الدكتور كمال اللبواني المناضل السوري المعارض في مقابلة خاصة للأيام

رأى الدكتور كمال اللبواني المعارض السوري المخضرم وأحد المنتمين إلى المجلس الوطني السوري المعارض أنّ المؤامرة

صورة كمال اللبواني

 الكونية التي يتحدث عنها النظام السوري ليست موجهة ضد بشار الأسد بل في حقيقة الأمر هي ضد حرية وإبداع الشعب السوري. وعبّر الدكتور لبواني عن أسفه لانفصال المطالب المتمثلة بمعاناة السوريين في الداخل وواقع التمثيل السياسي في الخارج، كما وصف نظام الأسد بأنه ضعيف لم يكن ليستمر لولا الدعم الروسي والإيراني. الدكتور اللبواني القادم من الزبداني تحدّث عن الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها الحالة المتردية في بلدته  الواقعة في الجهة الغربية من ريف دمشق.

الأيام: د. حضرتك تنتمي الى حزب التجمع الديمقراطي الليبرالي! هل بالامكان أن تقدّم للقرّاء فكرة عن هذا الحزب (التجمّع) وتوجهه وفلسفته وسياسته؟

نعم. التجمع الديمقراطي ليس حزباً، إنها فكرة راودتني في عام 2005 لتغطية فراغ في الحياة السياسية السورية كان سببه عدم وجود تيار أو حزب أو حركة ليبرالية بل كم هائل من الشمولية والاستبداد. لذلك فكّرنا أن نقدّم حراكاً ليبرالياً يعيد للثقافة اللببرالية وجودها. عملنا على هذا المشروع منذ عام 2005 ولكنه لم يكتمل ولم ينتج عنه أي مؤسسة لأنّ النظام حاصر المقر ومنع الاجتماع مما اضطرّنا إلى إيقاف العمل.  بعد ذلك سجنت وتمكن النظام من تدمير الخلايا الّتي كنّا قد جهّزناها لتكون مؤشرا لبداية انطلاقة ليبرالية في كل المدن السورية تعمل على زرع فكرة الليبرالية والتفكير الليبرالي في الحياة السياسية.

الأحزاب التي كانت موجودة على الساحة كالحزب الشيوعي، وحزب البعث والأحزاب الدينية والحزب الناصري كانت جميعها أحزاباً شمولية ليس بمقدورها انتاج الديمقراطية. وأنا رأيي أنّ الديمقراطية هي ناتج سياسي للفلسفة الليبرالية. من هنا كانت ضرورة انشاء تجمّع ليبرالي على أساس حزبي حديث ليس له نظام الحزب الإيديولوجي وإنما نظام الحزب المنفتح الذي يتمكن كل إنسان فيه أن يعبّر عن رأيه وذاته ويترك من دون أن يتقيد بنظام هذا الحزب.

الأيام: يعني حضرتك تقصد أنّ الفكر الليبرالي هو عكس الفكر الشمولي أليس كذلك؟

أنا اقصد “بالليبرالي” ذلك الذي يبدأ من الفرد وحريته. يعني بأنّ بناء الدولة والمجتمع يبدأ من الفرد ومن حرية الفرد. الأفكار الشمولية تبدأ من جمع من الأمة، أو من الطبقة. حق الفرد الشخصي في النظام الليبرالي ينبغي أن يكون مصوناّ ويبدأ ذلك من الدستور الذي يجب أن يحترم حقوق الحرية قبل أن يكون دستوراً على أساس أنّ الدستور هو عقد اجتماعي يتم بين متعاقدين أحرار. فالفلسفة الليبرالية تبدأ من المواطن السيد الحر المستقل القادر على اتخاذ قرار وليس من أيّ فكرة جماعية دينية قومية أو طبقية.

الأيام: د. كمال ثمة خلط عند العديد بين الليبرالية والإلحاد وكما قرأت في مدوناتك أنك تفخر بانتمائك الديني. هل يمكنك أن تفسر لنا العلاقة بين الليبرالية والدين؟

أنا أقول بأنّ الليبرالية لا تأخذ موقفاً من الدين بل تترك للإنسان حرية الضمير، تترك للإنسان حرية أن يكون متديناً او غير متدين. لا يوجد أي تناقض بين كونك متديّن وكونك ليبرالي هذا لا يتناقض مع ذاك. فالليبرالية لا تعني التحلّل من القيم والأخلاق، ومن الضروري أن نفرّق هنا بين الليبرالية والنيوليبرالية التي هي نزعة جديدة من أجل تخلي الرأسماليين عن التزاماتهم تجاه المجتمع. في الليبرالية، كل انسان له منظومة قيم قد تكون متعلقة بنص ديني أو فلسفي معيّن، أو لا تكون.

لدي مشروع كبير جداً آمل أن أنتقل به من حالة التديّن لإسلام هو تقريباً غير متصالح مع العصر إلى حالة اسلامية فيها نوع من التوافق بين القيم الليبيرالية الجديّة والإسلام.

لم أجد أيّ تناقض بين الإسلام والليبيرالية من حيث الجوهر أو التطبيق، بالعكس، ما رأيته هو امكانية انتاج اسلام يتوافق مع قيم ونمط حياة العصر. لكن هذا يحتاج الى عقل منفتح وثقة بالنفس لنعيد قراءة الدين الحنيف بعقل جديد لا يطور النص ولكن يطور فهمنا لهذا النص. فمدلول أيّ كلمة في القرآن يتغير بتغيير وعينا لهذه الكلمة. فإن تم تطوير عقلنا تطور مدلول الكلمة وبالتالي سيتطور فهمنا للنص. ومن هنا ندخل باب إعادة انتاج الإسلام، إسلام آخر يختلف كثيرا عن الإسلام التقليدي الذي تعود آخر صياغة له لـ 700 سنة مضت.

حاول الإخوان المسلمون تحديث الاسلام باستخدام العقل الرياضي في المسائل الاجتماعية والأدبية ونتج عن ذلك نوع من الإسلام الرياضياتي المتعصّب وهو ما نعاني منه اليوم. بالنسبة لتفسيرهم للاسلام فإنّ 1+1=2 مع أن النص القرآني هو مجازي، منفتح يقبل تعدّد القراءات واختلاف التفسيرات. وبرأيي أن الخطأ يكمن في عدم استخدام نهج عقلاني متجدّد.

لا اختلاف بين القيم الليبيرالية والإسلام  ودمشق ستكون بوابة لانفتاح ديني كبير بعد سقوط النظام. سوف نصنع من دمشق ورشة عمل لإعادة انتاج قيم إسلامية حديثة مختلفة وفي نفس الوقت أمينة للعقيدة.

الأيام: من قراءة سريعة لسيرتك الذاتية نرى أنك انتسبت للحزب الشيوعي جناح رياض الترك. إذا كان هذا الكلام صحيحاً كيف تفسر انطلاقك وتحولك من الشيوعية الى الليبيرالية والديمقراطية؟

لقد وعى جيلنا هزيمة الـ67 التي عنت العار والذل. عنت الكراهية للسلطة والتراث والذات. وتمردنا على كل شئ. رياض الترك كان رمزاً لذلك التمرد وكوننا كنا شبابا ناشئاً ذهبنا إليه لأنّ حزبه كان الحزب الأكثر معارضة للنظام في ذلك الحين. دام عملي معه أربعة سنوات وجدت نفسي بعدها غير قادر على الانسجام مع نفسي والبقاء أمينا لافكاري، لذا قمت بالإنسحاب من الحزب الشيوعي وكان هذا في أواخر الثمانينات قبل تعرض الحزب للقمع بفترة قصيرة. تعرفت في الحزب على الثقافة الشمولية، لذا عند انتقادي للفكر اليساري الماركسي الشمولي، انتقاد مبني عن معرفة عميقة وليس عن جهل أو خلفية مسبقة تكن الكراهية للفكر الشمولي. حاولت جاهداً أن اقتنع بهذا الفكر وبالتالي فقد فهمت هذا الفكر ونقدي له هو نقد جَدّي ينبع من التجربة. حاولت جاهدأ أن أكون ملحداً لكنني لم استطع، لقد كان إيماني أقوى وعاد إلى قلبي بشكل أكثر عقلانية الأمر الذي مكنني من تناول الموضوع الديني بجرأة أكبر، ليس لعدم احترامي للنص ولكن لامتلاكي الأدوات العقلية الكافية للقيام بمقارنة مختلفة لهذا النص.

عودتي للإسلام لم تكن بسبب كوني ولدت مسلماً. أنا مقتنع بأن الوصول إلى الله ليس قضية تعليم أو مطالعة أو قراءة. والإيمان بالنسبة لي أمر له علاقة بالتجربة المباشرة بينك وبين الله من الصعب أن تقول لأحدهم تعال لأعرفك على الله. أن ترى أفعال الله وأن تشعر بوجوده هذا هو الإيمان وهذا أمر لا نلمسه عند الإسلاميين. لم ألمس عندهم اتكالا حقيقيا على الله أو شعوراً بوجوده، كيف سأشعر بوجود الله وكيف سأعتمد عليه؟ عديد من الأسئلة لم تطرح من قبلهم نحن نتداول ماهو متعارف عليه ونفكر ونتكلم به بشكل سطحي. لا نتعمق بالشئ لأننا لا نجرؤ على التعمق بعكسه. الأضداد تعرف عن نفسها وآخر المعرفة النفي فإن لم تعرف لا تستطيع أن تنفي.

الأيام: د. كنت جزءاً هاماً من ربيع دمشق في فترة الألف الثانية وتبع ذلك تجربتك بالسجن لمدة ثلات سنوات. هلا حدثتنا عن ربيع دمشق، ماذا كنتم تأملون منه وكيف تحوّل. تجربة السجن؟

تاريخ الحركة الديموقراطيه يعود لعام 1978 عند إصدار بيان التجمع الوطني الديمقراطي والذي كان حزب رياض الترك جزءاً منه بالإضافة إلى نقابات المحامين والأطباء والمهندسين والنقابات العلمية. أصدروا مجتمعين بياناً لا يزال الى اليوم هو محور النضال السوري كإطلاق المساجين وإلغاء قانون الطوارئ وتعديل الدستور وإطلاق الحريات العامة. في عام 2000 و2001 طرح خطاب القسم ما أوحى بفرصة لتحقيق التغيير السلمي من الداخل، وأردنا استغلال الفرصة للمطالبة بالمطالب ذاتها التي يدعون اليوم بأنها مطالب محقة.

ربيع دمشق يختلف عما سبقه بأنه حركة مدنية غير حزبية وغير مؤدلجة طرحت قيم ومفاهيم غير شمولية. الأخوان والشيوعيون والقوميون كانو بعيدين عن الديمقراطية، وبدأوا بتعلمها من خلال مشاركاتهم فكان ربيع دمشق ولادة حقيقية للمؤسسة السياسية الديمقراطية.

شاركت في البداية من جملة ما شاركت بمنتدى رياض السيف للحوار الوطني وسجنت على هذا الأساس. واليوم بعد عشرة سنوات من تأسيس منتدى الحوار الوطني يتهمنا النظام بأننا لا نريد الحوار وهذا شئ مضحك. سجنت ثلاثة سنوات في سجن انفرادي وبعدها ستة سنوات في سجن عادي ثم يدّعون بأننا نحن من رفض الحوار، إذاً لماذا سجنّا؟ شكّلنا منتدى الحوار عام 2001 فحوكمنا بمحاكم أمن الدولة بتهمة رغبتنا في قلب النظام وخرق الدستور والتحريض على العصيان المسلح. اتهمنا بهذه التهم وحوكمت بمحكمة أمن الدولة وسجنت ثلاثة سنوات انفرادي على أثرها. تجربتنا مع النظام واضحة… النظام يكذب… لا يريد اصلاحاً وإن أراد فهو لا يستطيع.

منذا البداية حاولنا فضح كذب النظام. إن استطعنا فضحة بعشرة سجناء فالثمن بخس. أُمِرنا بتسكير المنتدى بآذار وقمنا باعادة فتحه في الأوّل من ايلول وسجنا على هذا الأساس. وعدونا بقانون أحزاب ولم ينفذو وعدهم. تصوّري أنهم وعدونا بقانون أحزاب منذ الشهر الخامس 2001.

الأيام: كيف كانت فترة السجن هل كان ثمة إساءات مشابهة لما يجري الآن أم انها كانت أقل بؤساً؟

في البداية في السجن كان هناك لؤم حقيقي، وتعرضنا إلى العديد من الاهانات. لم يكن هناك تعذيب كما يحدث الآن. رغم ذلك كان السجن قاسياً. كنا ممنوعين عن كل شيئ، لم نعلم بحادثة بن لادن إلّا بعد حدوثها بكثير. كنّا أرقاماً، منع الجميع من الحديث معنا، لم يسمح لنا بالخروج إلى باحات السجن الا بعد مرور ستة اشهر كانت خلالها الزيارات ممنوعة ولم تحدث الزيارة الأولى إلّا بعد إصرار الوفد الفرنسي على زيارتنا. الزنزانات كانت صغيرة الحجم ونتنة. سمح لنا بالحصول على سخّانات بعد جهد جهيد، ولم يسمح لنا بقراءة الكتب إلّا بعد الإضراب عن الطعام. تعرضنا لكافة أشكال الإهانات بغية إرهابنا، وتحطيمنا نفسياً، ولكننا لم نتعرض في السجن للضرب، تعرضنا له في السجون الجنائية أثناء التحقيق فقط. لم تكن الأمور قد وصلت إلى ماهي عليه من اللؤم والإجرام.

الأيام: ما الفرق الذي تجده بين المعارضة التي كانت موجودة قبل الثورة والمعارضة التي أفرزتها الثورة؟

إذا أردت أن أبدأ الحديث عن المعارضة أبدأ من العام 1963 حيث كنت في الصف الأول الابتدائي في مدرسة كان اسمها الصاحبة وكنا ننزل مظاهرات في أيلول نندد بنظام البعث وانقلاب 8 آذار، كانت دمشق خلال تلك الشهور الستة تحتج على وصول هذا النظام العسكري إلى الحكم، واستمرينا في العمل المعارض حتى أيام الجامعة عندما تعلمت شروط العمل السري فالحزب كان شمولياً وليس ديقراطياً، وقد اكتشفنا أخطاءه، وكنت أخدم الجيش في عام 1982 في حماة وشاهدت مشاهد مروعة إبان الحملة القاسية التي جرت ضد هذه المدينة، وبعد التغيير في أوروبا الشرقية وما حدث في رومانيا وألمانيا حاولنا التحرك كذلك واعتقل حينها نزار نيوف وأكثم نعيسة، ثم كان حراك ربيع دمشق المختلف عما سبق، وهي مراحل مختلفة بين معارضة سرية إلى معارضة أكثر تنظيما. أما المعارضة بعد الثورة فهي تعني 20 مليون إنسان، ودعوني أقول إنّ من يدّعون أنهم معارضة في الخارج هم أقل بكثير من هذه التسمية وهؤلاء أسمّيهم منتفعون من الثورة، ولا أستثني نفسي من ذلك، أراهم عالة على الثورة مني إلى جميع الأطياف في الخارج بما فيها المجلس الوطني والجميع أراهم يرفعون أنفسهم على حساب الدماء التي تسفك في الداخل، وما دفعني للخروج من الوطن هو هدفي بأن أحرك ثورة على الخارج، فهذه المعارضة طرحت عليها مهمات أكبر من حجمها.

الأيام: إذاً ماهو التصوّر الذي تتخيله لتمثيل الأهل في الداخل غير القادرين على مخاطبة الخارج والمجتع الدولي؟

كانت الثورة تنتج قياداتها في الخارج بشكل طبيعي فقطع هذا الطريق بتأسيس شيء اسمه المجلس الوطني بطريقة غير طبيعية وهو مجلس أرى أنه يستمع إلى السفارات ويأتمر بأمرها ولا يستمع لصوت الداخل.

الأيام: قلت إنّ المجلس الوطني لا وطني والثورة بطولية انبثقت من الشارع وقدمت التضحيات وكانت حضارية بكل معنى الكلمة، لم تكن ثورة جياع وإنما ثورة حرية، اليوم يوجد شرخ كبير بين ثورة الشارع وما يعانيه أهلنا وبين من يمثل الثورة علنياً وإعلامياً، وهم فعليا لا يمثلوها، فما مصير الثورة في هذه الحالة؟ أين الضوء في نهاية النفق؟

جرت محاولات عديدة لإيقاف الثورة من كل دول العالم الاوروبية والعربية وغيرها، الجميع يخاف من الشعب السوري الذكي والموهوب وقدرته على الإبداع والعطاء. لقد أذهلني الجيل الجديد واستعداده لما يمكن أن يقدمه، لم أقرأ في التاريخ عن حجم وشكل ثورة بهذا الشكل الجامع بين الحداثة والحرية والتاريخ وهو ما فاجأ العالم، أمّا المعارضة في الخارج فلا تزال تفكر في أمور لا تجسد ما يحدث على الأرض. لكن هذه الثورة التي تتسامى عن الأنانية والفردية قادرة على أن تمثل نفسها مقابل معارضة فرضت عليها بليل، ونحن مستنفرون كي نفضح كل من يريد أن يتسلق على هذه الثورة، وقد استطعت خلال وجودي في عمان أن أجعل الجيش الحر قضية وطنية تستحق الدعم، ولكن للأسف هناك من يحاول تحويل الجيش الحر إلى جيش حزبي محصور في مصالح فئات معينة وهو ما نحاول إيقافه.

الأيام: من خلال خبرتك الطويلة بالعمل السياسي في الداخل والخارج، كيف تعتقد أنّ النظام يُفكّر، ما هي برأيك نقاط ضعف النظام التي يجب أن تستكشف للعمل على تحريرها؟

النظام ضعيف جدا وهزيل لولا الدعم الدولي والاسرائيلي والروسي والايراني وحتى الأوروبي، هذا النظام لم يكن يستطيع أن يحكم البلد لولا دعم هائل توفر له، نظام مفتعل جيء به لتطويع الشعب السوري، كان هناك توافق غربي روسي عندما صدر قرار 242 على أساس أن يقبل الشعب بحكم النظام لتطبيق آليات تنفيذ قرار الأمم المتحدة ومن هذا المنطلق أخذ ضوءاً أخضراً ودعماً كي يستمر في الحكم. حتى عندما بدأت الثورة بدأت الضغوط علينا كي نفاوض النظام على أساس استمراره في الحكم كونه كما قالوا نظاما قوياً.

أخذوا يعملون على دفع المعارضة للحوار مع النظام ثم جاءت المبادرة العربية التي استمرّت 4 أشهر بينما الشعب السوري يذبح، حولوا القضية الى مجلس الأمن ولم يفعل شيئاً ثم الى الجمعية العامة وقرارها غير ملزم، وغدا أصدقاء سوريا سيجتمعون في تونس ليتخذوا قرارات ليس لها قيمة، الدعم التركي والعربي تارة قريب وتارة بعيد والمؤامرة مستمرة على الشعب السوري. أين نقاط قوة النظام؟ أنه يلعب على الوتر الطائفي، لسان حاله يقول إذا لم أستطع أن أحكم سوريا فسأقيم دولة علوية كي أنجو بنفسي، هذا مشروع إسرائيلي إيراني روسي وهو الحل النهائي كملاذ آمن لعصابات السلطة ولإرساء قاعدة عسكرية لروسيا وإيران وتحقيق مشروع إسرائيل لتقسيم المنطقة وإضعاف سوريا، إذاّ هو مشروع يتوافق عليه هؤلاء إن اتفقوا أو تعادوا لأنه مصلحة استراتيجية للجميع. النظام اليوم يعمل جديا على ضرب الشعب والجيش فهو يتمنى أن يفنى الشعب والجيش لأنه إذا أراد تنفيذ مشروعه الطائفي فسيقوضه وجود جيش قوي لهذا السبب فإن النظام يفكر في إنشاء بنية تحتية لبناء دولة على الساحل وهو يعمل عليها بسرعة وبإخلاص، توجد ورشات عمل كبيرة إيرانية وغيرها تبني مطارات وقواعد هناك،. كذلك يريد النظام تدمير كل القطعات العسكرية التي ليس لها صيغة طائفية فيزجها في مواجهة الشعب كي يضربوا بعضهم البعض، لا يريد أن يضع حداً لأزمة حمص لأنّ لديه رغبة في أن يسعر الصراع الطائفي فيها ويترك جرحها مفتوحاً. بالنسبة لأوروبا فهي تخشى من دولة سورية حرة لا تقف فيها الثورة عند دمشق بل تمتد إلى مناطق أخرى لهذا يودون إيقاف مدها وإن كان لها أن تنتصر فلتبقى ضعيفة، وقد سألت أحد السفراء بشكل مباشر: هل تبحثون عن سبب للتدخل العسكري أم عن عذر لعدم التدخل فأجاب بكل وضوح نحن لا نريد التدخل العسكري وإذا أردنا ذلك لا نستطيع، وإياكم أن تفكروا يوما أن أحدا منا سيتدخل لإسقاط النظام السوري، هذا الأمر يقع على عاتقكم وحدكم. عندها جابهتهم بحقيقة حق الشعب السوري في التسلح للدفاع عن نفسه وهو ما سرع في خطواتهم السياسية خوفا من أن يتحول السوريون إلى مسلحين لن تتمكن أي قيادة مهترئة يجهزونها من السيطرة عليه، وكل محاولاتهم الآن تتلخص في إيجاد قيادات تأتمر بأوامر جهات خارجية. ومشكلة المجلس الوطني أن فيه أعضاء ينتمون للدول التي يعيشون فيها ولا يعرفون شيئا عن سوريا ولا علاقة لهم بالداخل السوري ولا يفكرون بالتواصل معه.

أمّا عن نقاط ضعف النظام فبعد قيام الثورة جاء بشار الأسد بخطاب فيه كل التنازلات المطلوبة منه فسحب منه هذا الخطاب على باب مجلس الشعب بتدخل إيراني وروسي وقيل له لا تقدم تنازلات سندعمك، بشار الأسد ضعيف مثل ابن علي وكان سيهرب في الشهر الاول، وانا عندي معلومات أن هناك صفقة اسلحة أرسلتها إسرائيل ودفعت ثمنها إلى النظام عن طريق جنوب أفريقيا، لهذا لا زلت أعتقد أن النظام أضعف مما نتصور.

الأيام: قلت قبل قليل أنّ فرنسا وتركيا مثلا هم أصدقاء النظام وليس أصدقاء الثورة، بينما تقول في مقابلة سابقة أنّ موقف الخليج المشرف فاجأنا جميعا وشكرت دور قطر وتركيا وفرنسا وبقية دول العالم، كيف تفسر الاختلاف بين التصريحين؟

لقد قلت أنّ مؤتمر أصدقاء سوريا سحب الهدف منه ولا أدري لماذا تمت دعوة روسيا والصين ولم تدعى المعارضة. لقد تم تحضير جرعات يجب أن نتناولها في قطر وجرعات أخرى في الجامعة العربية وجرعات في تركيا ونحن آخر من يعلم، آخر من علم بالمبادرة العربية هو الشعب السوري، فإذا كان هناك مؤتمر لسنا حاضرين فيه لنقدم طلباتنا ما معنى انعقاد مثل هذا المؤتمر، كيف تدعى روسيا والصين لمؤتمر أصدقاء سوريا؟ لم يبق إلّا أن يوجهوا الدعوة إلى إيران وحزب الله. أنا أقول إن موقف دول الخليج كان مفاجئا ومشرفا ويجب أن يسجل لها، واعتقد أنها يجب أن تدعم اصلاحات الداخل، واستغرب الموقف التركي الذي كان قويا ثم تراجع، ثم جاء داود اوغلو بسياسته الخاصة التي لم افهم منها شيئا، فحماية المدنيين واجب على كل جيش في العالم بموجب اتفاقية جنيف حتى لو دولة احتلت دولة تصبح حماية الشعب المحتل مسؤولية المجتمع الدولي، برأي أنّ اجراء مؤتمر أصدقاء سوريا بهذه الآلية سيكون صداقة للنظام أكثر منه للشعب السوري الذي لم يدعَ منه أحد، بل إني طلبت تأشيرة إلى تونس علمت أنها ستأخذ وقتا طويلاً لما بعد انتهاء المؤتمر.

الأيام: كتبت مقالة في 26 ديسمبر عن توحيد المعارضة وأنّ خلافاتها لا تعيق الثورة، وأنها متماسكة على الأرض ولكنها مشتتة في الخارج، فما هو الحل لإخراج عناصر جديدة تمثل الشعب؟

لقد اكتشفت أنّ ثمّة من يعمل على تعزيز الخلافات في المعارضة ومن يقوم بتفعيلها بل إنه يُفشل كل محاولة لتوحيدها واعادة انتاج السلطة. طرحت مشروعا وطنيا لتشكيل مجالس في الداخل تختار من يمثلها لكن فرض ممثلين من الخارج استمر مع تجاهل كل هذه التضحيات الهائلة التي يقدمها الشعب في الداخل. لا توجد أحزاب حقيقية حاليا تمثل الشعب، أتحدى أن يستطيع حزب واحد الاآن بتنظيم مظاهرة تضم اكثر من 15 شخصاً، الاحزاب الحقيقية ستقوم بعد سقوط النظام وتطبيق الديمقراطية ولهذا فإنّ الناشطين على الارض هم الأولى بتشكيل معارضة حقيقية، كذلك هناك مشكلة حقيقية في تجميع أعضاء المجلس الوطني لتحقيق عمل فاعل. وللأسف يوحد حصار عنيف حول سوريا كي لا يحصل الشعب على السلاح رغم أنّ السلاح كان متوفراً سابقاً من عدد من المصادر، ولهذا اجزم أنّ هناك مؤامرة حقيقية ضد الشعب، فالمدن دمّرت تدميراً كاملا وحتى الجيش دمر ولم يعد يعمل الا بآلاف ثلاثة من الدبابات. وهذه المؤامرة ستحول الجيش الحر إلى عصابات لا تمويل لها تضطر الى إرهاب الناس كي تكفي ذاتها، فهل من المعقول أنّ حمص تقصف منذ 15 يوماً ولم يحرك أحد ساكناً لإنقاذها، هم يريدون أن يساعدوا حمص بقليل من المعقمات والشاش الطبي والخبز؟ عندما جاءوا الى الزبداني بالخبز رفض أهلها وقالوا لا نريد خبزا طالما نحن على هذه الحال، يجب أن تفهموا أن الثورة لن تتوقف والنظام لن يستمر فهو فقط يحاول تحويل الثورة من شكل الى آخر. حولها من سلمية الى مسلحة والآن يريد تحويل الجيش الحر إلى عصابات. إنهم يريدون ذلك.

لقد طلبت من عدّة دول في العالم منحي جواز سفر ولم يستجب لطلبي أحد. لقد منحت جواز سفر سويدي لكنه جواز لاجئ سياسي. فكلما أردت السفر إلى دولة أحتاج إلى تأشيرة تتطلب انتظارا طويلاً، عملياً قيدوني كي لا أتحرك وأنا أعتبر هذا مؤامرة، لو أرادوا بالفعل مساعدتي كان من المفترض على الفور منحي جواز سفر أردني مؤقت، أو جواز سفر تركي مع التأشيرات المطلوبة عليه، فهذا أمر دبلوماسي بسيط، طلبت تأشيرة الى أميركا فاشترطوا علي أن أقدّم كفيلاً مالياً، إنه نوع من المعاجزة، جميعهم يعرفني جيداً وفي عام 2005 قابلت معظم مسؤوليهم وأنا معروف لديهم بالاسم، لكنها عملية تهدف إلى فرض حصار علي.

الأيام: هل ترى بارقة أمل وسط هذا الاحباط العالمي؟

أنا نفسي محبط. عندما أرى حماة وحمص وغيرهم يقصفون والناس تقتل وإنني غير قادر على فعل شيء، هذا الأمر يصيبني بالإحباط وهذا طبيعي وإلا سأكون بلا احساس. لقد دمرت بيوت بلدتي وسحق ريف دمشق سحقاً بالدبابات والمدفعية وقتل خيرة شبابنا ومع ذلك نحن مستمرون وبإذن الله سننتصر لأن إرادة الله معنا، وانا أرى النصر أمامي بوضوح. لكن الموضوع يحوي شيئا أكبر بكثير من مسألة عجز او نقص، هناك تآمر دولي، هناك رغبة حقيقية في عدم دعم الشعب السوري، علينا أن نعتمد على الله أوّلاً وعلى أنفسنا ثانياً. إنني متفاءل بشعبنا ونسائنا وأطفالنا وقدرتنا على تحويل الهزائم إلى نصر: منينا بهزائم عسكرية في بعض المناطق لكننا بدورنا وجهنا ضربات قاسية، النظام استخدم آخر اوراقه، استخدم ألوية الحرس الجمهوري الأربعة، نظام لم يستطع فرض نفسه الّا عسكرياً، من يريد أن يحكم ليحكم بلا دبابات، فالاميركيون احتلوا العراق ولم يستطيعوا حكمه.  70% من الأراضي لا يحكمها النظام، يجتاحها بالدبابات ويخرج منها، لكن نصرنا سيكون ثمنه باهظا. أخشى فعلا من أن تدخل سوريا في الفوضى، وهذا ليس عذرا كي نتمنى أن يبقى النظام لكننا كنا نفضل أن نخرج من هذه الأزمة بإسقاط النظام والحفاظ على سوريا. غير أن الاسد يريد أن يسقط سوريا كلها بل والعالم معها فقط لأننا طالبناه بالتخلي عن سلطة اغتصبها اغتصابا. أعتقد أنّ المجتمع الدولي إما بتباطؤه أو خبثه تآمر على الثورة السورية كي ينهيها بطريقة زرع الفوضى كي تدخل سوريا فعلا في أتون حرب أهلية وتقسيم ودمار لا بداية ولا نهاية لها. الجراح عميقة ولا يمكن نسيانها وأنصح الطوائف بالانتباه الشديد لأن الدم لا ينسى، لا ترسلوا أبناءكم ليقتلوا، الفيديوهات التي تخرج ستؤثر كثيرا على ثقافة الناس وستقوض الوحدة الوطنية، تذكروا أن الصرب انتقموا من المسلمين بعد مرور مئات السنين. كنا نحلم بسوريا الجميلة وهم حولوها إلى دمار كامل، لم يبقى منزل واحد لم يقدم شهيداً وكثير من الناس تشردوا عن بيوتهم وكثير من ابنائنا ملاحقون، نساؤنا وأطفالنا خائفون والوضع الصحي والخدمي في أسوأ حالاته.

الأيام: لنقل أنً هناك صراعاً عالمياً من نوع ما يقع الشعب السوري ضحيته. لو كنت في موقع القيادة ما هي الخطوات التي يمكن ان تقوم بها للخروج من هذا الوضع؟

أوّل خطوة كنت سأقوم بها هي تشكيل حكومة منفى من 5 وزارات: الخارجية والدفاع والاغاثة والحقوق والمالية، أنشئ للوزارات مكاتب دائمة في أي دولة عربية، على هذه الوزارات أن تعمل على مدار الساعة للاتصال بشكل مستمر بالداخل والخارج وينسقوا العمل الثوري المطلوب. اليوم الظرف الدولي مناسب للعمل السياسي، ثمة دول مستعدة للتمويل، ويمكن حتى الاتصال بالدول التي كان موقفها معاديا للثورة في عملية مصالح متبادلة لإدارة اللعبة بطريقة مختلفة. اليوم المجلس الوطني السوري يجب أن يعود ليكون مجلس قيادة ثورة له صفة استشارية يعمل على المرحلة الانتقالية وعلى مشروع دستور. لكن أن احتاج الى 500 شخص لإدارة ملف فهذا يعني أن لو كل واحد منهم تحدث 5 دقائق يحتاج الأمر إلى أيام كي يطرح الجميع أفكارهم، ولو أردت أن أجمعهم أحتاج إلى أكثر من مليون دولار نفقات سفر وإقامة لهم. من المستحيل أن أقود ثورة بهذه الديناميكية، نحتاج الى مكتب فاعل يديره تكنوقراط، وتشكل هيئة لرقابته من الأمانة العامة للمجلس وهي أمانة ينتخبها الداخل أو على الأقل تأخذ جزءاً من تفويضها من الداخل وتبقى على اتصال دائم به، على أن تكون مهمة الحكومة تأمين الدعم للداخل والإغاثة وجمع المال والسلاح وتبحث عن وسائل لنقلها بشكل منظم وشفاف. كان من الممكن أن يحصل الثوار على كثير من الدعم المالي والسلاح لو أننا تابعنا الامر وسعينا له بشكل مخلص وحثيث، وأنا أشجّع مجالس الداخل على الاتحاد وتشكيل مجالس جغرافية، وأطالب الأحزاب بالصمت فهذا ليس وقت الايديولوجيات، عندما تصبح الديمقراطية متاحة سيكون للجميع متسع من الوقت للاختلاف ضمن الأطر الديمقراطيةز الآن نحن في خضم ثورة وطنية على الجميع نسيان انتماءاته الأخرى والمشاركة فيها. نحتاج على الأقل إلى مكتب اعلامي جيد أو مكتب تواصل جيد، والعملية تحتاج إلى تنظيم، فمن المهم جداً أن ننظم الجيش الحر بشكل وطني وغير حزبي ليحمي الوطن والمدنيين، هذا مشروع استراتيجي غاية في الاهمية ويجب أن تؤمن له كل وسائل الدعم لإيجاد شكل قيادة موحدة للداخل والخارج. لقد نقلنا امراضنا الانانية الى هؤلاء المنشقين عن الجيش فتحولوا الى أشخاص يتنازعون المناصب وحب الظهور، كان يجب علينا أن نتركهم يقومون بواجبهم. اقترحت على المجلس الوطني تشكيل وزارة دفاع لتنظيم الجيش الحر فطبقوا الأمر باسلوب خاطئ ومؤتمرات صحفية سطحية لا تقدم ولا تؤخر. للأسف جميع فرق الجيش الحر في الداخل لا تعترف بالقيادات التي شكلت في الخارج، لدينا هنا أزمة حقيقية في إدارة الامور، ليس لدينا قائد للجيش الحر، حمص تقصف كل يوم ولا أحد يخرج على العالم ببيان يومي بالضحايا والأحداث والأوضاع. القيادي الاداري الناجح يوزع العمل على الجميع ولا يحصر الأمر كله بيديه لأن هذا معناه الفشل.

وبالنسبة للمعارضة هناك رؤية واضحة، على مجالس الداخل أن تجتمع وتنتخب من يمثلها في الخارج. من يتخذ القرار يجب أن يتم تفويضه من الداخل وهذه هي الديمقراطية، ومن يموتون على الأرض لهم الكلمة العليا. ليس أنا او ذاك أو مخابرات الدولة الفلانية أن تقرر أين تقع مصلحة من يستشهد ويعاني. كذلك ثمة نقطة مهمة تتجسد في تقييد تحركاتنا، فقد خرجنا من سجون الأسد الى سجون كبيرة في الدول العربية وهم لا يرديون لنا أن نتحرك. أنا محاصر منذ شهرين لا أستطيع الحراك المطلوب. يمكن أن نفوض من خرجوا من داخل سوريا بتشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة منفى قادرة على الفعل، فنحن سنكون مسؤولين أمام الناس وأمام الله عن انجازاتنا. لكن المشكلة أن الدول العربية والغربية لا تريد لقرارنا أن يكون حراً، ونحن لا نسمح لأحد أن يتحكم بقرارنا لأن قرارنا يأتي من الشارع. هل من المعقول مثلاً أن يكون ظهوري على قناة الجزيرة ممنوعاً.

الأيام: حذرت من دولة تقوم على أسس دينية لأنها ستتحول كما قلت الى دولة استبداد ومن ثم حرب اهلية، هل من الممكن شرح هذه النقطة؟

لدينا تجربة واضحة في إيران، هناك قامت ثورة ضد الشاه فاستبدلوا وضع الاستبداد الذي كان قائماً باستبداد أسوأ. تحول الناس إلى كارهين للدين، ثمّة 80% من الإيرانيين يكرهون الاسلام والمسلمين ورجال الدين لأنهم رأوا منهم ما لا يطاق. لهذا حذرنا من ثورة يتحول هدفها الى ديني. هناك فئات كثيرة تفكر الآن أن تجعل من سوريا دولة اسلامية أو دولة شرعية بمعنى تطبيق قوانين الشريعة الاسلامية. إنني أرى الشريعة ليست حدود واضحة بل مقاصد، اذ أنّ هناك وجهتا نظر داخل الفقه الاسلامي، منها ما يقول إن مقاصد الشريعة هي الاهم والوسائل هي لتحقيق المقاصد وليست الوسائل هي الاساس. فاذا كان قطع اليد يلغي السرقة لابأس ولكن اذا كان السجن يخفف السرقة فلنكتفي بالسجن، هناك قانون موجود وهو اكثر تلاؤما مع الهدف. هناك كثير من الدساتير تدعي أن القرآن أحد مصادر الشريعة غير أنّ القرآن ليس فيه ما يشير الى سجون، ولم يذكر عن الرسول الكريم أنه سجن أحداً أو حتى عن صحابته أنه كان لديهم سجون ومعتقلات. لذلك فإنني أعتقد أنّ كذبة الاعتماد على أنّ الدين هو المصدر الوحيد للتشريع هدفه إلغاء الديمقراطية واتهام من يصوت ضد هذا المشروع بأنه يصوت ضد الاسلام والقرآن. أنا لا أصوت على عقيدتي ولا أحد يفرضها علي لا بالتصويت ولا بالقمع، أنا اخضع للقانون والقانون ليس عقيدة. ثمة مشكلة كبيرة في فهم الاسلام والحدود ليست هي الشريعة وليست هي الدين، الدين إيمان وفلسفة وقيم وضمير، أما سلطة القانون فهي خارجية يطبقها رجال شرطة ورجال قانون يمنعون الممارسات الخاطئة بهدف الحفاظ على السلم الاجتماعي وليس بهدف التدخل في حياتي الشخصية. لهذا أعتقد أن إقامة دولة شريعة دينية سينتهي اإى استبداد يضغط على الناس فيدخلوا في صراع عقيم وحساس لا نهاية له لأن مسائل كهذه لا تحل بالعنف بل بانفتاح عقلي وفكري وحوار، وهذا يتطلب جو من الحريات لا تؤمنها الّا السياسة. لكني مطمئن لأن معظم شبابنا يقبلون بالدولة المدنية وقد اعلنوها ولو أنني قلق نوعا ما لبعض سلوكياتهم، اذ لا يحق لهم أن يحتكروا العمل ويصوروا أنفسهم بأنهم ينفذون إرادة الله وينصرونها، فالله تعالى لا يحتاج الى أشخاص كي ينفذوا إرادته، ولا يحق لهم في إلغاء الآخرين أو اتباع  سياسة كم الافواه وتنصيب أنفسهم أوصياء على الاخرين، فنحن عبيد لله ولسنا ممثلين له، تجاربنا مع الحركات الاسلامية السياسية ديكتاتورية حتى في حياتهم الشخصية هم ديكتاتوريون، وهذه تجارب ليست مشجعة على التقليد لهذا دعونا نلتزم بمفهوم الدولة المدنية، وأنا لست ضد الاسلام ولا يمكن أن اقبل أن أضع الإسلام في مواجهة مع الديمقراطية والتطور لأن من الممكن كثيرا أن ينقذ الاسلام العالم من أزمته الحالية.

الأيام: حدثنا عن الوضع الراهن في الزبداني حالياً؟

الزبداني منكوبة بعد أن عاشت الحرية مدة 3 اشهر وصمدت ورأينا فيها مشهدا رائعا وصورة جميلة جداً من التعاون والمحبة والتكافل الاجتماعي، نزل الناس الى المظاهرات كل يوم واكتشفوا أنهم لم يعرفوا بعضهم البعض جيدا وكم خلق النظام بينهم الكراهية واللامبالاة، لكن عصابات الاسد اجتاحت المدينة بـ 300 دبابة و 4 ألوية و 25 ألف جنيد وقصفتها بالمدفعية ودمرت وقتلت واحتلت الزبداني، وانسحب شبابنا بمؤامرة من قبل بعض الخونة الذين كانوا على علاقة مع النظام، هم بكل الاحوال اضطروا للإذعان بعد ان نفذت ذخيرتهم. الوضع الانساني سيء للغاية البيوت يتم اجتياحها والناس تعتقل وهناك بيوت احرقت بمن فيها، 20% من المساكن دمرت، البنية التحتية دمرت بالكامل والخدمات كذلك والعيادات والمشافي نهبت، عيادتي في مركز المدينة دمرت وكسرت وسرقت وكذلك فعلوا بمنزل أهلي بحقد فظيع. عادوا لنشر البغضاء بين الناس وهم يلعبون على الصراعات والانقسامات كعادة حزب البعث، وعاد العواينية للانتشار وعادت روح الكذب والنفاق الى البلدة. لكننا بإذن الله سنعيد تحريرها وأعتقد أن ما جرى في دمشق مؤخراً مبشر جداً، إن شاء الله المعركة القادمة ستكون دمشق. اللعبة لم تنته بعد، مع ذلك نحن لا نريد أن نقتل جنود جيشنا ولا نريد أن نرفع في وجوههم السلاح إلا إذا اضطررنا لذلك.

الأيام، 20شباط 2012، أجرى المقابلة: ميساء آق بيق وفهد ابراهيم باشا

الدكتور محمد كمال اللبواني من مواليد سوريا، الزبداني 1957. دكتور في الطب البشري تخرّج من جامعة دمشق عام 1981، متزوج وله ثلاثة أولاد. بدأ نشاطه السياسي في الجامعة مع الحزب الشيوعي  وكان عضواً في المكتب السياسي للحزب (جناح رياض الترك). مارس الدكتور كمال عمله كطبيب من خلال عيادته الخاصة في الزبداني إلى جانب ممارسته لععدد من الأنشطة الثقافية. عاود نشاطه السياسي مع حركة ربيع دمشق وكان عضواً في لجان الدفاع عن حقوق الانسان ومنتدى الحوار الوطني الذي أسسه رياض سيف. اعتقل لدكتور كمال في 2001 مع حملة نشطاء ربيع دمشق وحكم بالسجن لمدة ثلاث سنوات قضاها كاملة في السجن الافرادي. أطلق سراحه في عام 2004 ثم أعيد إليه في عام 2005 وبقي معتقلاً حتى تشرين الثاني 2011. كاتب ورسّام ألف عدداً من الكتب وله مقالات ورسوم كثيرة أنجزها وهو في المعتقل. بدأ مؤخراً مشروعاً كبيراً يهدف إلى تأسيس التجمّع الليبرالي الديموقراطي. 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend