ماذا وراء دعوات لافرورف للحوار – عبد الرحمن عكل

 

من خلال متابعة دقيقة للأحداث في سوريا يمكن للمرء أن يلاحظ نشاطاً كبيراً للدبلوماسية الروسية في الأشهر الثلاثة الاخيرة!… حتى أنّ تصريحات لافروف باتت أكثر بكثير من حيث العدد من تصريحات وليد المعلم!.. في الوقت ذاته خفتت الأصوات الدولية التي تطالب الروس بتغير مواقفهم على الرغم من أن الصورة على الارض لم تتغير قيد أنملة. وبينما كانت المبادرات السياسية السابقة تصطدم بالتعنت الروسي فتثير عاصفة من النقض للموقف الروسي بدأت الأن الصورة بالاختلاف الجذري, فالروس هم الذين يحددون شكل المبادرات ومحتوياتها ويفرضون مبادراتهم على الأخرين في محاولة للضغط على الداخل السوري للتفاوض ليصبح السؤال المطروح بقوة ماذا وراء دعوات لافرورف للحوار؟

لن نستطيع الاجابة على هذا السؤال من خلال تحليل المبادرات الروسية التي لا تحوي على كثير من المعلومات المهمة كما يبدو فهي تبدو للوهلة الاولى مجرد دعوة للحوار بين النظام و المعارضة دون شروط مسبقة مما يطرح اسئلة عديدة منها مثلا:
-على ماذا سيكون الحوار؟
– من هي الفئات المعارضة التي ستمثل الشعب في الحوار؟
– ما هو الزمن المعطى للحوار ؟ وماذا لو فشل الحوار؟
– لماذا لم يتم ربط ايقاف العنف واعادة الجيش الى سكناته لبدأ الحوار؟ وبالتالي ما مدى جدية اي حوار بوجود الدبابات في الشوارع السورية؟
الاسئلة المذكورة اعلاه توضح بشكل جلي ان ثمة امور تختبئ وراء هذا الحوار المفرغ من مضمونه حتى قبل ان يبدأ ناهيك عن ان الروس لم يحاولوا خلق اي مناخ للحوار بل استمروا ويستمرون بتسليح نظام الاسد ودعمه كلياً.
هذه التساؤلات تقودنا الى سؤال اخر وهو ما علاقة النظام السوري مع الحكومة الروسية؟
طوال حكم آل الاسد في سوريا توطدت العلاقة بين النظام السوري من جهة والنظام السوفيتي ووريثه الروسي من جهة أخرى , فليس سراً على أحد اهمية الخبراء السوفيتيين في توطيد حكم آل الاسد وتحويل سوريا الديمقراطية الى دولة مخابراتية “استالينية” تحكم بالبسطار العسكري وتنصب التماثيل في كل الساحات العامة كي لا يخرج الشعب المحكوم عن عصى الطاعة !
وقد اثمر التعاون الاسدي السوفيتي رقماً قياسياُ غير مسبوق من حيث عدد فروع المخابرات التي تعد الانفاس على المواطن السوري والحقت بها كل ما يتطلب من سجون سياسية سوداء تمارس ابشع الوسائل السوفيتية في التعذيب و التنكيل بالمواطن, وطبعاً لا ننسى الخبرة السوفيتية في” أدلجة ” الشعب وحصره في كل مراحله العمرية ضمن اطر ومنظمات تهتف بحياة الاب القائد كي يشعر المواطن السوري انه دائماً تحت عين الحكومة التي لا تنام حتى عندما يفكر بأن يتنفس!
لم تسعفني الذاكرة وانا أكتب هذه السطور أن اتذكر كم جامعة او هيئة تعليمية قام السوفييت ومن بعدهم الروس بأنشائها كي يرفع السوية العلمية في سوريا ولكني تذكرت تماماً حرص الروس على ايفاد خيرة الشباب السوري المثقف و الدبلوماسيين السوريين و طبعاً ضباط الجيش السوري و المخابرات بدورات تدريبية و تعليمية للربط الفكري بين الدولتين وكذلك توطيد العلاقات على الصعيد الشخصي مع الدبلوماسيين السوريين و ضباط الجيش السوري (واذكر هنا على سبيل المثال كلام العماد مصطفى طلاس في مذكراته عندما كان يباهي بعلاقاته الشخصية في موسكو وقدرته على جلب اي اسلحة يختارها دون الرجوع الى مؤسسات الدولة).
لقد قام الروس بتمية البيروقراطية والفساد داخل دوائر الدولة و الجيش وعملت على مبدأ وصل السلطات وخلطها ثم تسليم اليد العليا لقادة الجيش و المخابرات و لأفراد معينة من عائلة الاسد ومن ثم توطيد العلاقات بشكل كبير مع اصحاب القرار و القوة في سوريا في مشهد يكاد يتكرر في كثير من الدول الصديقة او الحليفة للنظام الروسي السوفيتي .
لماذا قام الروس بكل هذا المجهود ؟ ولماذا يقفون كأشد الاعداء للثورة السورية؟
تعتبر الثورة السورية ان اهم هدف من أهدافها هو اسقاط النظام والمقصود من ذلك هو تحطيم القبضة الامنية و فتح باب الحريات السياسية و اغلاق السجون السياسية وفصل السلطات واعادة الجيش الى دوره الطبيعي وهو حماية البلد من العدو الخارجي ووضع دوائر الدولة تحت عين الرقابة ومحاربة الفساد اي باختصار تحطيم كل ما قامت الانظمة الروسية المتعاقبة على بنائه ورعايته في سوريا وخاصة ان روسيا تملك مصالح مهمة جداً في سوريا اذكر منها:
تجارة السلاح التي تعتبر من اهم اولويات نظام الحكم في روسيا وذلك لما تدره من اموال على المافيا الحاكمة ولأن ” الاوليغارخي” (وتعني طبقة اصحاب رؤوس الاموال المتحكمين بالسلطة) هم المستفيد الاول من عمليات بيع السلاح للأنظمة الفاسدة لسبب بسيط انه من السهل جداً سرقة الموارد للصفقات الضخمة للأسلحة مع دول لا تتعامل بمبدأ الشفافية دون ان يسأل الشعب الروسي حكومته عن المبالغ الطائلة الداخلة الى جيوبهم ! فمثلاً تتحدث تقارير عن 4 مليار دولار كصفقات للأسلحة بين النظامين الروسي و السوري للعام الفائت دون اي ذكر لهذا المبلغ في ميزانية روسيا للعام الحالي!!!
السبب الأخر هو ميناء طرطوس الذي يعد متنفس للدب الروسي على البحر الابيض المتوسط وورقة ضغط على الحكومة الاوكرانية كي لا تتمادى برفع اجر ميناء سيفاستوبل في شبه جزيرة القرم لان البديل جاهز دائماً.
ويبقى ربما السبب الاهم هو شبه النظام الروسي بالنظام السوري الذي كان كثيرون يعتقدون الى فترة ليست ببعيدة انه من المستحيل ان يسقط بسبب القبضة الامنية ولكن اتضح للجميع أن الشعوب تملك قوى جبارة اذا ارادت فعلاً التغيير.
أن نجاح السيناريو السوري يجعل الثورة السورية مثالاً يحتذى به لكل الاحرار في العالم ويقض مضجع الديكتاتوريات العالمية وأهمها واعتاها النظام الروسي لذلك يحاول النظام الروسي ان يدفع سوريا الى بحر من الدم كي يخوف طلاب الحرية من القتل و الدمار ويربط الاستقرار و الامان ببقاء الانظمة الفاسدة.
هناك ايضاً عامل هام يشرح كثير من اللبس في الموقف الخارجي من الثورة السورية واصار معظم دول العالم على دفع الشعب السوري للحوار مهما كلفنا الحوار من دماء و السبب هو اسرائيل! فالكيان الصهيوني يملك حدوداً منسية كادت تكون اهم الجبهات في حال اشتعال حرب مستقبلية بين العرب واسرائيل! لذلك تضغط اسرائيل على الجميع كي يتفاوضوا مع النظام السوري الحالي خوفاً من نظام سوري حر يخلف النظام الاسدي و يخرق السلم الممتد لأكثر من 38 سنة على جبهة الجولان او ذهاب البلد الى فوضى مما يجعل الحدود سائبة تماماً مما يسمح لأكثر من مليون فلسطيني و مئات الالاف من النازحين السوريين محاولة العودة الى اراضيهم مما يشكل خطر هائل على الكيان الصهيوني الذي يتمتع بعلاقات متميزة جداُ مع الحكومة الروسية الحالية جعلت بوتين شخصياً يشيد اكثر من مرة بأيهود اولمرت و افيغدور ليبرمان المنحدرين من اصول روسية بسبب مساهمتهم لرفع التبادل الاقتصادي والعسكري الى ارقام كبيرة وتتويج العلاقات الودية بين الطرفين الى فتح الطرفين حدودهما بلا تأشيرة لمواطني كلا الطرفين.
يبدو أن العامل الاخير تحديداً هو الذي سمح للروس ان يحصلوا فجأة على ثقة المجتمع الدولي كي تحل الامور بأسلوب لا يهدد خطر الدولة العبرية ولذلك اصبح العالم كله يطالب ثوار سوريا بالتفاوض الذي يرسمه و يحركه مهندس السياسة الخارجية الروسية الثعلب سيرجي لافروف.
اذا ما هي الاهداف الحقيقية للمبادرات الروسية؟
لقد استثمر الروس الكثير من الوقت و الاموال كي يبنوا هذا النظام الديكتاتوري في سوريا و اسقاطه يعني تحرير سوريا من التحكم الروسي وهذا طبعاً لن تقبل به روسيا لذلك حرصت روسيا دائماً على دعم حكومة الاسد و تدعيم صورته كي يتسرب الاحباط و الوهن الى الثوار السوريين فيتراجعوا عن مطالبهم تمهيداً للصفقة النهائية لدفن الثورة ولكن الشعب السوري اثبت للجميع انه اقوى من كل المؤامرات الدولية واستمر بإصرار على مطالبته بالحرية على الرغم من التواطؤ العالمي مما فرض على الروس واقعاً جديداُ عليهم التعامل معه وهو الخروج باقل الخسائر الممكنة.
ملامح الخطة الروسية كما تسربت من عدة مصادر تتركز على سيناريو شبيه بالحل اليمني مع ضمان ان تبقى البلد بيد جنرالات الجيش الحالي الذين يرتبطون ارتباط شديد بروسيا لدرجة اننا نستطيع اعتبارهم صمام الامان لبقاء المصالح الروسية في سوريا.
يبقى امام لافروف عقبتان لتطبيق هذا الحل فالعقبة الاولى هي اقناع عائلة الاسد و قسم كبير منهم فعلياً هم من يتحكمون بالأمن و الجيش في البلد ان الحل اليمني قد يكون احسن الحلول المطروحة.
اما العقبة الثانية وتبدوا اصعب بكثير من الاولى هي اعادة الهيبة الى الجيش و الدولة في حال نجاح حل اخراج الاسد خارج البلاد ! فنجاح الشعب بالإطاحة بالأسد لن يزيدهم الا تصميماً على ازالة كافة الفاسدين من سدة الحكم مما يعني سقوطاُ روسياُ مدوياً بزوال حلفائهم و كذلك تهديد للأمن الاسرائيلي!
لذلك يحرص الثعلب لافروف على اظهار ان بشار قد قدم للحوار لأنه الاقوى وليس لأنه منهار تماماً لان سمعة وقوة النظام السوري هي من اهم العوامل التي قد تسمح للروس التفاوض مع بعض اطياف المعارضة على المشاركة في السلطة في مقابل ابقاء جنرالات الجيش وتأمين اسرة الاسد و طبعاً لا ننسى ان هناك كابوس يسمى الجيش الحر يؤرق كل من روسيا واسرائيل لان وجود ضباط احرار ضمن الجيش السوري المستقبلي يجعل الجيش السوري محصن ضد السيطرة الخارجية و يفرض بديل جاهز للجنرالات الفاسدين في الجيش السوري و التي تعول روسيا على ابقائهم بحجة انهم حصانة سوريا ضد حرب اهلية تتحدث عنها روسيا لتخويف الشعب السوري ولتسهيل مفاوضات لافروف.
الحل الروسي هو الانسب للعالم اجمع فهو يعيد الاستقرار لسوريا ويؤمن حدود اسرائيل وهو يذكر الى حد كبير كيف استطاع العالم الالتفاف على الثورات المصرية و اليمنية فيعطى الشعب السوري بعض الاصلاحات الشكلية بينما تبقى بنية النظام الداخلية على ما هي عليه!
مع ذلك وعلى الرغم من كل التشويه الاعلامي العالمي للحقائق يبدو الشارع السوري هو اللاعب الاقوى على الاطلاق وهو الذي فرض على العالم حتى الأن ان يقف و يسمع الى مطالب الشعب السوري ولذلك اذا اراد الشعب السوري ان يصل الى بر الامان عليه ان يتذكر بأن حركة الشعب السوري وحدها كسرت الصمت العالمي وهي قادرة على متابعة الطريق حتى النهاية مهما بلغ حجم الضغط عليها و الاهم من ذلك كله انه لولا ان العالم كله ادرك ان النظام قد سقط فعلياً وهو الان يتحضر لمراسم الدفن ما رأينا نظاماً ديكتاتورياً مثل النظام الروسي الذي لا يهتم حتى لمطالب شعبه يضعف و يفاوض الشعب السوري العظيم على ابقاء بعض من مصالحه.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend