جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

ما حدا أحسن من حدا – بقلم ماري تيريز كرياكي

ما حدا أحسن من حدا

جاءالباص المزين بكل أنواع الورود البلاستيكية، وصور الممثلات والممثلين، والشناشل، وبضعة أقوال مأثورة. تسابقنا للصعود فيه  الكل يريد الجلوس قرب النافذة ليتمتع بالهواء ، فالجو حار وهذا طبيعي في شهر آب.

إنه وقت الذهاب إلى حقل الرماية . كنا عادة نذهب مرتين في السنة لنتعلم الرماية، وكذلك كنا نتعلم كيفية فك البندقية الفرنسية 36 وتركيبها، ومن ثم نتمرن على الرماية على ما يسمى بالدريئة، وهي عبارة عن لوحة بيضاء تتوسطها دائرة سوداء، وعلينا محاولة إصابتها، ولكل واحدة منا خمس رصاصات .

يتهادى الباص الذي يحملنا ويتمايل على الطرقات المحفرة لدرجة كنا نشعر بأي حصوة تأتي تحت دواليبه.  كانت رحلة الذهاب إلى حقل الرماية من أجمل الساعات التي كنا نعيشها، وكأننا ذاهبات إلى سيران.  قام الضباط عقب وصولنا بتوزيعنا إلى مجموعات، يرأس كل مجموعة ضابط ليحاضر فيها .  ولم تكد الساعة تصل إلى الحادية عشرة حتى ساد جو من القلق.  همهمات بين الضباط ومشاورات وارتباك.  فهمنا بعدها، أن زواراً على درجة كبيرة من الأهمية قادمون لزيارتنا ، وعلينا الانتظار .

وصل موكب الوفد الرئاسي، عشر سيارات سوداء يتقدمها رجال شرطة المراسم بدراجتهم النارية ولباسهم الجميل .  وقف الموكب ونزل الوفد .  تحلقنا حول السيارات وكانت دهشتنا كبيرة، فالوفد مكّون من النساء الآسيويات الجميلاتا لصغيرات الحجم، يرتدين نفس اللباس، فستان طويل بشقين على الجوانب وتحته بنطال من الحرير .

كنا في السابعة عشرة من العمر، وقد نسينا الفساتين والملابس الأخرى، إذ أننا كنا نلبس اللباس العسكري الموحد منذ كنا في أولى أعدادي .  لباس خاكي مكوّن من  بنطال وقميص وكرافة وجاكيت طويل .  كنا نلبس هذا الزي العسكري في المنزل والمدرسة والمشاوير والسينما، وكل مكان .  ليلا ونهار.  كنت أضع كل مساء بنطالي بعد ترتيبه تحت الفراش لكي يحافظ على رونقه وكأنه مكوي . سنوات طويلة وأنا وزميلاتي نلبس  الزي العسكري نفسه.  تأقلمنا مع ذلك الزي لدرجة أننا كنا نعتبر كل نوع من أنواع من التبرج ما هو إلا محاولة للتشبه بالبرجوازيات.  لذا بدت لنا سيدات الوفد وكأنهن قد قدمن من القمر، ولشدة جمالهن تمنينا لو نقوم بوضعهن كلعب في خزائن من الزجاج للتمتع برؤيتهن.

لكن ماأثار استغرابنا ،هو أن هؤلاء السيدات قادمات من فيتنام ، هذا البلد الذي ارتبط بأذهاننا بالنضال ضد أعتى أنواع الاستعمار وأقساها ، وأيضا هن من المناضلات اللواتي لم يتركن سلاحهن إلا بعد أن استقل بلدهن . وتعاملنا مع كل أنواع الأسلحة وخبرنها ، من البندقية، ومرورا بالدبابة، ووصولاً إلى الأربيجي الخ.

في هذه الأثناء، كان هناك حلقة نقاش حاد تدور ما بين النقيب والضباط والمدربات، يتشاورون على ما يبدو في شيء مهم ، لم يطل الأمر عندما سمعنا صوت النقيب صارخا:  انتباه ..! استرح..!

 يا بنات اليوم كما شاهدتن يزورنا وفد من الرفيقات المناضلات القادمات من فيتنام . هؤلاء السيدات الرائعات قدمن إلى هنا للاضطلاع على تجربة المرأة السورية وطرق إعدادها لمواجهة العدو، أياً كان هذا العدو.  ونحن هنا في تجمعنا هذا علينا القيام بإعطائهم صورة مشرفة عن المرأة السورية التي تشارك الرجل في كل مراحل النضال.  ألا تردن ذلك؟ أريد سماع الرد، ألا تردن ذلك؟  ورددنا بصوت عال:  نعم.

قال الضابط :  المطلوب منكن التركيز والالتزام بالأوامر، والآن سنقوم باختيار بعض منكن، لتقمن بعرض أمام ضيفاتنا الكريمات لاستعمال الأسلحة التي سنوزعها عليكن.  واختيرت الفتيات ووزعن إلى مجموعات، أيضا كل مجموعة يرأسها ضابط ليشرح لها كيف سيستعملن السلاح الذي سيوزع عليهن.

مجموعة تقوم بالرماية بالأربيجي، ومجموعة ثانية تقوم بالرماية بالرشاش الكلاشينكوف الخ.  وكنت ممن وقع عليهن الاختيار باستعمال الأربيجي.

قال ضابط مجموعة الكلاشينكوف، هذا هو الكلاشينكوف ، صحيح قد تجدونه كبيراً ومعقداَ، إلا أنه لايختلف كثيرا عن البندقية الفرنسية 36، كل هذه الآلات لها نفس المبدأ، علينا إمساكه بقوة والتصويب تماما كما كنا نفعل بالبندقية باتجاه  الدريئة وبكل بساطة إطلاق النار، بسيطة وواضحة، أليس كذلك يا بنات؟  قالت البنات:  نعم.

صوبت الفتاة الأولى على الدريئة بدقة، ووضعت يدها على الزناد وأطلقت، ولم تتمكن من التوقف إذ من خوفها وعصبيتها جمد اصبعها على الزناد، وتتابعت الطلقات رشاً، ويدي الفتاة تتأرجح ذات اليمين وذات الشمال  وإلى أعلى وإلى أسفل .  وصار الصراخ يتعالى، صراخ الفتاة من الخوف، وصراخ الضابط الذي كان يأمرها بإيقاف الضغط على الزناد، وأخيرا  تمكنت الفتاة من التوقف، وأخذ الضابط الكلاشينكوف وهو يشتم النساء والذي يقوم بتعليمهن، شاكرا الله على أن الوفد لا يتقن العربية ليفهم ما يدور بيننا.

جاء دوري، نادى الضابط وقال:  تقدمي وركزي على كلامي، الأربيجي فيه طلقة واحدة، وهو ليس كالكلاشينكوف، يعني ليس هناك خوف من أن يحصل معك ما حصل مع زميلتك.  اركعي على ركبة واحدة، وثبتيه على كتفك، وأمسكيه بقوة شديدة، وركزي نظرك على مجسم الدبابة أمامك، قلت: أين هو المجسم؟  فصرخ الضابط قائلا:  أمامك على سفح الجبل، ولم أتمكن من رؤيته بوضوح فقد كنت أعاني من قصر النظر ولم أكن أعرف، ولكني لم أتجرأ على قول أي شيء آخر، فالضابط في أقصى حالاته العصبية، وربما كلمة مني يمكن أن تجعله ينفجر .   صوبت بالاتجاه الذي أشار الضابط إليه، وأطلقت، وألم شديد انتابني ، لم أعرف ما أصابني، ولم أكن أعلم أن رد الفعل قوي وأن هناك أمتار من النار صدرت عن هذه الآلة الرهيبة   وبدأت بالبكاء والصراخ من الألم ، تقدم الضابط مني ونهرني بحيث جمد الدم في عروقي .

وتوقف العرض بعدي، فقد خاف الضباط من حصول كارثة ، واكتفوا بذلك.  ركبنا الباصات وعدنا إلى بيوتنا، وكلنا في حالة صدمة لما جرى .

فتحت أمي باب البيت، وشاهدتني بحالة يرثى لها، عيوني حمراء من البكاء، وتساعدني صديقاتي في السير.  جنت أمي من الخوف، وسألت ماذا حصل، لم أتمكن من قول أي كلمة وإنما أشرت إلى كتفي ، نزعت أمي ملابسي لترى كتفي ، وراعها لون الجلد الأزرق ، أخذتني على الفور إلى المشفى ، حيث تبين أن هناك خلع في الكتف ، وجرت عملية شده المروعة وإعادته إلى مكانه .

اتفقت أمي وأمهات صديقاتي على الذهاب في اليوم الثاني إلى المدرسة ليتقدمن بشكوى في الإدارة.  وذهبت صديقاتي بصحبة أمهاتهن أيضاً ، وتحدثت أمي إلى المديرة مبدية استغرابها وامتعاضها، إذ كيف تزج الفتيات في هكذا عمل كان من الممكن أن يؤدي إلى مقتل شخص ما، ولم تتوقف إلا بعد ما قالت كل ما لديها، تعاضدها أمهات الفتيات الأخريات.

لم تعد المديرة تتحمل صراخ الأمهات، وما لبثت أن بدأت بتلقينهن درس في الوطنية وفي الإخلاص للوطن وكيف ترخص الأرواح في سبيله ، وبعد ذلك أضافة ، ماذا تردن ؟ أنننفضح أمام الرفيقات المناضلات الفيتناميات ؟ أن نقول أن نساءنا لا يستطعن الدفاع عن الوطن ؟  بصراحة ما حزرتوا ، وما في حدا أحسن من حدا.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend