جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

مجتمع القطيع – بقلم ماري تيريز كرياكي

قمت بكتابة أجزاء من هذا المقال في شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2006 وذلك في توصيف لحالة الاستبداد وثقافة القطيع التي تدور في مجتمعاتنا الأم والتي نقلناها معنا إلى بلاد الغربة. وما أشبه اليوم بالأمس حيث عانينا كنساء عموماً في هذه المجتمعات نتيجة تفردنا في رؤية المشاكل التي نتعرض لها وطريقة حلها. وواقع النساء العربيات في النمسا ليس بأفضل مما هو عليه الحال في العالم العربي فقد عانينا وما زلنا من كل أنواع الضغط والقمع اللذان يتراوحان ما بين التهديد والترغيب، التهديد بالتكفير أو بالعمالة والترهيب باستعمال العنف اللفظي أو المادي. ولائحة الأسماء طويلة أولها أنجيل بلوخ، ماري تيريز كرياكي، نادية عيلبوني، د. إشراقة مصطفى، سعاد شتادلر، ماري عطيه، د. منال أبو العلا وأخيرا كوثر سلام، وأن متأكدة أنها لن تكون الأخيرة، لكن ما حصل مع زميلتنا كوثر مؤخرا يدعو للعجب والاستغراب، فهذه السيدة التي تقدم الخدمات المجانية في مجال الإعلام، والتي تدعى لتقوم بتغطية كافة الأحداث الثقافية والاجتماعية والسياسية للجاليات العربية وأيضا للسفارات، وآخرها قيامها بتغطية الأمسية الثقافية التي جرت في المركز الثقافي المصري الذي قام باستضافة السيدان سعد هجرس والشاعر سيد حجاب، لم تحصل على تأشيرة دخول إلى مصر لحضور مؤتمر دعيت له من قبل الأمم المتحدة، ولم تعرف الأسباب، هل لأنها قامت بتغطية الأحداث الأخيرة في القاهرة أو لأن من يحاول أن يصفى حساباته معها لعدم رضاه عما كانت تكتبه وهي الصحافية التي لا تقبل أن تكتب إلا ما تقتنع به وتعتقد أنه حق.

أعيد وأكرر ما قلته سابقا في توصيف حالنا: تدور بعض مجتمعاتنا في حلقات من القمع والاستبداد لا تنتهي، فالسلطة تقمع الشعب، والشعب يمارسها فيما بينه وفقاً للطبقة والعرق والجنس واللون والعمر، فالأعلى في المراتب الوظيفية يقمع الأقل منه رتبة، والعرق الأبيض يقمع الأسود، والرجال يقمعون النساء، والغالبية الدينية تقمع الأقليات الدينية الأخرى، والمتقدمون في السن يقمعون من هم أصغر سناً، أي بمعنى أبسط السلطة تقمع الشعب، والرجل يقمع المرأة، والمرأة تقمع الأطفال، والأطفال يقمعون الحيوانات وهكذا في دوائر مغلقة.

وقد وصَّف عبد الرحمن الكواكبي استبداد الحكومات في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد” قائلاً : “الاستبداد صفة للحكومة المطلقة العنان، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء، بلا خشية حساب ولا عقاب، ويقولون إن المستبدين من السياسيين يبنون استبدادهم على أساس من هذا القبيل أيضاً، لأنهم يسترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي، ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلونهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم، كأنما خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط ….” .

ويولِّد الاستبداد حالة من القهر المستمر نتجة للقمع الممارس يومياً مما يضطر الإنسان إلى الانضمام أو الالتحاق بأي تكتُّل أو تجمُّع محاولة لإيجاد نوع من الحماية يقابلها تعزيز الانتماء لكتلة ما لها مفاهيمها في التعامل وطرقها في شتى مناحي الحياة مكرساً مفهوم القطيع. ويشارك هذا الإنسان القطيع أساليب عيشه بشكل بدائي، ويعبر عن آراءه بشكل غير عقلاني، ويتبنى أفكار المجموعة التي ينتمي إليها دون التمعن بها أو دراستها. ويبتعد بذلك عن منهج الفردية خوفاً من المواجهة أو من الاصطدام مع مجتمع القطيع.

والمجتمعات غير الديمقراطية هي من أفرز مفهوم القطيع أو ثقافته، على عكس المجتمعات الديمقراطية حيث تبرز الفردية والتي هي نتاج لحقوق الإنسان وأساساً لها. وتستخدم هذه المجتمعات عصا الدين أو عصا الوطنية أو القومية لتأديب القطيع.

وبمرور الزمن تشكل هذه الممارسات في مجتمعاتها حالة من السلبية، وتدفعها لقبول هذا الواقع أي أنها تروضها لتكتفي بالقليل، ولا تثور إلا بعضها على بعض، وتخاف بعضها من بعض في نفس الوقت، وخصوصاً الخوف من أن تُوجَّه لها تهمة الاستجابة إلى بعض حالات التمرد أو حتى التعاطف مع القائمين بها مما يضطر هؤلاء الناس إلى الابتعاد درءاً للتهم التي قد توجه لهم من المشاركة أو التأييد لهذه الحركات.

وكل خروج عن الخطاب السائد في مجتمعات القطيع هو نوع من الهرطقة، لأن هذه المجتمعات تعتبر أن الحقائق حكراً على شريحة أو طبقة معينة، وخروج الفرد عن رأيها يؤدي إلى ولادته من جديد، مما يؤسس لحالة تراكمية من المعايير النوعية قوامها التجربة المدعومة بالقانون وليس الأحاسيس الغريزية. ويعود الخارج عن هذه المجتمعات إلى اعتماد ما قاله ديكارت: “بأنه لن يقبل أي بديهية أو مسلمة إلا بعد التجربة”.

ومجتمعنا العربي في النمسا ليس بعيداً عما أوردناه سابقاً، حيث يدور الجميع في دوامة القطيع، وكل من تسول له نفسه بالاستقلال برأيه، أو حتى بطرح رأي مخالف عليه بالتالي تحمل تبعات ما سيجري له. فهو محكوم إما بالكفر والزندقة أو بالعمالة لأحد الجهات الأجنبية، ويبدأ هذا الفرد بالدفاع عن نفسه، وتبدد الطاقات في نقاشات عقيمة تعيق حركته وتدفعه بالتالي إما إلى التقوقع على الذات والانغلاق أو إلى العودة تائباً إلى حظيرة القطيع.

وتزيد الطامة حين تكون المتفردة بالرأي امرأة، وهنا يبحث القيّمون على سير الأمور في الجالية عن نقاط الضعف لديها، وتبدأ كل أنواع الضغوط لتطويعها، والغريب أن تصدر هذه الضغوط عن ما يسمى باليسار السياسي أو اليسار الوسط إضافة لموقف ما يسمى باليمين السياسي، وينطبق القول في وصف حال المرأة العربية في هذه المجتمعات مع: “لا مع جدي بخير … ولا مع ستي بخير … واحترنا يا قرعة من وين بدنا نبوسك”

سؤال أخير هل يا ترى علينا كنساء الانتفاض أيضا للمطالبة بحقوقنا ، والدعوة إلى تضامن جميع النساء لمساندة بعضا البعض!. نرجو أن تكون هذه المرحلة انتقالية ويغيير الربيع العربي هذا الواقع.

ماري تيريز كرياكي

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend