كانت ليلة باردة ,,؟ بقلم أكاسيا الورد

كانت ليلة باردة ,,؟

و ظلام دامس يخيم في أرجائها ,,؟
تسكنها الأرواح و تتطاير في سمائها ,,؟
و الغربان تنعق و تطير في أنحائها ,,؟
خرجت فيها لتعانق روحي تلك الأرواح ,,؟
لعلها تأخذني الى حمص الاباء ,,؟

مشيت و مشيت ,, حتى وصلت الى الصحراء ,,؟
كانت الرمال تتطاير في الأنحاء ,,؟
و أسمع صوت صفير الرياح يعصف في الأرجاء ,,؟
وقفت دقيقة صمت على أرواح الشهداء ,,؟
لأجثو بعدها على ركبتي و أجهش في البكاء ,,؟
و دموعي تمتزج مع حبات الرمال ,,؟
رفعت يدي الى السماء ,,؟
لأدعو دعوة الرحمة على الشهداء ,,؟
و أضيء شمعة تكسر معها حلكة الظلام ,,؟
كنت أشعلها و عيناي تملؤها الدموع ,,؟
لأتبين على نورها طفلة صغيرة تقف هناك ,,؟

فزعت من هول المشهد ,, ؟
كانت الطفلة مهشمة الرأس ,,؟
دامعة العينين ,, و وجهها يملؤه الحزن الشديد ,,؟
تحضن في يديها لعبة جميلة ,,؟
و تمسك بها بكلتي يديها ,,؟

و قفت للحظات أتأملها ,,؟
و أنا أتخيل آلامها و أوجاعها ,,؟
ثم ركضت اليها لأحضنها ,,؟
أغمضت عيني بحنان لأضمها ,,؟

فأخذتني الى هناك حيث الدمار و الخراب ,,؟
و القذائف تسقط على رؤس السكان كالأمطار ,,؟
كنت أشعر بصعوبة في التنفس و أنا تحت الأنقاض ,,؟
و يدي تبحث عن مخرج من بين الركام ,,؟
فاذا بيد صغيرة تأخذ بيدي لتنقذني و تبعد عني الحطام ,,؟

و الطفلة لا زالت تمسك بيدها لعبتها الجميلة ,,؟

ألقيت نظرة خاطفة على المكان كانت كافية ,,؟
لأعلم أن العشرات هم تحت الأنقاض ,,؟
كنت أركض في هلع و فزع في الأنحاء ,,؟
لعللي أسمع بضع أصوات تدعوني للانقاذ ,,؟
بدأت برفع الركام لعللي أنقذ بضعة أرواح ,,؟
و لم أجد في كل مرة الا جثثا و أشلاء ,,؟
و رائحة البارود يختلط مع رائحة الموت و الدماء ,,؟
أحسست بالاعياء و الاقياء ,,؟
لم أكن أملك الا الدموع و البكاء ,,؟
و تلك الطفلة لا زالت تقف هناك ,,؟

اقتربت الي لتتمتم ببضعة كلمات ,,؟
لقد كنت هناك ,, معهم تحت الركام ,,؟
و أهلي ما زالوا تحت الأنقاض ,,؟

كان دوي الانفجارات يهز الأرض و كأنه زلزال ,,؟
و المباني تتداعى و تهتز مع كل انفجار ,,؟
كنت أتأمل المكان بخوف و حزن قبل أن تمسك بيدي ,,؟
لتشدني الى ذاك المكان ,,؟
مشيت على وقع خطواتها و أنا أجهش في البكاء ,,؟
لأصل الى بناء مليء بالمصابين و الأطفال الأبرياء ,,؟
كدت أقع على الأرض من هول ما رأيت من شدة الاصابات ,,؟

و أنا أتوقع وصول سيارات الاسعاف ,,؟

شدتني تلك الطفلة من يدي قائلة ,,؟
ألا يمكنك المساعدة ,,؟
أجبتها ,, ياليتني كنت طبيبة ,,؟
أجابتني باكية ,, سيموتون ان لم تتمكني من المساعدة ,,؟

هرعت الى داخل البيت ,, تهزني أصوات الألم و الأنين ,,؟
أبحث عن قطن و ضمادات ,,؟
و ماء ساخن ,, و مسكنات ,,؟
و خافضات حرارة ,, و مطهرات ,,؟
بحثت في كل الخزن و الغرف بلا فائدة ,,؟

هرعت الى الخارج رغم القصف و سقوط القذائف ,,؟
أدق كل باب بحثا عن الماء و الغذاء ,,؟
أو قطن و شاش و بعض الأدوية و المطهرات ,,؟
و البيوت خالية من كل ما قد ينقذ تلك الأرواح ,,؟
الا من بحور الدماء ,, و الجثث المتشرة في كل مكان ,,؟
و المصابون يملؤون البيوت ,, ينتظرون ساعة الموت ,,؟

عدت أدراجي ترافقني تلك الفتاة الصغيرة ,,؟
دخلت الى البيت ,, لتتحول عيون المصابين الي ,,؟
و الدموع تملؤ عيني ,, و أنا فارغة اليدين ,,؟
كان هناك شاب و جسده يتشنج و يتعرق ,,؟
و كأن روحه الى السماء ستصعد ,,؟
جلست هناك بجانبه ,, خلعت حجابي لأجفف عرقه ,,؟
و يدي تمسك بيده ,, و دموعي تملأ خدودي ,,؟

كان يتمتم ببضع كلمات و يقول ,,؟
أنها كانت أجمل لحظات ,, حين كنا نشارك في المظاهرات ,,؟
كنا نسمع و لأول مرة صدى لأصواتنا ,,؟
و نشعر و أخيرا بوجودنا و كياننا ,,؟

ومع كل شهيد كنا نشعر أن الجنة تنادينا ,,؟
و كأن الشهيد و هو يحمل في نعشه يقول لنا ,,؟
أعيدوني ,, الى الحياة مرة أخرى ,,؟
لأعود الى التظاهر فأقتل في سبيل الله مرة أخرى ,,؟
آه لو يعلم أخواني ,, بما رزقني ربي و أكرمني ,,؟

كنت أنظر الى شفتيه ,, لأتبين من حركتها كلماته ,,؟
توقف عن الكلام للحظات ,, ليشهد أن لا اله الا الله ,,؟
أغمضت له عينيه باكية ,,لأدعو له بالرحمة و المغفرة ,,؟

لأسمع نداء من امرأة باكية ,,؟
هرعت اليها كي أساعدها ,, ؟
أعطيتها كأسا من الماء لأهدئ من روعها ,,؟
و أسألها عن حالها و أنا أتأمل اصابتها حزينة ,,؟
أجابتني ,, لا تزعجي نفسك في علاجي ,,؟
فأ أشعر بأن الموت هو مصيري ,,؟
و لكن لي ثلاثة أطفال صغار ,,؟
لا أعلم لهم مكان ,,؟
لقد قلت لهم أن يغادروا البيت قبل أن يدمر ,,؟
فغادروه مسرعين دون أن يلتفتوا الى الوراء ,,؟
كانت القذيفة موجهة الى بيتنا ,,؟
ولم أجد الا الكثير من الحطام ينهال على رأسي ,,؟
ثم وجدت نفسي في هذا المكان ,,؟
لقد انتشلوني من بين الركام ,,؟
أرجوك أن تبلغيهم مني السلام ,,؟
و أخبريهم ألا يجزعوا بعد وفاتي ,, فأنا بجوار رب العباد ,,؟
لن أوصيكي بهم ,, فهم أمانة عند الله ,,؟
و لا تضيع أمانة أودعت عند الله ,,؟

لتغمض عينيها و الابتسامة تعلو شفتيها ,,؟
قبلت جبينها ,, آملة من الله أن يتقبلها عنده شهيدة ,,؟

كانت بجانبها طفلة صغيرة ,,؟
قد أصيبت في يدها ,, ؟
قطعت قطعة من ثيابي لأضمد بها جرحها ,,؟
لعللها توقف نزيف دمائها ,,؟
كانت تبتسم لي ابتسامة بريئة ,,؟
سألتها ,, ألست خائفة من الموت يا صغيرة ,,؟
أجابتني مبتسمة ,, و لما الخوف يا أكاسيا ,,؟
لم يعد في هذه الحياة ما يدفعني للتمسك بها من أجله ,,؟
فقدت أبي في بداية الاحتجاجات ,, و اعتقلوا أخوتي و اغتصبوا الأخوات ,,؟
لتنتهي بفقدان أمي منذ أيام ,,؟

سأذهب الى هناك ,, لقد قالوا لي أن هناك جنة في السماء ,,؟
و أن المظلومين يذهبون الى هناك ,,؟
أخبريني يا أكاسيا ,, كيف ستكون الجنة ,,؟
هل سألعب هناك بالألعاب ,,؟
أتعلمين يا أكاسيا ,, ؟
هناك لعبة لطالما تمنيت أن أحصل عليها ,,؟
شعرها ذهبي و عيناها زرقاوين ,,؟
لها عربة و سرير ,, و خزانة مليئة بالثياب ,,؟
أبدل لها ثيابها مع كل مناسبة ,,؟

هل سأحصل عليها هناك ,,؟

أجبتها و أنا أجهش في البكاء ,,؟
ستحصلين عليها باذن الله ,,؟
سألتني و هل سأحصل على المثلجات و الشوكولا ,,؟

أجبتها و أنا أداعب شعرها ,, و أتأمل عيناها ..؟؟
ستحصلين يا صغيرة على كل ما تتمنينه هناك ,,؟
فأجابتني ,, و متى سيأخذني الله الى هناك ,,؟
فأنا أريد الحصول على الحلويات من بعد هذه الأشهر من المعاناة ,,؟
أجبتها ,, قريبا ياصغيرتي الحبيبة ,,؟
لتصعد لاحقا روحها الطاهرة الى السماء ,,؟
تاركة روحي تغمرها كل تلك الأحزان ,,؟

خرجت من ذاك المكان ,, و أنا أمشي دامعة العينين ,,؟
و الطفلة ترافقني قائلة ,, أخبريهم يا أكاسيا ,,؟
أن هناك عشرات الآلاف ,, قد قضوا نحبهم في الأحداث ,,؟
و أن مئات الأطفال قد قتلوا ,, و المئات قد أصيبوا بعاهات ,,؟
و المئات اعتقلوا و عذبوا ,, ؟
و الآلاف باتوا يعانون من خوف هستيري و ارتعاشات و اختلاجات ,,؟
و أن الأمهات يصابون بالانهيار ,, حين يرون أطفالهم قد باتوا أشلاء ,,؟
مهشمي الرأس ,, مقطعي الأوصال ,,؟

أخبريهم يا أكاسيا ,, لعللهم يصدقون ,,؟
لتصعد روحي الى السماء ,,؟
انحنيت اليها و ضممتها بشدة ,,؟
و أجبتها باكية مودعة ,, سأخبرهم يا طفلتي الصغيرة ,,؟

” يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك رضيية مرضية فادخلى في عبادي و ادخلي جنتي”

كانت القذائف تمطر حين صعدت روحها الى السماء ,,؟
فذهبت أركض من مكان لمكان ,,؟
خوفا من قذيفة تحولني الى أشلاء ,,؟
فوجدت مسجدا هناك ,,؟
لم تسلم مأذنته من القصف والتدمير ,,؟
صعدت اليها و أنا أزيح الركام لأتبين معها الخطوات ,,؟
و أشهد سقوط القذائف و اندلاع النيران ,,؟

صرخت بصوت عال ,, لماذا لا تريدون أن تصدقون ,,؟
لماذا لا تريدون ايانا أن تساعدون ,,؟

ألم تكفيكم صور الشهداء المعذبين أشد التعذيب ,,؟
ألم تكفيكم صور الحصار و التضييق ,,؟
ألم تكفيكم صور الاقتحامات و الاعتقالات ,,؟
ألم يكفيكم انتشار المدرعات و الدبابات ,,؟
ألم يكفيكم القصف و التدمير ,,؟
ألم يكفيكم أن تهد المنازل على رؤوس الآمنين ,,؟

ألم تهتز ضمائركم بعد أيها المسلمين ,,؟
ألم ننقل لكم صور الكفر و الزندقة ,,؟
ألم ننقل لكم صور الاعتداء على بيوت الله ,,؟
ألم ننقل لكم تدمير المساجد و قصف المآذن ,,؟

و الله انكم لتحاسبون ,, و الله انكم لتحاسبون ,,؟

لقد خاطرنا بحياتنا ,, كي ننقلها لكم ,,؟
و لكن طبع الله على قلوبكم ,,؟
صحيح ,, فهذه بالنهاية ليست أفعال اسرائيل ,,؟

فأي معايير مزدوجة تمارسون ,,؟
و أي ذنب أنتم تذنبون ,,؟

و أي خديعة كنتم ايانا تخدعون ,,؟
و أنتم ايانا توهمون ,,؟
بدول تصدي و ممانعة و مقاومة هي أشد عداوة لنا من العدو ,,؟

لم تكونوا يوما لتحدثونا عن ممارسات الصفويين بل قلتم بأنهم مثلنا مسلمون ,,؟
و تعاميتم عن ممارسات الروس في الشيشان لئللا تصوروهم بأنهم لنا عدو ,,؟

شوهتم الحقائق ,, و قلبتم الموازين رأسا على عقب ,,؟

و لكن ,, ؟
كل ما له بداية ,, لا شك بأن له نهاية ,,؟

و اياكم أن تظنوا أننا سنتوقف حتى لو تخللى عنا العالم أجمع ,,؟
فلو كنا نريد أن ننتهي هنا ,, ما كنا يوما لنبدأ ,,؟
ماضون حتى النهاية ,, حتى آخر قطرة دماء قد تراق ,,؟

و ستتكسر هنا أصنام الطاغية ليصبح عبرة لكل من يعتبر ,,؟
و سيتوقف هنا المشروع الصفوي الايراني ليجر فلوله و أذياله الى دياره ,,؟
و ستندحر هنا روسيا و تخرج من وطننا و تعزل عن العالم الى غير رجعة ,,؟

شاء من شاء ,, و أبى من أبى ,,؟

مباركة ثورتنا ,, مباركة ثورتنا ,,؟

ثم سمعت دوي انفجار ,, و قذيفة تهبط في ذاك المكان ,,؟
انعدم لدي الاحساس ,, فهل تحولت أكاسيا الى أشلاء ,,؟

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend