جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

عيني على سوريا ، وقلبي على الثورة – عبد العزيز المشوح

يبدو أن ليل سوريا طويل ، وأن شتاءها صقيع ، وأن تيارات من الرياح الموسمية تدور حولها ، وأن عواصف وأعاصير تهدد كيانها ، وتفرّق جمعها فعلى : – الصعيد السياسي : انخفضت حدة التصريحات الأوربية والأمريكية ، والعربية أيضاً ، عداكَ عن التركية التي لا يقف “ترمومترها” عن التذبذب بين الارتفاع والانخفاض ، على خلاف الموقف الروسي والصيني والذي بقي منافحاً عن النظام ، ثابتاً على موقفه يحذر من أي عمل عسكري ضده . عدا عن كلام متناثر هو من باب ذرّ الرماد في العيون يطالب سوريا بوقف العمل العسكري والدعوة إلى الحوار .. ولعلّ كلام الرئيس الأمريكي يلخّص ذلك عندما كان يخاطب “الايباك” . ( الوضع في سوريا ليس سهلاً ، وهو أكثر تعقيداً ولا يمكن القيام بعمل عسكري بصورة أحادية ، وبدون موافقة مجلس الأمن ) . حتى البيت الأبيض من خلال الناطقة باسمه كان يقول : ” نفضّل الحل السياسي على الحل العسكري في سوريا ” . وكل هذا كان رداً على العاصفة التي أثارها السناتور الأمريكي “ماكين” الذي دعا إلى ضربات جويّة ضد مواقع محددة في سورية . وكما قال أحد المحللين السياسيين : “أمريكا تدعو إلى تسوية ، تعيد انتاج النظام بشكل جديد بخروج بشار وتشكيل مجلس من تسعة أشخاص يقود الحكم لفترة انتقالية ” يرافق كل ذلك حركة سياسية نشيطة تبدأ بلقاء وزير الخارجية الروسي مع وزراء دول الخليج التي تأجلت ، وكان يتبعها اجتماع الوزير نفسه بالسفراء العرب في القاهرة .. يتبع هذا ما أعلن عن زيارة مندوب صيني خلال أسبوعين ، وقبل ذلك استقبلت دمشق مندوب روسي وآخر صيني ، أضف إليهما زيارة مندوبة الإغاثة الأممية لبحث المساعدات الإنسانية . ولعلّ آخر المطاف .. المبعوث الدولي “كوفي عنان” الذي صرّح في القاهرة بأنه : “يحذّر من تزايد عسكرة الثورة” .. كل هذه الحركة الدؤوب ، والنشاط الغريب جاء بعد أن اجتمع الرئيس الفرنسي ساركوزي باللوبي الصهيوني في فرنسا ، وبعد أن اجتمع الرئيس الأمريكي أوباما “بالايباك” ، “المنظمة الصهيونية الأمريكية” ، ولقاءه باراك، في واشنطن ، ولتظهر تصريحات على ألسنة بعض المسؤولين الاسرائيليين عن رضاهم عن الحكم في سورية ، وأنّ تغييره يعني مجيء القاعدة و”الاسلاميين” إلى الحكم ، وهذا يشكل قلقاً لهم ، لا بل حتى الأتراك الذين ترتفع حدة تصريحاهم عندما يرون مجازر النظام ، وتزايد أعداد اللاجئين على حدودهم ، ثم تخفّ عندما يشعرون بتحرك العلويين أو الأكراد الذين يدفهم النظام بالقيام ببعض التفجيرات أو الاعمال الانتقامية . حتى العرب الذين كانوا يطالبون بتدخل دولي أو تسليح الجيش الحر جاء من يهمس في أذنهم أن ذلك خطرٌ عليهم وعلى المنطقة وتحولت المطالبة إلى إيقاف القتال من الجانبين ، وفتح ممرات آمنة للمساعدات ، والمطالبة بدخول الصليب الدولي لمعالجة الجرحى والمصابين . ماذا يجري في المنطقة ؟! ولماذا يدفع الشعب السوري الثمن غالياً من قتل وتشريد وهدم للبيوت ، ومنع للماء والكهرباء والغذاء ؟! – يبدو أن الجميع يحسبها بحذر ، فاسرائيل ما زالت لم تعط الضوء الأخضر ، فحدودها آمنة خلال ما يقارب نصف قرن والحكم له امتداداته المتجذرّة من إيران إلى العراق إلى لبنان – أضف لما يتقوى به من موقف روسيا والصين واللتين تبحثان على مصالحهما في المنطقة ، وتصطدمان بسياسية النفوذ مع أمريكا وأوروبا .. فسوريا موطئ قدم لهما في البحر المتوسط بعد أن زال نفوذهما في ليبيا. – أضف إلى ذلك أن القادم غير مضمون ولا معروف .. كلها عوامل تصوغ الموقف الدولي ، والشعب السوري يحترق وتذهب صرخاته أدراج الرياح ، ولكنها إن ضاعت في هذا الواد فسيأتي اليوم الذي تذهب فيه بالأوتاد . هذا على الصعيد السياسي .. أما – على الصعيد الداخلي والعسكري : فموقف روسيا والصين وإيران أعطى النظام زخماً من القوة .. فازدادت شراسته ، ونشر جيشه وشبيحته ، وأخذت دباباته تجوب البلاد طولاً وعرضا ، تقتل وتشرّد وتهدم البيوت على ساكنيها وتقذفهم بحمم من الصواريخ والمدفعية _ فكانت مجازر حمص وخاصة باباعمرو والانشاءات _ التي صرحت مندوبة الأمم المتحدة أنها رأت بلداً مدمراً بالكامل وأنه شي مروع ومخيف ، وتساءلت عن حال أهلها وأين ذهبوا ؟!! ولقد تكررت المجازر في حماة ، إدلب ، دير الزور ، وريف دمشق .. لا بل إن عوائل بكاملها أبيدت عن بكرة أبيها ، والأفظع من ذلك مقتل الأطفال ، وقد نقلت لنا الفضائيات والانترنت مشاهد تعتصر القلب ، وتفتت الكبد إن كان في القلب إسلامٌ وإيمان ! مما حدا بمجموعات الجيش الحر على الدفاع عن بعض المناطق ، وتكاثر هذه المجموعات التي ربما انضوى إليها بعض الشباب الثائر والمتحمّس والذي عانى الكثير من ظلم هذا النظام وجبروته . وبعد ذلك يأتي النظام ليتهم العصابات المسلحة والقاعدة وغيرها ! .. وكأن هؤلاء يملكون ما يملك النظام من أسلحة فتّاكة ، وراجمات صواريخ وطائرات هولكيبتر ، تستطيع أن تدمر الأبنية على رؤوس ساكنيها ، حتى أن الروس يتهمون المعارضة أنها أدخلت خمسة ألف عشر مقاتل للقيام بهذه الأعمال ، ونسوا أن هذا الرقم هو عدد الحرس الثوري الذي دخل من إيران ، عدا عن أعداد من جيش المهدي وحزب الله . ويتخوّف الساسّة الدوليون ، بل حتى المقرّبون يقولون ذلك ويحتجون به لعدم مدّ المعارضة والجيش الحر بالسلاح ، ونسوا ما تقدّمه روسيا وإيران وبشكل علني من بواخر عابرة للبحار تفرغ شحناتها من الأسلحة المتنوّعة وحتى الأسلحة البيولوجية والكيمياوية .. وان الحرب الأهلية لا بل الطائفية قائمة ، فالنظام يقتل على الهوية ويقيم المجازر لعشرات الجنود ولعوائل كاملة بنسائها وأطفالها ، هذا ما ظهر للإعلام وما خفي أعظم وأكبر . لا بل أن القرى العلوية التي تؤيد النظام تهاجم القرى السنية وقد أفرغت عدة قرى في ريف حماة مقدمة لمشروع الدولة النصيرية التي يخطط لهاالنظام منذ أمد بعيد ، وهو الآن يرتب مناطق الساحل ويجهزها بجميع الخدمات الانسانية والعسكرية ، تهيئة لدولته المزعومة إذا ضاقت به الأمور ، ثم يأتي من يحذر من تسليح الجيش الحر وتقويته دفاعا عن أهله وإخوانه الذين يتعرضون للتشريد والقتل والاغتصاب أيضا ! ومع ذلك فالثورة قائمة ، والنصر قادم ، والجيش الحر بكل أصنافه يستعد للدفاع عن الأنفس والأعراض والممتلكات . ولعل إحدى اللافتات التي يحملها المتظاهرون تلخص هذه القوة المعنوية ، والأنفة والعزة فتقول : ” ثورتنا كالصلاة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالشهادة ” .. – على الصعيد الإنساني والمعيشي : . فالنظام يستعمل كل وسائل الابادة البطيئة والسريعة فكما استعمل القصف المدفعي والصاروخي وهدّم المنازل والأبنية ، فإنه يقطع الكهرباء والماء ، ويشرّد العوائل بصغارها ونسائها ، في الحقول والبساتين بدون غطاء ولا كساء ، ويدخل البيوت فينثر المؤن والطعام . ويعطل الأدوات الكهربائية ، حتى أن الناس الذين شردوا من حمص وغيرها ، ولجأوا إلى مناطق بعيدة نبّه النظام أهل هذه المناطق بعدم استقبالهم أو إيوائهم . وهو يحتال على الصليب الأحمر ، وعلى منظمات الإغاثة الدولية فيماطل ويسوّف حتى ينظف الأمكنة ويرتب البيوت التي خربت ثم يُسكن فيها عوائل من الطائفة ، لتأتي بعدها منظمات حقوق الانسان ، فتعطي هذه المعونات لهؤلاء القتلة الغادرين المتسلطين بحجة أنهم أصحاب المنازل وسكانها . أما المستشفيات فحدّث ولا حرج ، فقد خُرِّبت ودمّرت وعطّلت أجهزتها ، وفقد الدواء منها .. بل أُخذ الجرحى إلى جهات مجهولة ويقال أنهم قتلوا أو أحرقوا .. والله هو العليم بحالهم ! وحدّث ولا حرج عن فقد الوقود ( المازوت ) .. بل أخذ الأغطية ( البطانيات ) حتى لا يشعروا بشيء من الدفء والراحة ، بل طاردهم النظام عندما هربوا بعوائلهم على الحدود .. فقتل من قتل واعتقل من اعتقل ، هذه الأعمال ليست في حمص أو باباعمرو فقط ، فهي على امتداد ساحة الوطن في جميع المدن والأرياف ، يصول النظام ويجول ويبطش ثم يأتي بعد ذلك من ينادي بالحوار وعدم تسيلح الجيش الحر !! ولقد قدّرت المندوبة الأممية للإغاثة بأن هناك مليون ونصف يحتاجون إلى الاغاثة العاجلة ، وأنه لا بد من ممرات آمنة لذلك .. فهل يا ترى ستصل هذه الاعانات ، وسيسمح النظام بهذه الممرات وهل ستصل إلى مستحقيها ، إننا في شك من ذلك وسنجد من التسويف ، والكذب وتمثيل الأدوار ، ما يصبح هذا الأمر من الصعوبة بمكان .. الشعب السوري قرر عدم العودة عن مطالبه إلا برحيل هذا النظام وزبانيته فالمظاهرات مستمرة والجيش الحر تزاداد كتائبه وقوته وسيدعم بالسلاح _ولو ما يكسبه من عدوّه _ وسيتحول إلى حرب عصابات رغم كل ما يقوم به النظام من حملة شرسة و وحشية لا تفرّق بين صغير وكبير وامرأة ورجل وطفل وشيخ .. وهو يعتقل الآن بالآلاف ويقتل كل يوم المئات من أبناء هذا البلد الصابر المحتسب . فإما حياةٌ تسرُّ الصديق .. وإما مماتٌ يغيظ العدا .. وأبناء الوطن في الخارج رغم اختلاف آرائهم فإن الهدف واحد والتوجه واحد والوطن واحد .. ” والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ” ..

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend