جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

سوريا وإيران وإسرائيل والحلف الخفي

تكثر الدعاية الإعلامية وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين هذه الأيام عن الاستعداد لضربة عسكرية ضد إيران.. ويركز الرئيس الأميركي باراك أوباما على خلافه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول هذه الخطوة.

والسؤال الذي يطرح نفسه بهذا الشأن: لماذا الآن؟ برنامج طهران النووي ليس جديدا، منذ أعوام والعالم يتحدث عنه، دخلت إيران محادثات ماراثونية مع الدول الغربية للتوصل إلى تسوية حوله، دخل مراقبو الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الأراضي الإيرانية أكثر من مرة وفتشوا المواقع، واختلفت تصريحات المفتشين والمراقبين حول عدم قدرة طهران على صنع قنبلة نووية في الوقت الراهن، بل إننا سمعنا منذ شهور تأكيدات باستحالة قدرة إيران على إنتاج سلاح نووي قبل ست سنوات على الأقل.

طهران أعلنت استعدادها مجددا في الرابع عشر من فبراير/شباط الماضي الدخول في مباحثات جديدة مع الدول الكبرى، ولا يختلف هذا العرض عن عروض أخرى سبقته وتمت الاستجابة لها، ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يتكلم وفقا للخط السياسي على رغم أنه بدأ بالحديث عن نشاطات مشبوهة في موقع عسكري إيراني إلا أنه استمر في الدعوة إلى الإبقاء على الحلول الدبلوماسية، فما الذي اختلف الآن حتى تصعد إسرائيل من لهجتها حيال برنامج إيران النووي وترفع الصوت عن نيتها خوض الحرب ضد إيران بقرار مستقل حتى لو لم توافق واشنطن؟

ما حدث هو أن الثورة السورية استمرت في زخمها وقوتها سنة رغم القمع والقتل والتنكيل والتشريد الذي فاق كل الحدود وعجزت الكلمات عن وصفه، ولم تنفع المهل الطويلة والصبورة التي منحها العالم كله لنظام الأسد كي تقضي على انتفاضة شعب لم يعد يرضى بغير حريته بديلا عن الحياة. وهذا النظام الذي كشف كل أوراقه القذرة منذ تصريح رامي مخلوف لصحيفة نيويورك تايمز بأن أمن إسرائيل من أمن سوريا أثبت بأدلة دامغة تعاونه مع العدو الإسرائيلي خصوصا وأن تحركات قواته العسكرية في محيط محافظة درعا كان يتطلب موافقة من إسرائيل بناء على اتفاقية الهدنة والمناطق العازلة التي تبعت حرب 1973.

حاولت إسرائيل بكل قوتها ولوبياتها في دول العالم أن تضغط على المسؤولين الغربيين كي يتهاونوا ويماطلوا ويؤخروا تحركاتهم ضد نظام الأسد، فتارة يصرحون بأن لا نية لدى أحد منهم تكرار سيناريو ليبيا أو التدخل العسكري في سوريا، وتارة أخرى يتحججون بعدم توحد المعارضة رغم أن أمرا كهذا لم يوقفهم عن التدخل في العراق أو في أفغانستان أو حتى في ليبيا، ومرة يلقون باللوم على فيتو روسيا والصين كي يتهربوا من مسؤولياتهم الدولية بحماية شعب أعزل يواجه أعتى الآلات العسكرية وأشرسها. لكن بعد أن بلغ السيل الزبى وتمادى نظام الأسد في وحشيته وانتشرت أخبار ممارساته بكل اللغات وفي أصقاع الأرض لم يعد ممكنا لمن يدعون حماية حقوق الإنسان أن يلتزموا الصمت أكثر من ذلك، خصوصا بعد فضيحة استهداف الإعلاميين الغربيين في حي بابا عمرو في حمص، ولو أن جميع الصحفيين قتلوا في ذاك القصف لكان ممكنا المماطلة أكثر، لكن أبطال الجيش الحر وبتضحياتهم بأرواحهم تمكنوا من تهريب أحياء قالوا شهاداتهم عما يجري، وانتشرت أقوال الصحفي البريطاني بول كونروي الذي وصف ما يحدث في سوريا بأنه مجزرة وكشف الحقيقة عارية.

ما الذي بقي من وسائل لإنقاذ الأسد؟ حليفته إسرائيل، تقوم بضربة عسكرية أشبه بالتمثيلية ضد إيران فتلفت أنظار العالم والإعلام عن سوريا إلى إيران، وهو حدث سيكون كبيرا لأي جهاز إعلامي، وتترك المجال أمام النظام السوري كي يتصرف كما يحلو له على الأرض ويكمل مهمته. ضربة إسرائيل في إيران لن تستطيع شل قدراتها العسكرية ولن توقف مساعداتها للأسد وستكون فرصة لحشد الرأي العام الإسلامي والعربي بحكم العداوة التاريخية لإسرائيل مع مواقف إيران وبأنها دولة الممانعة والمقاومة الوحيدة ضد الدولة العبرية التي تسعى لتهويد القدس، وستكون فرصة كذلك للأسد أمام مؤيديه كي يعزز روايته بالمؤامرة الكونية ضده وضد مقاومته المزعومة فتزداد قوته الداخلية.

وإذا لم تفلح واشنطن ورئيسها المتردد بإثناء نتنياهو عن عزمه واشتعل فتيل الأزمة أكثر لن يكون بمقدورنا إلا أن نتوجه بالدعاء إلى الله تعالى بأن يرد كيد الكائدين إلى نحورهم وينقذ الشعب السوري الذي يقف العالم أجمع في وجهه من هذه المذابح التي تقطع أوصاله.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend