جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

سوريا اليوم … واقع مرير .. ووطن يمزق – وائل النبواني

قد يتهمني الكثيرون في مقالي هذا بأني طائفي ، وقد يصنفه البعض تحت مسمى التحريض الطائفي ضد فئة أو جماعة ، لكنني وبعد شلال من دماء السوريين لم يتوقف منذ سنة حتى الآن أجد من مسؤوليتي تجاه وطني أن أعبر عن رأيي مستندا الى وقائع اعايشها يوميا في عملي وأن أفضح _غير آبه_ كل ما أراه مسيئا لمستقبل سوريا أرضا ومجتمعا … فالصمت الآن خنجر في قلب سورية.

في إحدى نشرات الأخبار .. يتحدث إلينا الناشط الحمصي الشجاع هادي العبدالله ليقول إن عملية تهجير منظمة تحصل في أحياء حمص القديمة ، ولم يعد يخفى على أحد أنها أحياء يقطنها أبناء الطائفة السنية ، يغص هادي ويبكي بعد ما بيكنا جميعا من هول مجازر لم نسمع عنها عُشر ما رآى هو بعينيه… وللمرة الألف منذ الثورة ( وعن تجربة شخصية ) يترفع هادي كما غيره من الناشطين عن ذكر أي كلمة طائفية ، يقول : يتم تهجير أهالي أحياء حمص القديمة ويحتلها … يصمت بضع ثواني ( فكبرياؤه ووطنيته تمنعه من نطق ما يسيئ إلى من أساء إليه كثيرا) يقول … ليقطنها جماعات من مناطق أخرى !! عجبي من عزة هذا الرجل الشهم .. يراودني شك كبير بأنني لو كنت مكانه لما استطعت ما استطاعه بعد كل هذه الدماء !!

قبل أيام إحدى الناشطات من اللاذقية تقول لي تحت الهواء … (دبحونا يا وائل هجرونا من بيوتنا في ضيع كاملة تهجرت وسكنها (العلوية) لم استطع أن أقول لها كلمة واحدة تمنعها من قول ما لديها على الهواء … صمتُ وغصة الحقيقة تخنقني …. عندما تحولت تلك الناشطة الى (الهواء مباشرة) ليحاورها المذيع ، توقعت أن تقول ما قالته لي قبل دقائق؛ لكنها لم تفعل ، اكتفت بشرح الجرائم ولم تنطق بكلمة طائفية واحدة…
هذه أمثلة بسيطة مما بت أعايشه يوميا من حوادث يندى لها الجبين ..
ففي حمص واللاذقية وبعض مناطق حماة وإدلب ، يقوم اتباع النظام بعمليات تصفية وتهجير ( واجد نفسي اليوم مضطرا للقول بأن هؤلاء الأتباع ليسوا من الجيش ولا من قوات الامن ، إنما هم من شبيحة القرى العلوية الذين يعيشون رعبا طائفيا عنيفا من مرحلة ما بعد اسقاط النظام) يقتلون بعنف الخائف ( والخائف عندما يبطش أشد جورا من جلادي اسبارطة) ،
عائلات تقتل دفعة واحدة بما فيها نساء وأطفال وشيوخ فضلا عن الشباب، والتهمة فقط أنهم (سنّة)! أعراض تنتهك بصبغة طائفية ، بيوت تحرق وتدمر بصبغة طائفية، آلاف يشردون يوميا في العراء بصبغة طائفية!!
لماذا يحصل هذا في سورية؟ سؤال مرعب … وأجوبته مرّة كالعلقم لن يتنازل بشار الأسد عن الحكم ، حتى لو اضطر الى تقسيم سوريا والاكتفاء بدولة علوية … هذا هو العامود الفقري (برأيي) لما يحصل.. وكل ما يجري من تفاصيل تصب كلها في بحر هذا الخيار اللاوطني الذي اختاره الأسد …
قد يقول أحدهم أن بعضا من أبناء الطائفة السنية هاجم أحياء علوية .. وهذا صحيح ، لكن الحقيقة أنهم لم يفعلوا ذلك إلا بعد مجازر لم تتوقف منذ شهور!!
وأن هذه العمليات لم تكن إلا دفاعا عن النفس أحيانا ، وفورة غضب أحيانا أخرى .. أو قد تكون بدافع طائفي انتقامي، لكنها لم تعبر عن الطائفة السنية حتى الآن بشكل يدفعنا للقول بأنهم أرداوا من انضمامهم للثورة النيل من العلويين، فكم رسالة وجهها هؤلاء لأبناء الطائفة العلوية كي يكفوا عن ذبحهم ومهاجمتهم ليل نهار؟ وكم سعى هؤلاء وبرهنوا بوضوح أن ثورتهم ليست طائفية ؟ وكم كانت ثورتنا أنقى قبل شهور لولا آلة إعلامية إجرامية نجحت في جرّ الكثيرين الى التصرف بشكل ديني أو طائفي؟ لماذا تركز القصف على الجوامع؟ لماذا أهينت مقدسات السنّة ؟ لماذا ركّزت المقاطع المسربة من أجهزة الامن على اللهجة العلوية؟ أكان كل هذا صدفة ؟ بالطبع لا … فما وقعنا به اليوم ، تم التخطيط له منذ اللحظات الأولى للثورة، ومنذ أن أيقنت عائلة الأسد أنها زائلة ولا مفر من هذه الحقيقة.
لكن المؤلم في كل هذا ، أن ينجر جزء كبير من أبناء الطائفة العلوية نحو هذا الخيار ، لماذا لم يدرك هؤلاء ما أدركته فدوى سليمان، ولويز عبد الكريم، ورشا عمران ومنذر خدام وعارف دليلة وغيرهم الكثير من العلويين ، بأنها ثورة كل السوريين وأن النظام الطائفي اللاوطني هو من جرها نحو هذه الهاوية ؟ اليوم بتنا أمام خيارين أحلاهما مرُّ..
فإما أن نسكت عن كل هذه المجازر الطائفية ، بحجة الوطنية وعدم إثارة أي موضوع طائفي. وإما أن نفضح ما يحدث موجهين أقصى طاقاتنا لوقفه ومعاجلة جرح بات عميقا جدا ، قد يأخذ علاجه سنينا طويلة. وأنا من أنصار الخيار الثاني .. فلا ذنب لـ ( سنّة) حمص واللاذقية أن يذبحو بأيادي شبيحة الأسد الطائفية، ولا ذنب أيضا لشرفاء العلويين أن يصنفوا مع هؤلاء القتلة … نحن اليوم أرقام مهمة في أعقد معادلة بشرية في القرن الواحد والعشرين ، ولا يجب علينا أن نسكت عن الخطأ حتى لو كلفتنا الحقيقة أرواحنا .. علينا جميعا أن نؤمن بسوريتنا قبل أي انتماء وأن نعمل وفق هذا الانتماء (ووفقه فقط ) في هذه المرحلة الخطيرة.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend