جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

قراءة سريعة في الدستور الأسدي المقترح

قراءة سريعة في الدستور السوري المقترح:

احتفى إعلام النظام بالدستور الجديد المقترح والذي شكل بالنسبة له قمة الإصلاحات-المرفوضة شعبيا- والتي تزامنت مع المزيد من قصف المدن وسفك الدماء ومعاناة الأبرياء. وإذا كان الرأي العام السوري لا يستسيغ نقاش أي من أطروحات النظام ليقينه شبه الكامل بعبثيتها وأن الهدف منها تمرير المرحلة وشراء الوقت في محاولاته المستميتة لقمع ثورة الحرية وإنهائها. غير أنني في هذه القراءة السريعة أرغب في تسليط الضوء على بعض النقاط في الدستور الجديد والتي تكشف شيئا يسيرا من تناقضات النظام والتي هي بطبيعة الحال نقيض الإصلاح لتكشف زيفه وعبثيته. حين أستلم بشار منذ أيام مسودة الدستور طلب من أعضاء اللجنة توعية المواطنين به معتبرا هذه التوعية من مسؤولياتهم في حين لم تنشر مسودة الدستور إلا قبل إحدى عشر يوما من موعد الاستفتاء عليه في ظروف غير عادية بل ومأساوية في العديد من المدن السورية مثل حمص وحماة ودرعا وريف دمشق وغيرهم. هنا يناقض بشار نفسه ويستعجل استفتاء مشكوكا بنزاهته وبالظروف الصعبة المحيطة به، وكأن الهدف هو مجرد الإعلان عن الإصلاحات لا تنفيذها لأسباب عديدة منها إعطاء داعمي الأسد في موسكو وبكين ذخيرة سياسية تمكنهم من الدفاع عن نظام يقتل المدنيين وعلى الهواء مباشرة.

بطبيعة الحال هناك تشابه كبير بين الدستور الحالي الالحالي:الدستور الجديد المقترح والذي يبدو أشبه ما يكون بعملية تجميلية فاشلة لشد وجه دستور 1973. وإذا كانت شعارات حزب البعث الحاكم وحدة حرية اشتراكية، فإن الدستور الجديد نأى بنفسه عن الوحدة والاشتراكية فيما سلوكيات النظام تحارب الحرية إلى حد قصف الأحياء والمدن السورية وتعذيب الأطفال حتى الموت لمجرد رفعهم لها شعار. أما الوحدة والتي جاءت في المادة الأولى من الدستور الحالي :”الشعب في القطر العربي السوري جزء من الأمة العربية يعمل ويناضل لتحقيق وحدتها الشاملة”، فقد اختفت من نفس المادة في الدستور المقترح. أما الاشتراكية والتي ذكرت في الدستور الحالي نحو 14 مرة بالنظام الاقتصادي وتربية النشء عليها وعلى إعداد جيل يؤمن بها، فقد اختفت تماما من الدستور الحالي لتعلن فشل نصف قرن من التجارب المرة وليعيد الفاشلون صياغة دستور جديد وكان الشعب السوري حقول تجارب لا يتكلف صانعوا الفشل فيها بالاعتذار للمجتمع والأجيال.

تبدو المادة الثامنة والتي شكلت وصمة عار في الدستور الحالي المستهدف الأساسي من التعديلات المقترحة، فلقد أزالت أسم حزب البعث كقائد في المجتمع والدولة، لتتحدث نظريا عن تداول السلطة وتختم بالنقطة الخامسة والتي تنص “لا يجوز تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة سياسية أو حزبية أو انتخابية”. السؤال هنا كيف يمكن تطبيق هذا البند على حزب البعث الحاكم والمهيمن على الحياة العامة منذ نصف قرن والمستفرد بإمكانات الدولة وإمكانيتها.

من طرائف دستور الأسد المقترح هو العودة بسن الرئيس إلى أربعين عاما بعد أن أنتفت الحاجة لتعديل 2000 المضحك لصالح بشار حينها وتمت إضافة شروط جديدة لتقلل من فرص السياسيين بالتنافس على الرئاسة ولو نظريا، مثل الاشتراط على المرشح بأن يكون مقيماً في سورية لمدة لا تقل عن عشرة سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح، وهذا الشرط لم يكن ينطبق على بشار حين جاء من بريطانيا ليورث الحكم الجمهوري في سابقة مشينة، أما كلمة متصلة فهي تفتح الباب لاجتهادات لا حصر لرفض من يمكن أن يشكل منافسا قويا على الرئاسة. وحتى يزول أي لبس بشأن تولي بشار ولايات جديدة على الرغم أن الدستور المقترح ينص على تحديد ولايتين فقط، تنص المادة 155 بالتالي: “تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، وله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية وتسري عليه أحكام المادة / 88 / من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة”، هل سمعتم بالتاريخ عن دستور –يفترض أته إصلاحي- يتحدث عن رئيس الجمهورية الحالي…فهل يهدف الدستور للحفاظ على الأمة أم على الرئيس الحالي؟

وإذا كانت من أشد مثالب الدستور الحالي هو منحه للرئيس حصانة وصلاحيات مطلقة، فإن عقلية سورية الأسد والتي ينسب بها البلاد والعباد للحاكم ما تزال تحكم وتتحكم بعقول من صاغوا الدستور المقترح. فالمادة 117 تعطي الرئيس حصانة مطلقة فتنص :”رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى و يكون طلب اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني و بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية و ذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل و تجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا”. هذه المحكمة الدستورية العليا وبحسب المادة 140 من الدستور المقترح يتولى الرئيس تسمية أعضائها السبعة، فيما تنص المادة 133 على أن الرئيس هو من يَرأس مجلس القضاء الأعلى. الصلاحيات الكبرى والعظمى للرئيس والتي منحه إياها الدستور “ألإصلاحي” كثيرة منها:

• المادة 97: يتولى رئيس الجمهورية تسمية رئيس مجلس الوزراء و نوابه و تسمية الوزراء و نوابهم و قبول استقالتهم و إعفاءهم من مناصبه.

• المادة 98: يضع رئيس الجمهورية في اجتماع مع مجلس الوزراء برئاسته السياسة العامة للدولة و يشرف على تنفيذها .

• المادة 100: يصدر رئيس الجمهورية القوانين التي يقرها مجلس الشعب و يحق له الاعتراض عليها بقرار معلل خلال شهر من تاريخ ورودها إلى رئاسة الجمهورية فإذا اقرها المجلس ثانية بأكثرية ثلثي أعضائه أصدرها رئيس الجمهورية.

• المادة 103: يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ و يلغيها بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسته و بأكثرية ثلثي أعضائه على أن يعرض على مجلس الشعب في أول اجتماع له ويبين القانون الأحكام الخاصة بذلك (ما أسهل إعلان حالة الطوارئ وما أصعب إلغاءها).

• المادة 105: رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش و القوات المسلحة و يصدر جميع القرارات و الأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة و له التفويض ببعضها .

• المادة 106: يعين رئيس الجمهورية الموظفين المدنيين و العسكريين و ينهي خدماتهم وفقاً للقانون.

• المادة 107: يبرم رئيس الجمهورية المعاهدات و الاتفاقيات الدولية و يلغيها وفقاً لأحكام الدستور و قواعد القانون الدولي .

• المادة 108: يمنح رئيس الجمهورية العفو الخاص و له الحق برد الاعتبار .

• المادة 111:

1 – لرئيس الجمهورية أن يقرر حل مجلس الشعب بقرار معلل يصدر عنه . 2– تجري الانتخابات لمجلس جديد خلال ستين يوماً من تاريخ الحل .

3 – لا يجوز حل مجلس الشعب أكثر من مرة لسبب واحد .

• المادة 112: لرئيس الجمهورية أن يعد مشاريع القوانين و يحيلها إلى مجلس الشعب للنظر في إقرارها .

• المادة 113:

1 – يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب أو أثناء انعقادها استدعت الضرورة القصوى ذلك أو خلال الفترة التي يكون فيها المجلس منحلاً . 2 – تعرض هذه التشريعات على المجلس خلال خمسة عشر يوماً من انعقاد أول جلسة له . 3 – للمجلس الحق في إلغاء هذه التشريعات أو تعديلها بقانون و ذلك بأكثرية ثلثي أعضاء المسجلين لحضور الجلسة على أن لا تقل عن أكثرية أعضائه المطلقة دون أن يكون لهذا التعديل أو الإلغاء اثر رجعي و إذا لم يلغها المجلس أو يعدلها عدت مقرة حكماً .

• المادة 114: إذا قام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة و استقلال ارض الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات السريعة التي تقتضيها هذه الظروف لمواجهة الخطر (شيك على البياض).

• المادة 115: لرئيس الجمهورية أن يشكل الهيئات و المجالس و اللجان الخاصة و تحدد مهامها و صلاحياتها بقرارات تشكيلها .

هذه قراءة سريعة تظهر الخديعة الكبرى والذي يحاول النظام تسويقها باسم الدستور الجديد والذي يشير بشكل فج للرئيس الحالي ويضع بيده سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مطلقة من الصعب أن تجدها في أي نظام ملكي أو إمبراطوري…إنها عقلية الاستعلاء والاستعباد والنظر إلى البلاد والعباد على كونهم جزء من مزرعة الأسد. هذه العقلية وطريقة التعامل الفوقي هي التي تفسر لنا إصرار الشعب السوري على نيل حريته برغم من آلة القمع والقتل والتدمير التي نشاهدها منذ ما يقرب من عام.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend