بيان .. إلى الشعب السوري – بقلم د. كمال اللبواني


                                                      

تقف الثورة السورية اليوم عند مرحلة فاصلة، تتطلب منا جميعا إعادة تقييم صريحة وجدية وجريئة، لكي نرسم خطواتنا القادمة في مسيرتنا نحو  الحرية المنشودة:

 إن فشل المنظومة  الدولية في التعامل مع الأزمة في سوريا قد كشف عيبا ونقصا لا يمكن تعويضه… فقد عجزت محكمة الجنايات الدولية أن تحاكم جرائم النظام المشينة، بسبب عيب في نظامها… وكذلك جامعة  الدول العربية، والإسلامية، ومجلس الأمن، ومجلس حقوق الإنسان… إن هذه المنظومة عاجزة عن تشكيل مرجعية أخلاقية قانونية سياسية، يجري الاحتكام إليها… وجمعية  الأمم المتحدة لا تتحد على أي مبدأ ولا تدقق في شرعية من يدعي تمثيل دولة معينة، وليس لها ضوابط لذلك… وتستطيع أي عصابة أن تسيطر بالقوة، أو بنفوذ أجنبي على مقدرات دولة ما، لتصبح مطالبتها باحترام حقوق شعبها تدخلا خارجيا… و كذلك تستطيع أي دولة  أن تساعد في فرض نظام على شعب لا يريده بقوة الفيتو أو الدعم العسكري… إنّه لمن  المؤسف الوصول بالشرعية الدولية إلى هذا المستوى من الانحطاط الذي يثير الاشمئزاز، تلك الشرعية التي لن تحظى باحترام شعبنا بعد الآن ، قبل أن يتم  إصلاحها جذريا ..  لقد دفع شعبنا الدماء الغالية والمعاناة المريرة نتيجة ذلك , وهذا ما لا نستطيع أن نتجاوزه أو ننساه ..

إن الشعوب والدول الشقيقة والصديقة مدعوّة  اليوم , لتشكيل مجموعة صداقة واتصال لدعم  الشعب السوري ،  بالشكل الذي تقتنع به ضمائرهم  , وبما يمليه عليهم واجبهم ..  ونحن نحترم هذه الشعوب ونؤمن بأنها لن تخذل الحق ولن تتخلى عن واجباتها ..  ولكن نرجو منها أن تتجاوز هذه العقبات , وتقدم  الدعم  الإنساني والمالي واللوجستي للشعب السوري , لكي يتمكن من تقرير مصيره بحرية.

أما المطلوب من  الشعب السوري فهو رص الصفوف , وتصعيد وسائل معارضة ومقاطعة  النظام , وصولا للعصيان  المدني الكامل .. وسحب القوات  المسلحة من أمرة سلطة عصابة  الشبيحة , وإعادتها لسلطة  الشعب , وهذا يعني العمل المنظم والفعال لتحرير الجيش والأمن , وإفشال مؤسسات  السلطة , وقدرتها على الاستمرار في القمع  .. وهو ما يتطلب مشاركة  أوسع وأشمل .. نقصد بشكل خاص المحافظات والمجموعات والمكونات .. التي ما تزال مترددة في الانخراط الكامل مع الثورة ..  فالوطن في خطر ، وما يجري معيب ولا يجوز  السكوت عنه ، ونحن نعتب على  الغريب فكيف بالقريب ..  ومطالب الثورة محقة وعادلة ..وهي بمجملها مطالب مدنية ووطنية وديمقراطية .. و تضمن حقوق الجميع .. كما وأن جرائم  السلطة بشعة إلى درجة لا توصف ،  والمشاريع اللئيمة التي يديرها أعداءنا تهدف إلى إطالة  أمد  الصراع وتوسيع الانقسامات .. وتضخيم حجم  الدمار ..  بانتظار نضوج الأرضية لإقامة دولة طائفية , تصبح  الملاذ الآمن  الوحيد لرموز النظام المجرمين  الملاحقين وطنيا ودوليا , وتشكل قاعدة عسكرية بشرية متقدمة لأطراف إقليمية ودولية , تتحالف مع  النظام وتتشارك معه بسفك دماء الشعب السوري .. ذلك المشروع الذي سيكون ثمنه الإنساني باهظا جدا ، وما سينتج عنه ليس سوى  دولة مستبدة مسخ ، يعاني مواطنيها من كل أنواع القهر ..  مزرعة لعصابات  المافيا الدولية , و قاعدة لمحور الشر المافيوي الذي قررت روسيا أن تقوده ، والذي سيضطرنا للرد عليه ،  بمشاريع أخرى مضادة تعيد رسم خريطة  المنطقة بالكامل ، بما يحقق الأمن  والسلام ومصالح وحقوق القوميات والشعوب التي تعرضت للظلم والعدوان .

المطلوب منا اليوم هو تطوير وسائل النضال ، والاعتماد  المتزايد على الشباب الثائر المسلح , الذي ينظم صفوفه تحت لواء وعلم  الوطن ,ضمن مسمى  الجيش الحر  : بمجالسه وكتائبه  العسكرية . والتي سيقع عليها مهمة حماية  المدنيين , وتحرير الجيش والجنود من سلطة الإرهاب والتشبيح ، واستعادة  السلاح من أيديهم . وإسقاط  النظام  , وحماية  الوطن , ومنع تقسيمه , ومنع أي احتكاك أو انتقام طائفي .. وهذا يعني أن تعطى الشرعية  والأولوية , للعمل المسلح وللجيش الحر البطل,  الذي هو  أداتنا الأساسية في انتزاع حريتنا ,من عصابة إجرامية مدعومة من  الأعداء ، الذين يريدون أن يفرضوا علينا  ما لا نريده ولا نرضاه , بكل الوسائل الوحشية والهمجية . والذي لن نقبل به مهما كان  الثمن وغلت  التضحيات .

والمطلوب من رموز المعارضة ، أن يفعّلوا عملهم ويطوروه ..  فليس المطلوب في هذه  المرحلة تشكيل مجلس وطني يمثل الشعب السوري كله ، لأن هذا يحدث فقط بواسطة انتخابات حرة ..  وليس المطلوب منه أن يمثل أيضاً كل المعارضة .. أو من يدعي أنه معارضة .  ما نريده بالتحديد  هو هيئة خارجية تمثل الحراك  الثوري في الداخل ,  مجلس مصغر مسمى من الداخل ،وحكومة مؤقتة : لها مهام محددة هي : التواصل مع  المجتمع  الدولي ..  تأمين  الدعم المالي والعيني  ..  تنظيم  آليات إيصال الدعم , والمساعدة في تنسيق العمل  الداخلي .. بهدف وحيد هو حماية  المدنيين وإسقاط  النظام ..

اليوم مطلوب من  المجلس الوطني السوري أن يحل هيئاته العليا ,  ويطلب من  الداخل اختيار أو تسمية من يمثلهم ..ليتم هذا الاختيار من قبل المجالس المحلية  الموحدة وفقا للمناطق الجغرافية ..  فمن دون توحد  الداخل لن يتوحد العمل في الخارج .. وكل عمل حزبي يجب أن يؤجل لصالح  العمل الوطني .. بانتظار إيجاد مناخ سليم للممارسة  السياسة ونشاط   الأحزاب وفق آليات  الديمقراطية .. وأخطر ما  يمكن أن نقع به هو تشكيل منظمات عسكرية حزبية .  مرشحة للصراع في أي وقت ، وعرضة لكل الفتن .

 لتتشكل بموجب ذلك أمانة عامة بحدود خمسين عضوا ممن يسميهم  الداخل فقط , و التي تتشاور فيما بينها ومع المجلس الوطني . لتشكيل حكومة مؤقتة مكونة من خمس وزارات هي: الخارجية والقانونية والدفاع والمالية والاقتصاد ، على أن تتشكل هذه  الحكومة بقرار من الهيئة وتحل كذلك , وتحاسب وتراقب من قبلها ومن قبل الداخل ..  الذي له الحق بسحب الثقة من ممثليه وتسمية غيرهم متى شاء .

أما  المجلس الوطني الحالي فيجري توسيعه ليشمل أكبر عدد من  الرموز والأحزاب ومنظمات المجتمع ، وتحضيره كهيئة استشارية تقوم بقيادة المرحلة الانتقالية .. بعد سقوط النظام ، حيث لا بد من تشكيل حكومة وحدة وطنية , تدير مرحلة انتقالية تكون بإشراف المجلس الذي استكمل بناء نفسه وتنظيم عمله ..أما حاليا فدوره هو أن يساهم في الثورة السورية بنشاطاتها المتنوعة وبحسب لجانه المختلفة ومواهب أعضائه وأدوارهم  السياسية والثقافية والإعلامية .. ولا يجب أن يعتبر ذلك انتقاصا من قيمة أحد ولا انقلابا على أحد .. بل بالعكس وضع الأمور  في إطارها الصحيح المفيد .. وتجربة أشهر قد وضّحت للجميع إمكانات وقدرات هذا المجلس وكل عضو فيه ..  ويجب أن يعود  القرار للناس وللداخل في كل تمثيل أو تفويض .

اليوم كل الشعب السوري المبدع تفتحت مواهبة , وبرزت إمكانياته  الجبارة  القادرة على رسم مسار ثورته , وفرض إرادته   على  الجميع ليكون سيد نفسه في وطنه ..  هذا الشعب البطل الذي غاب طويلا واعتبر مفقودا ، ولم يتوقع أحد منه أن يعلن وجوده وإصراره بهذه الطريقة , التي تثير إعجاب العالم  أجمع ، هو شعب قادر بإذن الله على تطوير ثورته وإنجاحها ، ومن ثم بناء الدولة الحرة الديمقراطية المدنية البرلمانية , التي تتسع لجميع مكونات  المجتمع  السوري , بكل أطيافه ، وبشكل خاص للمكون  الكردي الذي لا يجب أبدا  التنكر  لأي من حقوقه  المشروعة.

كما أننا لسنا بحاجة لتطمين  أحد من مكونات  الشعب السوري ..  لأن وجودنا معا بديهي وتاريخي وليس موضوع نقاش .. وفي قضية  الحقوق لا توجد أقليات ولا  أغلبية ..  فالحق واحد ومتساوي للجميع  .. ونحن نأمل ونطمح إلى إنجاز ثورتنا  الديمقراطية  الحقوقية  الحضارية .. ونثق كل الثقة بشعبنا ونعمل في خدمته ومن أجله ..  ونحترم كل الديانات . وكل القيم  الإنسانية .. ونؤمن بالله  العلي القدير وبنصر الذي وعد .

وليسقط نظام الطاغية ولتبقى سورية وطن الحرية

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend