لذا نرى في كثير من الأوقات أنهم يوقدون النيران في مناسبة أو غير مناسبة، اعتقاداً منهم أنّ النار يطرد الأرواح الشريرة من الوجود وليس كما يروج لها البعض بأنهم يعبدون النار ! وترى الإزيديّة أنّ الروح تبقى خالدة و تشعر بالفرح و الحزن لمدة ثلاثة أيام بعد افتراقها عن الجسد، ومن ثم تبدأ المحاسبة الحقيقية وهي عبارة عن سير على جسرٍ طويلٍ ضيّق، فإذا كان الإنسان خيّراً في حياته فسوف يعبر الجسر بكل سهولة متجهاً نحو الخلود والنيرفانا، و إذا كان شريراً فسوف يسقط من أعلى الجسر إلى الظلمات و العذاب الأبدي.ومن المبادىء الأساسية في هذا الدين، تقديس العناصر الطبيعية الأربعة : الماء – الهواء – النار و التراب، فكانت النار شعاراً لزرادشت نفسه وكذلك لا يجوز تدنيس المياه الجارية و الساكنة وأيضاً لا يجوز تدنيس التراب. كما يرى الإزيديّون أن زرادشت كان نبياً يكلّم الله سبحانه وتعالى كبقية الأنبياء.للأسف، قامت الكثير من الديانات و الحكومات باضطهاد معتنقي هذه الديانة حتى أصبحت بعد فترة زمنية مقتصرة على جماعات صغيرة ومحدودة حافظت على هذا الإرث الإلهي و استمرت في ممارسة طقوسها الدينية معتقدين بأنه خلاصهم الوحيد من شر البشر و البشرية.في العراق حيث التواجد الأكبر لمعتنقي الإزيديّة وأيضاً وجود معبد ( لالش ) المقدس، تعرّض هؤلاء لشتى أنواع التمييز والتفرقة الدينية والطائفية وكانت تُفرض عليهم التزامات وواجبات دون أن تكون لهم أي حقوق، بما فيها اجبارهم على اعتناق الاسلام! وانتهجت الحكومات المتعاقبة على حكم العراق سياسات شعواء بحقهم تمثلت بطمس معالم ديانتهم، ففي بداية الخمسينات في قضاء (شيخان) في اقليم كوردستان العراق الفيدرالي، تم الاستلاء على ممتلكات الأهالي ومن ثم قام النظام العراقي السابق بتهجير أعداد كبيرة منهم قسراً إلى مناطق بعيدة عن مناطقهم واسكانهم في مجمعات قسرية محرومين من أرضهم وأبسط الحقوق. كذلك حرموا من حقهم في التعليم وتدريس مبادئ ديانتهم وتم منعهم من نشر أي كتاب يشير إلى خصوصيتهم الدينية. فانضم الكثير منهم إلى صفوف المعارضة العراقية وكان من أشهر شخصياتهم المعارضة ” حسين بابا شيخ ” الذي استشهد بينما كان يقاتل ميلشيات النظام العراقي السابق. وبعد عملية تحرير العراق، أخذت الديانة الإزيديّة حقها من حيث المساواة مع بقية مكونات الشعب العراقي، ولكنها لم تسلم من الارهابيين والاسلاميين المتشددين! فحدثت العديد من عمليات الخطف والقتل والإبادة الجماعية، فمثلاً في تاريخ 18 – 8 – 2007 في منطقة سنجار، حدثت كارثة انسانية عندما ارتكب الارهابيون جريمة بشعة وقاموا بتفجير أربع شاحنات محملة بالمتفجرات، وقتها لقي 800 شخصاً إزيديّاً حتفه كان معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ المسالمين! وبعدها جرت عمليات مماثلة وفي مناطق مختلفة استهدفت هذه الطائفة التي تُعتبر من أعرق الطوائف الدينية في العراق.في سوريا تتواجد أعداد جيدة من العوائل الإزيديّة رغم أن الكثير منها هاجرت إلى ألمانيا على وجه التحديد، نتيجة الظلم والتمييز الديني والعرقي بحقهم والذي تمثل بتجريد أغلبيتهم من الجنسية السورية وانتزاع أراضيهم الزراعية وومنعهم من بناء مراكز خاصة بعبادتهم!أما في تركيا، فقد تم اتباع سياسة التتريك ضدهم وحرق قراهم والضغط عليهم للنزوح والهجرة إلى خارج تركيا بالاضافة إلى تسليط الجماعات الاسلامية المتطرفة عليهم تحت فتاوى تكفيرهم!في هكذا واقع مرير يُسلب فيه الانسان حتى من حريته الدينية، لابد من إشاعة الديمقراطية داخل المجتمعات الشرق أوسطية واعتماد مبدأ فصل الدين عن الدولة بما يكفل احترام الحريات الدينية والعقائد المقدسة، ليسود روح التسامح والعدالة والمساواة بعيداً عن التمييز العرقي والطائفي والديني التالى .

سيروان قجو

© 2009 جميع الحقوق محفوظة لمعهد الوارف للدراسات الإنسانية الكتابات المنشورة على موقع الوارف خاصة بالمعهد، في حال الاقتباس أو النقل عن الموقع يرجى ذكر المصدر المواضيع المنشورة لا تمثل بالضرورة توجّه المعهد، في حين تمثل وجهة نظر كاتبيها

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend