جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

الاضطرابات في سوريا تبدد الثقة والمدخرات

عمان (رويترز) – في أزقة السوق القديمة في دمشق تلقى تاجر عملة مكالمة هاتفية من عميل يساوره القلق يريد تحويل مدخراته بالليرة السورية التي تتهاوى قيمتها سريعا.

يسأل المتصل قبل أن يبيع مدخراته من العملة السورية بسعر يقترب من المستوى المنخفض القياسي الذي سجلته بعد عام من الاضطرابات السياسية والاقتصادية “هل حقا وصل سعر الدولار الى 95 ليرة اليوم؟..”

وتسارع انخفاض الليرة السورية الاسبوع الماضي اذ تراجعت الى نحو نصف قيمتها المسجلة في 15 مارس اذار من العام الماضي عندما كانت تبلغ 48 ليرة للدولار قبل أن تتفجر الاحتجاجات ضد حكم الرئيس بشار الاسد ما دفع الاسعار للارتفاع وفاقم صعوبات الحياة أمام 23 مليون سوري.

ويحظر في كثير من الاحيان على الصحفيين الاجانب دخول سوريا لكن دوائر الاعمال التي جرى الاتصال بها من الاردن المجاور وصفوا لرويترز المشكلات اليومية التي يواجهونها في سبيل مواصلة أعمالهم.

ومع استمرار الازمة يقول السوريون ان الدولارات أصبحت أشد ندرة من أي وقت مضى اذ يحاول الناس حماية مدخراتهم من الانهيار.

يقول وائل دبور التاجر في الشركة المتحدة للصرافة بدمشق “لو ان هناك عشرة زبائن يطلبون دولارات من تاجر عملة… ينتهي به الامر وهو يقدم المبلغ المطلوب لزبون واحد فقط.”

يقول محام في شركة استشارات قانونية كبيرة ان كثيرا من أبناء الطبقة المتوسطة حولوا بالفعل مدخراتهم الى عملات أجنبية وهربوها للخارج الى بنوك في الاردن ولبنان المجاورتين.

وأضاف المحامي الذي يدير شركة في قلب حي السبع بحرات التجاري بدمشق “حول السوريون الاثرياء معظم دخلهم الى دولارات وينفقون من تحويل الدولارات الى ليرات سورية.”

لكن ملايين من السوريين الفقراء الذين لا يمتلكون مدخرات تقيهم شر الازمة الاقتصادية يعانون أكثر من ذي قبل لتوفير احتياجاتهم لان انخفاض الليرة يرفع تكلفة السلع المستوردة. وانخفض الراتب الشهري البالغ 15 ألف ليرة -وهو متوسط رواتب صغار الموظفين في القطاعين العام والخاص- عند تحويله الى الدولار من أكثر من 300 دولار الى 150 دولارا تقريبا.

وقال سلامة علي الذي يستورد البلاستيك ويمتلك مصنعا توقف عن العمل في مدينة حمص “الطبقة العاملة… في وضع سيء للغاية. تاكلت القوة الشرائية لليرة.”

ويقول مصرفيون ان البنك المركزي السوري يحجم عن مواصلة التدخل القوي لدعم الليرة الذي يعتقد أنه قام به في الاشهر الثمانية الاولى من الانتفاضة لانه يحاول وقف نزيف احتياطياته الاجنبية التي كانت تقدر بنحو 17 مليار دولار قبل اندلاع الاحتجاجات.

وقال دبلوماسي زار العاصمة السورية في الفترة الاخيرة ان كبار المسؤولين يناقشون فكرة اصدار فئات جديدة من أوراق النقد بالرغم أنه من غير الواضح كيف يمكن أن يحد هذا من تراجع العملة السورية.

وساهم الغموض في اضعاف الثقة في الليرة وفي النظام المصرفي مما دفع المزيد من السوريين للجوء الى ممارسات تعود للازمنة القديمة من اكتناز المال تحت الوسائد أو البلاط.

ويقول مصرفيون ان الاضطرابات أدت أيضا الى ارتفاع معدلات التأخر في سداد القروض الشخصية.

ويرفع محامون الاف الدعاوى ضد مواطنين حاولوا استغلال الاضطرابات والتهرب من السداد أو تعثروا في الدفع بسبب شظف العيش أو خسائر التجارة.

وقال مصرفي من دمشق “لدينا الكثير من عملاء البنك يقولون ‘لماذا ندفع مقابل شيء قيمته 150 دولارا اليوم وستكون 100 دولار في غضون بضعة أشهر..’.”

وأضاف “اليوم تبلغ ديوني عشرة ملايين ليرة سورية ولدي ثلاثة الاف دولار في البنك. لن أسدد.. سأنتظر حتى تساوي هذه الثلاثة الاف دولار العشرة ملايين ليرة ثم أسدد القرض.”

وهناك اخرون لا يستطيعون سداد ديونهم ومن بينهم شركات السياحة الاكثر تضررا بانهيار السياحة المصدر المهم للعملة الاجنبية في سوريا.

وبينما توقف كثير من السوريين عن سداد الديون امتنع اخرون عن دفع الضرائب أو فواتير المرافق لاسيما في المناطق المضطربة مما ضاعف الضغوط على ماليات الدولة الشحيحة أصلا بسبب الدعم الضخم للوقود وبعض السلع الاساسية.

وفي المناطق الريفية التي تقع في قلب الانتفاضة عرقل التوقف الشامل للنشاط الاقتصادي تدفق البضائع. ويقول سكان ان المتاريس التي أقامها الجيش وقصف البلدات والحصار الطويل للمناطق المضطربة أصاب النشاط الاقتصادي بالشلل.

يقول حسام حوري صاحب متجر في بلدة الحراك في جنوب سوريا وهي مسرح لاشتباكات متكررة بين المحتجين وقوات الامن “دمرت أسباب رزقنا. أعيش على مدخراتي القليلة وبعد عام من وقف الحال لم يعد لدي الا القليل من الدخل للانفاق على أسرتي المكونة من سبعة أفراد.”

يقول يحيى البحرة صاحب مصنع نسيج في حلب ان الاضطرابات عزلت أجزاء من المدينة الشمالية مترامية الاطراف عن أسواق في المناطق الريفية المجاورة.

ويضيف “الان ليس هناك حركة. اذا أردت حتى أن أبرم صفقة في البلدات الريفية فهذا مستحيل … بسبب المخاطر الامنية ونقاط التفتيش الكثيرة. البنوك لا تعمل الا في المدن الكبيرة وتوقفت تقريبا في المناطق الريفية.”

ويقول رجال أعمال ان طول أمد الصراع قد يجلب كارثة اقتصادية شاملة لكنهم يعتقدون أن البلاد يمكن أن تصمد في الوقت الحالي.

وقال نبيل سكر الاقتصادي البارز الذي عمل مع البنك الدولي “يحجم المستثمرون عن الاستثمار والكثير من المشروعات توقفت. ينتظر الناس ليروا أين هم ذاهبون… لكنني لا أتوقع انهيارا اقتصاديا في المستقبل القريب.”

ولم يخسر الجميع جراء الازمة. فقد اشترى رجل الاعمال علاء الشلاح (49 عاما) شقة في حي الميدان بوسط دمشق قبل أسابيع قليلة بعد أن جعل انهيار الليرة السعر المطلوب في متناول يده.

وقال الشلاح وهو أب لستة انتقلوا للعيش في الشقة الجديدة “أردت أن اشتري الشقة قبل الازمة لكن مبلغ 15 مليون ليرة الذي طلبه المالك كان مرتفعا جدا بالنسبة لي وقتها. الان مع انخفاض قيمة الليرة أصبح بمقدوري دفعه.”

ويقول سماسرة عقارات ان الاسعار انهارت في المناطق المضطربة مثل حمص بوسط البلاد ودرعا التي كانت يوما بلدة حدودية مزدهرة في جنوب سوريا.

وعلى النقيض ظلت الاسعار متينة في أجزاء من حلب والاحياء الراقية في دمشق بل ارتفعت لتمحو أثر انحفاض العملة المحلية الا أن الصفقات قليلة في الاونة الاخيرة.

يقول رجل أعمال “العقارات التي يعرضها أصحابها المتعثرون بأسعار جذابة هي فقط التي تشهد حركة لكنها قليلة ومتباعدة.”

وقال جمال جليلاتي الذي يمتلك متجرا صغيرا للاثاث في حلب أكبر مدن سوريا والمركز التجاري في البلاد “بالنسبة للاغنياء الذين بوسعهم شراء العقارات والابقاء عليها هذا هو أفضل استثمار لان الجميع يتوقعون طفرة في الاسكان بعد انتهاء الازمة.”

ويقول متعاملون ان بعض المستثمرين الذين كانوا يتداولون في بورصة دمشق الوليدة -التي انخفضت قيمة التداول اليومي بها الى عشرة ملايين ليرة من 35 مليونا قبل عام- حولوا اهتمامهم الى المضاربة في العملة.

يقول المستثمر حسين فيصل “بعد أن رأى المستثمرون أن بمقدورهم تحقيق عائد يفوق 200 بالمئة في غضون أيام قليلة في سوق العملة هجروا البورصة.”

واستفاد أيضا بعض رجال الاعمال من بيع مخزونات قديمة استوردوها بأسعار صرف أقل مما أثار اتهامات بالتربح ضد طبقة رجال الاعمال التي تعلمت قبل فترة طويلة كيف تصمد في الشدائد.

ويقول اخرون انه لا يزال بوسعهم الحصول على البضائع التي يحتاجونها من الخارج بالرغم من النقص الناجم عن الاضطرابات والعقوبات الغربية وارتفاع التكاليف.

وقال تاجر دمشقي موسر “على الاقل في دمشق لا يزال رجال الاعمال يحصلون على ما يريدون”. وأضاف أن البضائع قد تستغرق وقتا أطول حتى تصل وانه تعين عليه مواءمة أوضاعه المالية “لكن ليس هناك منتج كنت أحصل عليه العام الماضي ولا يمكنني الحصول عليه الان… نعم هي أغلى لكن لا تزال متاحة.”

من سليمان الخالدي

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend