جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

كوارث الشرق … حكام ومعارضة – بقلم رسطام التمو

تأتي كوارث الشرق الأوسط السياسية من خارج الحدود ، وتتم عن سابق إرادة وتصميم، حيث تعمل مجموعات من دول عظمى على إعداد الخطط اللازمة لمعظم الدول الشرقية في أماكن مغلقة وسرية، ومن ثم توزع الخطط الاستعمارية على هذه الدول بهدف تحقيق مصالحهم الآنية والمستقبلية من جهة ، وبهدف إبقاء هذه الدول متخلفة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا من جهة أخرى ، معتمدين في التنفيذ على الأنظمة الحاكمة التابعة لهم شكلا ومضموننا .
لقد عانت معظم بلدان الشرق من الاستعمار القديم المباشر ، واستطاعت هذه الشعوب إن تحصل على ما سمي بالاستقلال ، ولكن سرعان ما إن عاد المستعمر عن طريق أعوانه من أبناء المنطقة بالذات ، واخذ يفرض أجندته بصور وأشكال جديدة ، وتحت مسميات عديدة منها السلم العالمي ، وسيادة الدول ، وحقوق الإنسان ، والديمقراطية ، والتوازن الدولي والإقليمي . واستفادت الدول الكبرى من الحرب الباردة سنوات طويلة ، وبعد ذلك ابتكرت عدو وهمي افتراضي تحت مسميات عديدة ومن أهمها ما سمي بالقاعدة أو التطرف أو الإرهاب ، وقد اعد لهذا العدو ، التابع لهم ، إعدادا جيدا ، حيث يساعدهم على تحقيق أهدافهم التالية :
1- استمرار التحكم باللعبة السياسية الداخلية والخارجية لهذه الدول .
2- منع قيام أي ديمقراطية أو مدنية أو تداول سلمي وسلس للسلطة .
3- استمرار السيطرة على منابع النفط والثروات الباطنية .
4- فرض خطط طويلة الأجل من اجل عرقلة النهوض الاقتصادي والاجتماعي ، وإبقاء المنطقة تحت خيمة التخلف .
5- زرع بؤر توتر دائمة في المنطقة لتبرير التدخل العسكري عند اللزوم .
وتنفيذا لهذه الأجندات فرضت الدول الكبرى أنظمة شمولية لا أخلاقية على شعوب المنطقة حتى يتسنى لها تحقيق اكبر قدر ممكن من مصالحها ، واستمرار سيطرتها الاقتصادية و السياسية على معظم دول الشرق ، وهي غير مهتمة على الإطلاق بما لحق من أذى لهذه الشعوب خلال السنوات الطويلة من حكم المجانين والمعتوهين والكذابين و الساديين .
من جملة المصاعب التي نعاني منها مع الدول الكبرى ، هي مسألة اختيار الحاكم ، والسؤال الهام هو ما هي معايير هذا الاختيار ، وهل تلك الدول مستعدة لتغيير معاييرها القديمة ، أم لا وما هي القدرات التي يجب إن تتوافر في الحاكم حتى يكون مقبولا عند تلك الدول ، الداعية إعلاميا إلى التحرر والديمقراطية .
اعتقد إن اغلب ما نسمعه من كلام منمق على لسان الدبلوماسيين الغربيين ، ما هو إلا فقاعات إعلامية ، ومهرجانات خطابية غير مجدية ، وموجهة في الغالب للرأي العام في تلك الدول وليس لنا ، لأننا بدون أهمية في نظر هؤلاء ، وبقائنا هو كعدمه ، وحقوق الإنسان ليس لشعوب الشرق الأوسط ، فهذه الشعوب وجدت لتعمل من اجل مصالحهم ، وتموت من اجل سياساتهم فقط ، لتبقى الرفاهية والحضارة وحقوق الإنسان لشعوبهم فقط .
أما لجهة أبناء المنطقة المعنيين بها أكثر من غيرهم ، وخاصة المعارضون السياسيون والطبقة المثقفة ، اللذين ينتقدون تلك السياسات السيئة ، ويدعون للعمل من اجل الحرية والكرامة والديمقراطية ، ماذا فعلوا على مدار سنوات طويلة ، وماذا يفعلون الآن ، في ظل الربيع العربي الذي اخرج المنطقة من السبات العميق الذي كانت فيه .
من أهم الكوارث التي نعاني منها هي إن تلك الأنظمة الدكتاتورية ذات السياسات المشوهة ، قد نجحت إلى حد بعيد في تشويه فكر وسلوك معظم رجالات السياسة والثقافة ، وزرعت بداخل كل واحد منهم ديكتاتور صغير سرعان ما يظهر إلى السطح ، عندما يجلس المعارض على كرسي الحكم ، فيبدأ بإظهار إبداعاته التي اكتسبها من الحاكم المستبد ، لا بل إن عمله كمعارض في الشأن السياسي ، مكنه من فهم كل فنون النفاق السياسي والكذب والخداع ، ليمارس بدوره سطوته وإشباع رغباته المشوهة بامتلاك السلطة والمال .
الحقيقة إن التربية الخلقية والمعرفية السليمة للإنسان قد تؤدي إلى شخصية تحترم نفسها أولا وتحترم الآخرين ثانيا ، وتلتزم بكل الأنظمة واللوائح والقوانين ، إلا إن هذا الشكل من الشخصية يبدو طوبا ويا في الشرق المنكوب حكاما ومعارضة ، لأننا نتعرض دائما إلى ذات المشكلة القديمة الجديدة المتمثلة بخلط الأوراق ، وزيادة حدة التناقضات بين مكونات المعارضة وأيضا تبعثر رجالات السياسة ، وارتباط معظمهم مع أكثر من جهة متسلطة محلية أو إقليمية أو دولية بشكل يخدم مصلحتهم الفردية وليس مصلحة الوطن أو القضية التي يناضلون من اجلها ضاربين عرض الحائط مطالب وإرادة الشعوب .
وهنا يقتنص المتحكمين بالسياسة الدولية الفرصة ليكثروا من الحديث عن البديل ، وكأن قدرنا دائما إن يكون البديل السياسي فردا مشوها يقبل بكل أملاءاتهم وينفذ أجنداتهم دون إعطاء أي أهمية لحاجات ومطالب الشعوب ، وذلك يفرض تحديا جديا لكل من يدعي المعارضة الحقيقية المبنية على أسس سليمة لخدمة قضايا ومطالب الشعوب بالتحرر والكرامة والديمقراطية لتشكيل قوة سياسية واضحة المعالم والأهداف ، وتخدم معظم أطياف المجتمع وتصب في مصلحة الوطن العليا .
وهنا تجدر الإشارة إلى بعض التشوهات والأمراض المزمنة التي زرعت بداخل معظم السياسيين في الدول التي خضعت عقود من الزمن لحكم الاستبداد والقهر ، وأهمها :
1= إن الأنظمة الشمولية سمحت بظهور المعارضة الشكلية فقط ، لتكون اللعبة السياسية بين الطرفين متفق عليها مسبقا ، دون تحقيق أي مطالب شعبية أو قومية أو وطنية ، وإبقاء المعارضة في دائرة الشعارات والخطابات الغير فعالة على الساحة الوطنية والاجتماعية وهذا افقد المعارضة المصنعة محليا كل مقومات المصداقية و الشعبية ، حتى أصبح الحزب الواحد ، مجموعة أحزاب ، والجماعة عدة جماعات ، وبات مكون معظمها بضعة أشخاص سبب ارتباطهم الوحيد هو المصلحة الشخصية فقط لا غير ، وبرامجهم السياسية وبياناتهم لا تختلف عن بعضها البعض من حيث المضمون والهدف ، وإنما تختلف من حيث الشكل فقط
2= إن الأنظمة الدكتاتورية والشمولية تحرص اشد الحرص على مراقبة شعوبها بالمجهر لتمنع كل مخالف لتوجهاتها وسياساتها من الحركة إما بالتجميد أو الإقصاء أو التهجير أو الاعتقال أو الاغتيال ، مهما تكن صفة ذلك المواطن ، سواء كان شخصا عاديا أو اعتباريا .
3= لقد نجح النظام الدكتاتوري والشمولي في زرع كل المفاهيم والأساليب الخبيثة التي يتبعها في الحكم من نفاق سياسي وعقل مؤامراتي وأنانية مفرطة ، بداخل معظم شخوص المعارضة مما جعلها قبيحة من الداخل ، ومزينة بشعارات وهمية وكاذبة من الخارج .
لقد عاش معظم المعارضين السياسيين عقود من الزمن في ظل هذه الأنظمة الشمولية لذلك انقسموا إلى فئتين :
الأولى : اختار غالبية المعارضين السياسيين نهج التعايش السلمي مع النظام الاستبدادي والقبول بدور شكلي لا يتعدى الحصول على اسم معارض فقط ، واستمروا دون أن يتعرضوا للمضايقة أو الاعتقال أو حتى للفصل من الوظائف العامة ، بل على العكس تماما ، كانوا يحظون بكل أشكال الدعم المعنوي والمادي من مختلف أجهزة النظام .
لذلك من الغباء المطلق الاعتقاد إن هؤلاء معارضة ، وإنما هم جزء لا يتجزأ من النظام الدكتاتوري ، ولن يستطيعوا إن يكونوا غير ذلك ، وممارساتهم السياسية في ظل النظام أو أثناء رحيله أو بعد رحيله خير دليل على ذلك .
الثانية : التزم البعض من أطياف المعارضة بالخطاب السياسي الجاد والمعبر عن طموحات الشعب ، لذلك تعرض معظم شخوص هذه الفئة إلى النفي أو الاعتقال أو الاغتيال ، مثلما حدث مع القائد الشهيد مشعل التمو ، والمؤسف إن معظم القوى الإقليمية أو الدولية لا تحبذ وصول هؤلاء لمركز القرار السياسي بعد سقوط الدكتاتور ، وأعتقد إن سبب ترددهم هو اعتيادهم على التعامل مع الشخصيات الحاكمة الهزيلة والمشوهة فكرا وسلوكا ، والتي تحقق لهم مطالبهم ومصالحهم دون الخوض في عناء التفاوض أو الإقناع أو التعامل بالمثل .
هذا لجهة المعارضة التي ترعرعت في الداخل ، أما المعارضة التي برزت في الخارج وتلقت العلوم والمعرفة في احد الدول المتحضرة ، ومارست العمل المهني أو السياسي في تلك الدول وخضعت لحكم القانون ، ولمست الحرية والعدالة والمساواة ، ورأت إن المواطن هناك يحترم الأنظمة والقوانين ، وان الكل سواسية أمام القانون .
هذه المعارضة تثير الاستغراب والاشمئزاز أحيانا ، لأنه من المفترض إن يتأثر الواحد منهم بتلك المجتمعات المتحضرة المتميزة بإنكار الذات واحترام الجماعة والانصياع الكامل للقوانين والمتميزة بان ممارسة العمل السياسي والتصدي للمواقع السياسية أو الإدارية مسؤولية كبيرة تحتاج إلى الكفاءة والجدية والنزاهة .

المثير للقلق إن معظم هؤلاء المعارضين غيروا كل عاداتهم الشرقية الشكلية ماعدا تعطشهم للسلطة والجاه ، وهذا يناقض الدراسات العلمية التي تؤكد على إن الطبيعة البشرية تؤثر وتتأثر بمحيطها ، لكنني اعتقد إن معظم الشرقيين استثناء من تلك الفرضية العلمية .
وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يحدث في الحالة السورية حيث برز المئات من المعارضين السياسيين بعد اندلاع الثورة السورية ، رغم بعد البعض منهم عن السياسة خلال حكم الاستبداد وباتوا يتسابقون من اجل حجز الكراسي في الدولة القادمة دون أي إحساس بما يحدث بالداخل وحجم الضريبة التي يدفعها الشعب السوري للخلاص من النظام القائم ، ودون أن يدركوا حجم المسؤولية التي تقع على عاتق الجميع احتراما للدم السوري على الأقل ، والمؤسف إن معظمهم جاهل في السياسة وأساليبها والياتها ، لذلك لم نجد إلا عدد قليل منهم ، يتحدث كسياسي ودبلوماسي يعرف معنى الكلمة التي ينطق بها ، أما الباقي يركضون وراء الإعلام للظهور والشهرة فقط ، ولا يهمهم مصلحة الشعب السوري أبدا .
وتستمر الكارثة حيث يخالف هؤلاء الاتفاقات والأنظمة واللوائح التي يوقعون عليها ، أي أنهم لا يحترمون كلمتهم وتوقيعهم ، أي ثقافة وعلم تعلموا في الدول الغربية ، إلا يخجلوا من طلابهم إذا كانوا مدرسين في جامعة ، وإلا يخجلوا من أولادهم وذويهم ، وإلا يخجلوا من الشعب الطيب الذي يقدم أغلى ما عنده للخلاص من النظام الاستبدادي ، ما المشكلة لو اعتبر كل واحد من المعارضين إن العمل السياسي هو أيضا علم بحد ذاته ، وهو أيضا مجرد عمل يبدأ بأجل وينتهي بأجل ، ومن غير الجائز امتلاك القيادة إلى الأبد ، وإلا ما الفارق بينهم وبين الدكتاتور الذي يحاول الشعب إزالته من كرسي الحكم .
لماذا يقبل رئيس اكبر دولة بالعالم بالتخلي عن الكرسي والابتعاد عن السياسة بمجرد انتهاء ولايته ، بينما يسعى السياسي في الشرق للالتصاق بالكرسي ، وهو مستعد لبيع وطنه وشعبه لا بل وإرسال أكثر من نصفهم إلى الجحيم من اجل بقائه في السلطة ، لماذا هذا الجوع الكبير تجاه الاستبداد والظلم .
بات المتنورين في منطقتنا يدركون جيدا ، أن العمل السياسي مهمة وطنية يجب أن يفضي إلى نتائج ملموسة على الأرض لمصلحة الوطن والشعب مثلما يحدث في الدول المتحضرة ، وليس للمصلحة الشخصية البحتة كما هو حاصل عندنا .
يبقى الأمل في الشعوب العظيمة التي انقلبت على هذه الدكتاتوريات العفنة ، أن تحقق الحرية والكرامة ، وان تنجز التغيير الديمقراطي في المنطقة ، وكلنا أمل إن تجرف في طريقها المعارضين ذوي المنشأ الفاسد ، سواء كانوا صنيعة الدكتاتور البائد أو صنيعة الدول الخارجية وان تثبت للخارج مهما تكن صفته وسطوته وقوته إننا شعوب حية ولسنا قاصرين لتفرضوا علينا المشوهين خلقيا وسياسيا ؟
18/3/2012
المحامي : رسطام التمو

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend