اللغة والحضارة – د.خالص الجلبي

اللغة تعبير عن واقع الحضارة، فإن هبطت هبطت اللغة، والعرب اليوم في انحطاط، ولذا فاللغة العربية مهددة بالزوال، كما كان العرب مهددين بالزوال. والزوال ليس عضويا بل ثقافياً، ولذا تحدث القرآن عن موت الأمم، وهو غير موت الأفراد، فقال: “ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون”.

وذات يوم وجدت الأمم الغالية والقرطاجية والفرعونية، وحالياً لا يوجد فرد واحد ينطق بالديموطيقية أو الهيروغليفية. وقد يحدث هذا مع اللغة العربية، فتتحول إلى لغة الكهنة مع الطقوس الدينية، كما يقرأ البنغالي والهندي والسندي والتركي القرآن ولا يفهم منه كلمة.

وحالياً توجد في العالم ستة آلاف لغة تنقرض بأسرع من انقراض الحيوانات النادرة والحشرات الغريبة وفصائل النمل والفراشات، ويتم كل ذلك على حساب امتداد مجموعة من عدة لغات لأمم تنتج المعرفة، وتكتسح العالم بثقافتها، كما هو الحال مع اللغة الإنجليزية.

ولأن اللغة العربية لا تنتج المعرفة؛ فهي في طريقها إلى الموت، مثل أي مريض مدنف شارف على الموت.

وأذكر من تجربتي الشخصية في بلد خليجي أنه، وأثناء تفقد السجلات الطبية، راع الطبيب الهندي المكلف بوظيفة المدير الطبي، أن يقرأ اللسان العربي في سجلاتي الطبية، بجنب اللغة الإنجليزية، وهو أمر اعتدت عليه، لأني في بلد عربي ولقناعتي أن أقرب شيء للإنسان ثلاث: لغته ودينه واسمه!

هكذا خيل إليّ، ولم أعرف معنى الاستلاب الكامل، حتى جاءتني رسالة المدير الطبي الهندي تحذر وتنذر، وتلفت نظري إلى هذا الخطأ الفادح! قال في خطابه: إن اللغة العربية غير مصرح بها، أي غير مسموح بها في هذا البلد العربي الأمين! وهنا أدركت أن محنة العربية متعددة الجوانب مثل كل محن العرب.

ففي يوم كنت استمع إلى حوار بين طبيب نيجيري ومريض سعودي وهو يسأله عن شكواه، فكانت مسرحية كوميدية تعجز عنها الأوبرا الفرنسية؛ لأن السعودي كان يتكلم باللهجة المحلية، ولم تكن حتى بالعربية الفصحى! والطبيب النيجيري يشتغل عقله على ثلاث موجات، لفهم الكلمات بثلاث ترجمات: الأولى من العربية إلى الإنجليزية، والثانية من العربية باللهجة المحلية إلى الفصحى، والثالثة من لغة الثقافة إلى لغة المصطلحات الطبية؛ فعليه أن يعرف أن كلمة “حمّ” هي ارتفاع الحرارة، وأن “الكتمة” هي ضيق النفس، وعليه أن يفك سر كلمة “الفحمة” التي تعني السواد باللغة العربية، لكنها شكوى عند المريض تشير إلى قلبه.

ونفس النيجيري أو الهندي -وهم كثر- يتكلمون الإنجليزية بطريقتهم الخاصة، فيرطنون بالإنجليزية المكسرة من سهول كيريلا وساحل أفريقيا وأحراشها.

وهذا معناه أنه يجب إضافة ترجمة رابعة، إلى الترجمات الثلاث السابقة من إنجليزية ويلز ونيويورك، إلى الإنجليزية النيجيرية أو الهندية!

كنت أراقب تلك الكوميديا وأتذكر رحلتي للاختصاص في ألمانيا، ومعهد جوته لتعلم اللغة الألمانية. كنا نقرأ إعلانات تقدم عروضاً للأطباء الأجانب، لكنهم كانوا يكتبون في الإعلان بشكل واضح أن شرط الفوز بالوظيفة ومعها الراتب المضمون هو: التمكن من اللغة الألمانية كتابة ونطقاً: وأول ما بدأت رحلتي في ألمانيا كان عليّ الإمساك بمفتاح كل المفاتيح، أي اللغة، فمن نطق الألمانية فتح المجتمع الألماني بابه على مصراعيه أمامه.

وهكذا ذهبنا إلى دورة مكثفة في معهد “جوته” في الجنوب الألماني، وكان يمكن في دول الخليج مثلا أن تنشئ معاهد للغة العربية كشرط لعمل أي قادم إلى هذه البلاد لكسب رزقه، سواء من مانهاتن في أميركا، أو من جزر اليابان وساحل العاج وغواتيمالا.

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend