جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

تشكيل كيان صلب للمعارضة السورية أمر يستحق الدعم

المعارضة ماضية في ثورتها حتى إسقاط النظام الذي تعتبره غير شرعي وطائفي وفاسد

الأيام: ترجم هذا المقال لأهميته

إتامار رابينوفيتش

كاتب وباحث إسرائيلي

سفير إسرائيل السابق لدى الولايات المتحدة الأمريكية

دخلت الأزمة السورية عامها الثاني، وقتل حتى الان ما يقارب على عشرة آلاف شخصاً، معظمهم من المدنيين، ولا توجد مؤشرات واضحة على النهاية، فالبلاد دخلت في ورطة، والمعارضة غير قادرة حتى الآن من إسقاط نظام بشار الأسد، وقوات بشار غير قادرة على سحق الانتفاضة.

وسط إصرار الطرفين، فالمعارضة ماضية في ثورتها حتى إسقاط النظام الذي تعتبره غير شرعي وطائفي وفاسد وطاغ واستبدادي وأيضا ملطخاً بالدماء، بينما تعتقد وجماعة الحلقة المركزية في النظام المتصلب انه باستمراره الحل الأمني سيفضي في النهاية إلى إخماد الانتفاضة، وبأن أي تنازل يقدمه النظام سيعرض وجودهم للخطر، وأن سقوط النظام يعني تجريدهم من كل شيء، وسيلاحق الموت قيادات النظام وشريحة واسعة من الأقلية العلوية حسب ما يعتقدونه بالمخطط  الذي يرسمه الثوار لمصيرهم.

إن فشل المجتمع الدولي في الرد بشكل فعال على هجمات النظام الوحشية لإخماد الثورة في حمص استكملها بإنزال اشد العقاب على الناجين كتحذير لإرهاب باقي المدن الثائرة هو ما يشجع الأسد وعصبته على الاستمرار في الحل الأمني.

ربما هذه الهجمات الأمنية الشرسة قد تثير الرعب في صفوف المدنيين على المدى القريب، لكنها بالتأكيد ستؤجج مشاعر الغضب لدى عامة الشعب، وبالتالي ازدياد الاحتمالات في حدوث تصفية حسابات دموية للأسد وزمرته مستقبلا.

على ما يبدو أن هذا المأزق الوحشي اليومي سوف يستمر لبعض الوقت، كما أن مساعي البعثات الدبلوماسية والإنسانية التي يقودها كل من السكرتير العام السابق لهيئة الأمم المتحدة كوفي عنان ومساعد السكرتير العام في مجلس حقوق الإنسان فاليري أموس، تبدو غير مجدية، كالمساعي السابقة التي بذلها المجتمع الدولي وجامعة الدول العربية لوضع حد للعنف الذي يمارسه النظام وتمهيد الطريق نحو الحل السياسي.

من المؤكد أن السلطات السورية تعاني من تزايد الانشقاقات حيث بلغت ذروتها بعد الحملة الأمنية العنيفة على حمص، حين أعلن نائب وزير النفط استقالته وانضم إلى صفوف المعارضة، فيما حصلت الانشقاقات أيضا على مستوى الضباط في صفوف الجيش إلا أن النظام لا يزال حتى الآن محافظا على تماسك قواعده الأساسية.

لا يزال الجيش وأجهزة الأمن وحتى الطائفة العلوية تدعم النظام بقوة، وأيضا شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة في كل من دمشق وحلب، فضلا على أن موقف الطائفة المسيحية وباقي الأقليات من الانتفاضة سلبية أو تلتزم الحياد في موقفها تخوفا من أن تفضي الحالة الراهنة إلى الفوضى واندلاع حرب أهلية، واحتمال وصول الإسلام المتطرف للحكم في سوريا حسب إدعائهم.

روسيا والصين مستمرتان في تغطية النظام دبلوماسيا وإيران تقدم الدعم العسكري والتقني، وعلى الرغم من النقص الحاد في السلع والأوضاع الملتهبة في العديد من المناطق بسوريا ومع ذلك فان الحياة اليومية في العاصمة دمشق تبدو طبيعية.

ومن ناحية أخرى فإن تزايد حدة المعليات الأمنية لن تثني خصوم النظام عن متابعة نضالهم والاستمرار في التظاهرات المناهضة لحكم الأسد في معظم أنحاء سوريا، ولن توقف انتشار الجيش السوري الحر في المناطق الثائرة وان كان بوتيرة متباطئة، كما أن هذا القتل الوحشي والدمار الذي لحق المدن السورية قد اغضب تركيا والدول الغربية ومعظم دول العالم العربي الذين يسعون لفرض العقوبات كنوع من العقاب والضغط لكن هذه الضغوط الدولية والإقليمية على الأسد لم تجدي نفعا”.

وفي نوفمبر الماضي صعدت الجامعة العربية من لهجتها بشكل صارم وعلقت عضوية سوريا، وأوفدت بعثة المراقبين العرب والتي كانت عبارة عن مهزلة حقيقية، كما أن المبادرات التركية فقدت زخمها، فيما الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوربيين على ما يبدو أنهم ذاهبون نحو التحرك دبلوماسيا غير أن جهودهم تلك ليس لها ذلك التأثير الخطير بشكل يهدد النظام في دمشق.

حسب ادعاء الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية بأنه لا يمكنهم اتخاذ أي خطوات جدية ومؤثرة بدون تفويض من هيئة الأمم المتحدة، وبأن روسيا والصين تقفان عثرة أمام تحركهم باستخدام الفيتو ضد الثورة السورية في مجلس الأمن، لكن في الواقع فإن الحكومات في كل من واشنطن ولندن وباريس وغيرهم من الحكومات يمكن لهم فعل الكثير بدون أي قرار من مجلس الأمن.

وربما الأكثر غرابة هو أنه في الوقت الذي أغلقت فيه بعض الدول سفاراتها في دمشق لاعتبارات أمنية حسب وصفهم وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا، غير أن حركة الطائرات من والى سوريا لم تتوقف، ولم تتخذ أي إجراءات أخرى أكثر صرامة من شأنها أن تقلب سكان دمشق وحلب ضد النظام لوضع نهاية للازمة.

هذا التناقض الواضح في طريقة التعامل مع النظام في دمشق، والذي تفسره الدول الغربية والعربية المعنية انه بسبب ضعف وغموض سياسة قادة المعارضة. كما أن هناك تفاوت كبير بين شجاعة وتماسك الثوار والمقاتلين على الأرض في حمص وإدلب ودرعا وبين المجلس الوطني الذي فشلت فصائله في التوصل إلى تشكيل برنامج سياسي متماسك، وبناء جسم لها ذات هوية للحصول على اعتراف الدول.

لدى صناع القرار في الدول الغربية والخليجية التساؤلات كيف ستكون سوريا بعد سقوط الأسد، وهذا ما ظهر بوضوح في الأسبوع الثاني من شهر مارس/آذار الماضي عندما أعرب مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية عن خيبة أمله بالمعارضة السورية وذلك في عدة تصريحات صحافية مقتضبة.

لقد نجح النظام في دمشق بشكل فعال في استغلال مسالة أن القادم مجهول وذلك عبر إشاعة المخاوف من سيناريو مشابه لما جرى في مصر، وبان التغيير سيؤدي إلى إضعاف العلمانيين ووصول الأخوان المسلمين والإسلام المتطرف الجهادي إلى الحكم في سوريا، وفي حقيقة الأمر فانه من الصعب الفصل ما بين السبب وتأثيره.

إن الاعتراف بالمعارضة كحكومة شرعية للشعب السوري على غرار ما جرى في ليبيا من شأنه أن يعطي خصوم الأسد القوة، لكن حتى الآن لا تزال المعارضة تفتقد للجاذبية التي من شانها أن تشجع الدول لاتخاذ مثل هذا الإجراء.

المطلوب من المعارضة السورية بناء كيان جاذب ومقنع ليكون بديلا عن نظام الأسد، كمان يتوجب على الأنظمة الدولية والإقليمية المساعدة في هذه العملية.

إن نهاية نظام الأسد باتت محتومة، لقد فقد شرعيته وآيل للسقوط، لكن هذا قد يستغرق وقتا طويلا وينذر بثمن باهظ، والبديل هو معارضة سياسية فعالة لتتمتع بالدعم الكامل من قبل الدول الفاعلة إقليميا ودوليا.

نقلاً عن صحيفة: اليابان تايمز

ترجمة: نورا دندشي

http://www.japantimes.co.jp/text/eo20120330a1.html

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend