الثورة والخطوط الحمراء

من المتعارف عليه اليوم أنّ كلمة خط أحمر تعني أنّ هذا الأمر بات من المحظور تناوله أو تداوله أو الاقتراب منه وحتى ذكره. وفي الخمسين سنة الماضية كان كل شئ خط أحمر… حتى وصلت الأمور في الثمانينات من القرن الماضي أن اصبح أكل الموز أو شراء الكلينكس خط أحمر يعاقب بالغرامة والسجن.

في 15 آذار الماضي انطلقت الثورة لتلغي كل الخطوط الحمراء وتحولها إلى خطوط خضراء اعتمدتها الثورة كراية لها بعد أن سقت أرض الوطن بدماء شهدائها الأبطال الأحرار. أصبحت أرض الوطن كلها من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها حمراء تعبق بالحرية والكرامة (الموت ولا المذلة) عبير الحرية المنشودة.

وعلى هامش انتصارات الثورة والثوار وملاحم البطولة والشجاعة والعطاء التي قدمها أطفالنا وشبابنا ونساءنا، تشكلت مجموعات من المراهقين السياسيين الذين قاموا بتشكيل أطر ثورية افتراضية ادعى كلّ منها أنه يمثل الثورة والشارع والثوار. تقاتل المراهقون فيما بينهم وشكلوا مجموعات أساسية واخرى فرعية تداخلت فيما بينها كلوحة فسيفسائية مقيتة سيئة الصنع لا تمت إلى أصالة شعبنا ووطنيته بصلة. تسلقت هذه الطغمة الثورة السورية  ونصّبت نفسها ممثلة شرعية للثورة وطلبت 30 يوماً فقط لكي تنظّم نفسها قبل أن تطالعنا ببرنامج لحراكها “يشيل الزير من البير”.

مضت الأيام، واختلف جهابذة الثورة على كل شئ ولم يتفقوا إلاّ على أن المساس بهم هو خط أحمر يؤدي إلى المساس بالثورة واضعافها بل الأكثر من ذلك التخوين والعمالة إلى النظام. طلب الساسة الجدد من الجميع الانتظار “فالله جلّ جلاله خلق الأرض في سبعة أيام”. انتظرنا وانتظرنا وانتظرنا وما زلنا ننتظر لنرى نتيجة ايجابية واحدة تزرع الأمل في النفوس وتعطي الشعب الثائر بارقة ضوء تشير إلى قرب الانتصار. سافر هؤلاء الكبار برعاية الله وحفظه حول العالم وعقدوا المؤتمرات واختلفوا فيما بينهم وتشاتموا ونشروا غسيلهم القذر وألفاظهم البذيئة على الصفحات الالكترونية والمطبوعة والقنوات المسموعة والمرئية الأرضية وتحت الأرضية والساتلة وغيرها، وسمحوا لنفسهم أن يقترفوا كل الأخطاء الممكنة الكبير منها والصغير ليطالعونا في كل مرة باسطوانة أن الثورة بخير لأنهم بخير قادرين على السفر فوق السحاب والوقوف في أحسن الأحوال على أبواب وزراء خارجية العرب والعالم ليأخذوا دروساً في السياسة لأنهم “يا عيني…” ما زالوا يتعلمون فن السياسة بعد أن حرمهم منها هذا النظام القاسي القلب مدة 50 عاماً.

تقاتلوا وتشرذموا وتشاتموا وتصالحوا وسكتنا  عن أطرهم التنظيمية الفاشلة لأن الكلام عن أفعالهم المشينة “خط أحمر” يضر بالثورة.

وماذا بعد،

اليوم، تدخل الثورة عامها الثاني على أخبار عن فضائح من مختلف الأشكال والألوان منها العقائدي ومنها التخويني ومنها المالي و….و….و…. ومازال الخط الأحمر يحميهم من الحساب.

اليوم نطلقها صرخة مدوية ونقولها على العلن بأنّ الخطوط الحمراء قد زالت ورفعت رايات الثورة الخضراء من جديد لترفرف عالية في سماء الوطن. اليوم سوف نبدأ بمحاسبة كل مقصّر، لقد انتهى وقت الانتظار.

الشعب السوري يا سادة واع يتقن اللغات جميعها ولا يحتاج إلى ترجمات وتفسيرات واهية ليفهم حديثاً تلفزيونياً أو أداءّ هزيلاً. لا تقفوا مدافعين عن أنفسكم أو تصطنعوا تاريخاً نضالياً لا وزناً له في المعايير الوطنية الحقة.

إليكم يا مراهقي السياسة نقول: عليكم أن تتنحوا وتتركوا الساحة لمن هم أكثر كفاءة، لأولئك الذين بذلوا الدم والتضحيات في كل ثانية مضت من عمر الثورة، اعتذروا منهم وانسحبوا بسلام واحترموا أنفسكم واتركوا الشعب ينتخب مجلساً لقيادة الثورة أو يشكل حكومة في المنفى من سياسين وعسكريين قلائل قادرين على قيادة مسيرته المظفرة إلى بر الأمان واسقاط النظام. قيادة فاعلة تمثله أمام العرب والعالم  من مرتكز ثوري أصيل وقاعدة شعبية واسعة تفوح بعبير الشهادة والحرية. قيادة تصنع الحدث لا تنفعل معه، قيادة شامخة معتدة بشعبها لا هزيلة متلمسة لرضى أسيادها.

نرجو أن تفهموا هذه الكلمات بوضوح، لأننا لن نصمت بعد الآن وسوف نسمي الأشياء والأشخاص بمسمياتها ولن نترك ثورتنا لكي تعصف بها رياح الذل والعار.

عاشت سوريا حرّة أبيّة.

الوطن ثمّ الوطن ثمّ الوطن

بقلم فهد ابراهيم باشا

 

 

 

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend