جريدة وطنية حرّة ومستقلة، هي منك وإليك

تحدي الثوار ينتقل إلى قلب العاصمة السورية دمشق

على أتوستراد المزة ثمة مكان محجوز لوقوف سيارتين من نوع “الهمر الأمريكية” الفخمة، وعلى أتوستراد المزة ثمة موظفون ينهمكون بتنظيف وتلميع السيارتان.

لتلك السيارتان معزة خاصة في قلوب المؤيدين، فهما بطلتا المسيرات التي تئن شوارع دمشق تحتها.

تتصدر “الهمر” المسيرة ناظرة إلى الماشين بجانبها نظرة استعلاء، حتى ليبدو الناس من حولها وكأنهم خدم لحضرة جناب السيارة، ليبقى العلم الذي رفع على السقف كاليتيم يرفرف لوحده دون أن يحظى ولو بنظرة من مؤيدي النظام السوري.

الجوع والحرية

على الضفة المقابلة تنطلق المظاهرات المعارضة للنظام والمطالبة بإسقاطه مشياً على الأقدام، لتبقى “سيارة الهونداية” الأقدم والأرخص هي السيارة البطلة التي تحاول حماية منتعلي الأحذية التي توشك أن تبلى من كثرة المشي.
لا يمكن لجائع أن يتناسى معدته الفارغة، ولكنه يأمرها بأن تخرس احتراماً لأرواح شهداء ثورته وثورتهم.

ولا يمكن لأصحاب الكروش الممتلئة تناسي سياراتهم ورفاهيتهم، بل هم يأمرون كروشهم بالتمدد أكثر فأكثر على أمل ابتلاع البلد وما فيه.

بين أولئك وهؤلاء تبقى الثورة السورية التي سماها البعض بـ”اليتيمة” منتمية لأصحاب المعدات الفارغة، بعيدة عن سيارات المؤيدين الفارهة.

تحتفل الإذاعات والقنوات التلفزيونية الوطنية بالجيش الوطني عندما يسجل أكبر عدد ممكن من القتلى (بتعبيرهم) والشهداء (بتعبير الثورة) في حمص، بينما تنهمر الدموع من عيون نفس الإذاعات والقنوات التلفزيونية عند مقتل ضابط طبيب في مساكن برزة، وبين الاحتفال والتباكي تبقى مشاعر وعواطف سكان دمشق مستفزة غاضبة.

أسرار دمشق

وبين أولئك وهؤلاء ترفع الثورة السورية قسماً يومياً من حمص بأنها لن تتوقف ما لم يسقط النظام، بدون أن تكحل (الثورة) عينها بإذاعة أو بقناة تلفزيونية تضع القرآن على روح شهدائها.

لاتزال دمشق ظاهرياً تتبع لسيارات الهمر الفخمة، وتصفق للتلفزيون الوطني، ولا يزال الكرسي يحب الجالس عليه، ولكن دمشق ليست كغيرها من المدن، هي لا تكشف أسرارها دفعة واحدة، ففي نفس المنطقة على أتوستراد المزة التي تقف بها سيارات الهمر وبفارق شارعين فقط قررت المظاهرات المناهضة للنظام أن تخرج، وفي تلك المنطقة استيقظ سكان المزة قبل عدة أيام ليجدو جثتي شابين قتلا بيد الأمن بعد اعتقالهما، وفي ذلك الشارع جرح 41 شابا في جمعة “روسيا تقتل أطفالنا”، وانتقل التحدي إلى قلب العاصمة رغم كل الإجراءات الأمنية والاحترازية الخانقة التي اتخذها النظام في عاصمته.

قبل 15 آذار من العام المنصرم لم يخطر ببال أي سوري أن يتوقف لحظة عن حمد الله على النعم التي يغرقه نظامه بها، ولم يخطر ببال دمشق أن ترى أبناءها يغتالون ويرمون في الشوارع، ولم يخطر ببال الشوارع أن تحمل سيارات فارهة تهتف للأسد الابن والأب وتدهس شبابا طلبوا الحرية.

شبيحة للأبد

حمص الآن تحت النار، والزبداني تحتاج إلى الخبز، ودمشق تخطت مرحلة التشاور مع الذات، فانطلقت كفر سوسة والمزة والقدم ومساكن برزة في مظاهرات يومية، جعلت من المؤيدين عرضة لخوف ظاهر للعيان، وربما يكون إخراج أتوستراد المزة جزئياً من معادلة المسيرات المؤيدة والعجز حتى عن إيقاف المظاهرات هناك كالصفعة على وجه كل من هتف “شبيحة للأبد كرمال عيون الأسد”.

متظاهرون يشعلون نار الحرية في كل زاوية يتمكنون من الوصول إليها في شوارع وحارات دمشق، ومؤيدون يتخصصون في التعالي حتى على الهاتفين معهم لحياة النظام.

متظاهرون تخصصوا بتوليد العدالة من بطون الظلم حتى لو كانت حياتهم ثمناً لتلك العدالة، ومؤيدون احترفوا تقبيل أيدي أسيادهم، فما عادت العدالة والحرية تعني لهم شيئاً أكثر من الحفاظ على رفاهيتهم ورفاهية أولادهم.

ودمشق تنقسم على نفسها، تنقسم ما بين ضابط لا يبتهج إلا حين يردي أولاد بلده قتلى في الشوارع، وبين شباب يرون في دبابة الضابط سلاحا ضعيفا أمامهم مبتهجين بنطق كلمة “الحرية” علناً.

المصدر: العربية نت

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا
تعليقات

Send this to a friend