جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

اللعب مع الكبار – تحليل فهد ابراهيم باشا

قال مندوب روسيا في الأمم المتحدة قبل التصويت على مشروع القرار المغربي المؤيّد لتبني المبادرة العربية بتأييد أوروبي أنّ نتيجة التصويت على القرار سوف تكون مهزلة. تساءل العديد من المراقبين ماذا يعني معاليه بذلك. لم تتأخر الإجابة كثيراً، شهد العالم فيتو مضاعف جديد من روسيا- والصين بعد أن كان الاعتقاد السائد لدى الجميع أنّ الصين تراجعت عن قطع الميل الأخير في دعم النظام السوري وأنها عادت إلى الحظيرة العالمية أو على الأقل الوقوف على الحياد حفاظاً على مصالحها في العالم العربي.

ماذا يعني هذا الفيتو في اسبوع الذكرى السوداء لمجزرة الثمانينات في حماه؟ هل أنّ روسيا والصين قررتا معاداة الشعب السوري على الرغم من يقينهما بأن انتصار الشعوب هو أمر حتمي في النهاية؟ أم ثمة أسباب أخرى دفعتهما إلى ذلك…؟

الجواب بسيط وهو أنّ النظام السوري والشعب السوري يقعان في آخر اهتمامات الدول “العظمى”. الحقيقة تكمن في أنّ سوريا دخلت في لعبة الكبار وتجاذباتهم في الصراع العالمي على النفوذ في مرحلة مفصلية من التاريخ تشابه المرحلة التاريخية التي شهدها العالم في بداية القرن العشرين وما اكتنفها من صراعات أممية وتنافس الكبار آنذاك على رسم خريطة العالم للقرن العشرين بعد بروز الدعوات العرقية-الفاشية وإدراك الكبار قرب بداية عصر الذهب الأسود وعلمهم بمناطق مخزوناته الاحتياطية ومنابعه المتوقعة.

واليوم يتصارع العالم من جديد ويتنافس على تقاسم النفوذ ويتجاذب الكبار ويتصارعوا لرسم خريطة القرن الأول من الألفية الجديدة بعد أن شهد العالم في العقد الأخير من الألفية الثانية تبدلات وتغيرات جذرية قلبت موازين القوى العالمية. لقد اندحرت ايديولوجيات سياسية سقط من أجلها الملايين من الضحايا في صراعات سياسية محلية وعالمية وأممية لم تستثني بلداً أو قارة في التاريخ الحديث. لقد شهد عالمنا في العقود الثلاثة الأخيرة سقوط الاتحاد السوفياتي الهرم وما تبع ذلك من تداعي سياسية غيّرت التوازن العالمي الذي عقب الحرب العالمية الثانية وأنهى الحرب الباردة بسقوط أحد قطبيها والأنظمة التي كانت تدور في فلكه. غير أنّ العالم فشل حتى الآن وبعد مضي ثلاثين سنة من إيجاد نظاماً بديلاً متوازناً يقود العالم في خلال القرن القادم الذي مازال قرناً نفطياً بامتياز. تعقدت الأمور بسبب فشل الولايات المتحدة الأميريكية وحيدة أو بتحالفها مع أوروبا الجديدة الوليدة في توفير نظام عالمي جديد يرقى إلى مستوى التغييرات الجيوسياسية التي طرأت على العالم من أقصاه إلى أقصاه.

فبالرغم من بروز قوى عالمية جديدة على الساحة الدولية كالصين والهند والبرازيل وفنزويلا على سبيل المثال لا الحصر، فشلت الولايات المتحدة من إدراك أنّ العالم قد تغيّر وأنّ هذه القوى الجديدة لا بدّ من أن يكون لها مصالح عالمية تمتد إلى ما وراء البحار. حاولت الولايات المتحدة السيطرة على العالم وخلق عالم جديد نكون هي قطبه الأوحد وتعاملت وفقاً لذلك حتى مع أقرب أصدقاءها “أوروبا” وابتكرت مفهوم العولمة وتقاطع المصالح على أن تكون مصلحتها هي في الطليعة دون غيرها. كان لأمريكا ما أرادت في المرحلة الأولى في غياب وجود أيّ قوة عالمية أخرى قادرة على منافستها على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. غير أنّ الرياح لم تجري كما أرادتها أمريكا..! فشهد العالم سياسات هذه الدولة العظمى تسجّل الفشل تلو الآخر في كل ما أعلنته من أهداف وسوقته من مبادئ.

فشلت أمريكا عسكرياً في حربها ضد الارهاب وها هي الآن تنسحب عسكرياً خطوة خطوة من العراق وأفغانستان وباكستان تجرّ ذيول الخيبة  في عالم بات أقل أماناً ولمصلحة قوى أصولية وارهابية وفاشية أمست أكثر تنظيماً وقوة (القاعدة وطالبان وحلفائهما ومن يدور في فلكهما من ناحية وكوريا الشمالية وإيران من ناحية أخرى). امتدت قوى الارهاب لتشمل قارات ودول العالم كافة بخلايا فاعلة وأخرى نائمة قادرة على تهديد أمن العالم والانقضاض عليه في أيّ وقت، ناهيك عن امتلاك الدول المارقة للسلاح النووي وما يكتنف ذلك من تهديدات اقليمية وعالمية.

فشلت أمريكا وحلفائها اقتصادياً فتوالت الأزمات الاقتصادية الأوروبية والأميريكية وتوسعت لتصبح أزمة عالمية كبرى تعاني منها جميع الدول في الوقت الراهن. في الوقت نفسه، ومن مهازل القدر نرى المارد الصيني خرج من قمقمه ليصبح المنقذ شبه الوحيد لاقتصاد غرمائه التقليديين على مدى قرون. فبإمكان الصين اليوم أن تقرر مصير أمريكا الاقتصادي وتدفعها إلى الافلاس بمجرد بيعها لسندات الخزانة الأميريكية التي تملكها. وبالتوازي فهي تتدخل لإنقاذ اقتصاد أوروبا بشراء سندات الخزينة الأوروبية والاستثمار في قطاعيها المصرفي والصناعي.

فشلت أمريكا سياسياً، فروجت لديموقراطية أمست نموذجاً لطائفية سياسية قذرة في العراق، ونادت بحقوق الانسان قكانت أول من انتهكها  في أبو غريب وغواتنامو وسجون سريّة أخرى لم تتوان على إنشاءها في دول أخرى كرومانيا وغيرها من الدول المارقة. عبثت أمريكا في مستقبل شعوب العالم وتمادت في تطبيق المعايير المزدوجة والمناداة بما لاتفعله هي وتنتهكه أو تصمت عليه يومياً من انتهاكات وجرائم اسرائيلية وعنصرية في فلسطين وباكستان وأفغانستان وإفريقيا…

سجلت أمريكا وبالتالي الغرب فشلاً ثلاثياً مؤكداً أفقدها مصداقيتها وانعكس يأساً على شعوب العالم التي أيقنت أنّ من تصدّر قيادة العالم يفتقر إلى الأخلاق والحكمة والعدل أو على الأقل يصيغ تلك المعايير وفقاً لأهوائه ومصالحه. خسرت أمريكا ماء وجهها ولم تعد قادرة على انتقاد الظلم والطغيان بعد أن كانت السباقة في استخدام الفيتو على مدى عقود طويلة ضدّ عدد لا يحصى من القرارات الأممية لتترك المجال مفتوحاً لإسرائيل لكي تقتل البشر، وتستوطن الأرض وتسرقها وتدمرها، وتشوه المجتمعات، وتغير البنى الاجتماعية والتاريخية للأوطان، وتسرق مقدرات الشعب العربي الفلسطيني وترهن مستقبل أبناءه. كيف يمكن لمجرم متمرس أن يعير غيره من المجرمين، بأي وجه ستخاطب أمريكا روسيا والصين وهما اللتين صمتتا على فيتوهاتها السابقة وشاركوا في السكوت عن جرائمها وانتهاكاتها.

وفاجأ العرب العالم بربيع ثوراته، وانطلقت الحناجر العربية السلمية لتسقط عروش أقسى الطغاة وأحقرهم. وامتدت صحوة العرب لتشمل فصول السنة بكاملها معلنة بصرخة حضارية مدوية بأنّ الزمن قد تغيّر وأن المارد العربي الفتي قد خرج من مصباحه ليضئ مستقبل أجياله القادمة ويشارك في نماء الحضارة العالمية. كان أول دروس الثورات ما لقنه شعبا تونس ومصر للعالم من آداب الثورات وأخلاقها، تبعه الليبيون بدروس في الوعي والتنظيم والشجاعة والبأس، وحتى اليمن انتفضت من جنوبها إلى شمالها لتقدم للعالم دروساً في كيفية حشد الجماهير رجالاً ونساءً واستدامة تلك الحشود حتى ادراك النصر مهما كانت التضحيات.  أمّا سوريا فكانت كما عهدناها منارة الثورات فقدمت قرابينها من الأطفال والنساء في مسيرا ت حضارية سلمية تفوقت فيها بامتياز أمام بطش وقتل وفتك غير مسبوق من مافيات الحكم المجرم وميليشياته المتوحشة المدججة بالسلاح.

اليوم يشهد العالم ولادة جديدة، لوطن عربي جديد من المحيط إلى الخليج. اليوم تشهد الشعوب العربية تغيّراً جذرياً في مسؤولياتها من شعوب تابعة، مقموعة، مطأطأة الرأس، ومذلولة إلى شعوب شامخة، قوية، مقررة لمصيرها ومشاركة في بناء الحضارة العالمية. اليوم يولد إنسان عربي جديد يصادق من يصادقه ويعادي من يعاديه ويعمل لبناء وطن يمتد من المحيط إلى الخليج ويساهم في نماء الحضارة العالمية.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend