عشرة أخطاء للثورة في عشرة أشهر !

 الأيام: هذه المقالة لا تعبّر عن رأي الأيام ولكنها تشمل أفكاراُ يجري تناقلها على ألسنة السوريين في العديد من الندوات
عن طباشير
عشرة أخطاء للثورة في عشرة أشهر !
1. اسقاط النظام غاية أم وسيلة ؟ :
بداية، بالنسبة للكثيرين ( و أنا منهم ) كانت فكرة إسقاط النظام ( حتى قبل الثورة ) هو الوسيلة للوصول بسوريا إلى مكانة أفضل و فتح آفاق جديدة للسوريين كي يبدعوا و ينجزوا و يبنوا سوريا على أفضل صورة ممكنة لأنّ النظام و فساده ُ هو ما يؤخر ذلك. أمّا و قد أصبح، سواء ً لكثرة الدم الذي أراقه ُ النظام (إن كان في هذه الفترة أو في الثمانينيات أو لأسباب أخرى أكثر ثانويّة منها سيطرة بعض الحاقدين على الخطاب الثوريّ)، أصبح َ إسقاط النظام هو غاية و لم يعد مجرّد وسيلة بالنسبة للكثير من الثوار. أصبح “إسقاط النظام” هو الإنتصار بحدّ ذاته في حين أنه ُ وحده لن يقدم شيئا ً ما لم تتبعه ُ مرحلة انتقالية بأهداف نبيلة و سلمية. و إذا رضينا بالتسليم، جدلا، بعكس هذه الأهداف النبيلة و السلمية و الأخلاقيّة في سبيل إسقاطه فلن نكون قد استفدنا شيئا. تبديل الطاغية بطاغية و الدكتاتور بدكتاور ليس انتصارا ً ، بشار الأسد ليس َ إلّا شخصاً، رقماً من الأرقام في لائحة الدكتاتوريين ، و أن يصبح هذا الشخص الواحد هدف الثورة جمعاء، أن يستحقّ هذا الشخص الواحد أرواح َ كلّ الشهداء الذين ماتوا، أن تنقلب المعادلة هكذا، هذا أمر ٌ مخجل بحقّ الثورة و بحقّ الشهداء و السوريين و أهم من كل ذلك بحقّ سوريا الوطن.2. طائفيّة الخطاب الثوريّ :
مع بداية رمضان و مع وحشيّة ما قام به النظام من قتل ٍ و تدمير في كثير من المدن على رأسها حماه التي اقتحمها عشيّة أول أيّام رمضان ، بدأ الخطاب الديني يشدّ غالبية الثوار إليه ، و يحرّك مشاعرهم الدينية مع مشاعرهم الثورية. ربما لم يكن مخطط للأمر كي يكون على هذه الصورة و لكنّ غياب أيّ مكان للتجمّع و غياب أي خطاب  عدا الخطاب الديني جعل َ من المشاعر الدينية و الثورية واحدة ، بشكل ٍ أو بآخر ، مما بدأ ينحو بالثورة بالإتجاه الديني . الدين هو حالة روحية قد تكون رائعه و لكنها تظلم و تنظلم عندما تـُسلّم مهام قيادة ثورة أو بلد. الدين مشاعر و المشاعر ظالمة و لا تسمح للمنطق بالقيادة – يمكن قياس ذلك على شخص ٍ عاديّ و كيف يمكن أن يتصرّف حيال من يقترب ُ ممن شيء يحبّه  و كيف يمكن لشخضٍ غريب أن يتصرّف حيال نفس الموقف بمشاعره المحايده و ليست مباشرة ؛ المشاعر تظلم شئنا أم أبينا الإعتراف بهذا و الدين هو مشاعر و عواطف و سيظلم دون أن يرى تابعه ُ ذلك مثله ُ كمثل أيّة مشاعر أخرى تسيطر على البشر.
لا أنفي أنّ ما لاقاه ُ الشارع السوري من خذلان من أقرب و أغرب الذين َ كان يعتمد ُ عليهم للوقوف بجانبه ، يدٌ بالإنجراف وراء الخطاب الطيني الذي من نتائجه يأتي هذا هو الإنطواء الواسع للكثير من الثوار تحت َ المظلّة الدينية أولا ً و ربما الطائفيّة ثانيا ً ، لأنّ الإنسان يشعر بالأمان ضمن الجماعة و كلّما ضاقت الجماعة كلّما زاد الأمان . تختلف ُ هذه “ الجماعة “ بإختلاف الشخص و أفكاره و هي في أغلب الحالات تنطلق من العائلة إلى الأصدقاء و من ثمّ تتفرّع حسب أولويات الأشخاص .و عندما لم يكن طوال أشهر ( و أعوام من قبلها في ظلّ النظام ) هناك َ أيّ جماعة يشعر الإنسان السوري ضمنها بالأمان سوى الجماعة الدينية كان من الأسهل جرّ الثورة إليها ( و هذا يخدم النظام ليركب َ عليها بعضا ً من نظرياته ) فظهر أشخاص كالعرعور  طائفيون ، همجيون ليخاطبوا الشعب بإسم الدين الذي بات صوته ُ أعلى و معه بات َ صوتهم مسموعا ً في حين أنهم في الأحوال العادية قد لا يكون لهم نصيب من أذن الشارع السوريّ.

3.خطاب الثورة للفئة الصامتة :
مع الأخذ بالعين الإعتبار النقطه السابقة ، لا أستغرب وجود فئة كبيرة من الشعب السوري تجد نفسها في الصمت ، فهي واقعه بين النظام الشرس الذي لا يرحم و الثورة ، التي بدورها لا ترحمهم و تثقلهم بصمتهم فهي ما برحت تشير ُ بإصبعها عليهم و تحملهم مسؤوليات و غيرها. صديقتي التونسيّة كانت تسألني كلّما دار الحديث حول الأوضاع في سوريا “ لماذا تركز الثورة السورية جهودها ضد الشعب ( الفئة الصامتة ) ؟ “.
ماذا قدمت الثورة للفئة الصامتة ( الخائفة ) منذ ُ بداية الثورة و حتّى الآن ؟ ماذا قدمت الثورة لهم سوى المزيد و المزيد من اللوم و العتب ؟ ماذا فعل الثوار كي يـُطمئنوا هذه الفئة و يدفعون بها كي تكون جزئا ً من الحراك سوى رفع الأصابع في وجههم و التأشير عليهم و شتمهم باللاإنسانية و الـ “ مافي ناموس “ ؟ ماذا فعلت الثورة مع اللأقليات التي أرعبتها المظاهر الدينية و بعض الحالات الفردية الطائفية من أو ظلم ٍ أو إنتقام حاقد ؟ هل تقرّبت الثورة من هذه الفئات بابتسامة الأمّ المحب أم بعبوس الإستاذ الذي لن يتردد عن رفع عصاه ُ في وجههم و التهديد و الوعيد و العقاب ؟

4. صفحة الثورة :
صفحة الثورة و منذ ُ البداية كانت ذات توجه ٍ حاقد النبرة ، موجهة ضدّ بشار الأسد نفسه ُ ، تخاطب النظام بلهجته ُ و لا تتوانى عن السب و الشتم في كلّ من يعارض ُ طروحاتها.
مع العلم أنه ُ إذا كنّا أكثر شفافية بالطرح فإن صفحة الثورة ليست هي من أطلق َ الحراك في سوريا ، إنما من ركبه ُ و شدّه إلى جوادها ضمن ازدحام الصهيل . في 17 شباط كانت حادثة الحريقة ، و من ثمّ في 14 آذار كان من المقرر لأهالي المعتقلين الإجتماع أمام مبنى الداخلية للمطالبة بالمعتقلين و اعتقل في يومها ( أي 14 آذار ) عدد من المعتصمين مما حرّك الغضب في نفوس البعض للخروج يوم 15 بالتزامن مع دعوة من صفحة الثورة و ليس َ لأنّ صفحة الثورة أوعظت بذلك و حسب، و حتّى بعد ذلك لم تكن للثورة أن تشتعل حقّا ً لو لم يكتب الأطفال في درعا ما كتبوا من عدوى الشعارات الثورية و تهبّ درعا كي تؤكد أنّ “ الشعب السوري ما بينزل” !
مع ذلك فلا مشكلة ( بل من المرحب به )  أن يكون هنا تجمّع منظم لشعارات و أخبار الثورة في صفحة الثورة ( و ليس صفحة الثورة ضد بشار ! ) إلّا أن التوجه الذي اتبعته ُ صفحة الثورة التي نصّبت نفسها “دكتاتور الثورة “ الذي لا يسمح لأحد ٍ يختلف معها في الرأي بالتعبير عن رأيه ِ !

5. عمليات الجيش السوري الحر :
بعد أشهر من الموت و الموت فقط تحت َ بند السلمية الذي رفعه ُ الشارع في سوريا على مدى أشهر ، كان الشعب بحاجة لمن يحميه و يدافع عنه ُ، لمن يشعربالأمان لوجوده أو ذكر إسمه، فكان الجيش السوري الحر الذي شكلته ُ العناصر و القوات المسلحة المنشقة عن الجيش الرسمي للبلاد بعد َ أن نصّب الأخير نفسه ُ ( أو نصبه ُ النظام الفاسد ) جيشا ً يدافع عن الأسد و نظامه . الجيش السوري الحر ، فكرة ربما لا تكون إيجابية أو مفيدة للثورة بالصورة العامة لكنها يمكن ُ أن تكون مقبولة نوعا ً فهي أفضل من تسلّح المدنيين و التخلي عن سلمية المظاهرات . المشكلة الحقيقية وقعت عندما بدأ الجيش السوري الحر يقوم بتبني عمليات تستهدف الجيش العام أو مراكز تابعه للنظام بإسم الثورة و الجيش الذي ارتبط إسمه ُ بالثورة . فالدفاع عن النفس و الشعب يختلف ُ كثيرا ً عن الهجوم ، و القبول بهذا ( لو جدلا ً ) يـُضرّ بالثورة و ثوارها و مبادئها.

6. الخلاف بين َ فئات المعارضة :
و أعني بفئات المعارضة بشكل خاص هيئة التنسيق و المجلس الوطني . إنّ كلّ من الجهتين المذكورتين يتصارع باللهث وراء الشارع السوري ( الذي أثبت أنه ُ أكثر وعيا ً من كليهما ) و لكن شئنا أم أبينا فإنّ الثورة بحاجة لفكر ٍ سياسيّ يقودها . و أجد ُ إنه ُ من المؤسف جدّا ً أن معارضي الداخل المتمثلين بفنانيين و كتاب و صحفيين و مفكرين هم أكثر نزاهة و ثورة من المعارضة الخارجية المتمثلة بالسياسيين.
تمّ تشكيل المجلس الوطني و رفع َ الشعب اللافتات التي تحمّله مسؤولية تمثيله ُ ( المجلس الوطني يمثلني ) و التي يبدو أن المجلس الوطني فهما على أنها تكريمٌ و تمجيدٌ  له و لشخصياته و لم يتحمّل المسؤولية الحقيقة التي كان يتمنى منه ُ الشعب أن يحملها. فحتى لحظه كتابة هذا البند و المجلس الوطني مازال يتخبط ليس َ فقط بحواراته الداخلية بين أشخاصه و بما يصرّح به أعضاؤه على شاشات الفضائيات إنما بما يعلنه و يصرّح به ثم يتراجع عنه  أيضا ً  حتّى  أصبح َ نكتة بين كثير من الأوساط لكثرة تقلباته .

7. اتباع سياسة النظام نفسه ُ للقضاء على النظام :
العديد من وسائل النظام لم تكن غريبة على الثورة على طوال العشرة أشهر ( الهمجيّة ، تبجيل الأشخاص ، الضغط ، الترهيب و العنف و غيرها من أساليب النظام ) ، ربما أنها كانت نادرة في بعض المناطق و الأوقات و أكثر شيوعا ً في بعض المناطق و الأوقات الأخرى و لكنها في جميع أوقات تواجدها كانت ضارة بالثورة . نحن ُ شعب ربينا في ظلّ نظام ٍ قمعيّ جدا ً ، و في شرقٍ إجتماعيّ قمعيّ أيضا ً ، مــُرس بحقنا القمع و الضغط النفسي منذ ُ الولادة ب  قدر مافي الهواء من ضغط ٍ لا نشعر ُ به لأنّه الحالة الطبيعية للتنفس ، و كذلك الأمر بالضغط النفسي القمعي الهمجي و التعلّق بشخصيّة ٍ و تبجيلها ، لكنّ أليس َ هذا ما نثور عليه يا أصدقاء ؟ أليس َ ما نثور من أجله هو التخلص من هذا الضغط و هذا القمع و هذا التبجيل و هذا العنف و هذا الذلّ و هذا الخوف ؟

8. مصداقية الثورة :
وقعت الثورة في أكثر من مصيدة نصبها لها النظام في مصداقيتها. لكن هذا لا ينفي أنّ عدد من الذين يستغلون الثورة  لصالحهم أو لصالح النظام أو جهات معينة أخرى لم يوفروا في الطعن في مصداقية الثورة عن طريق إطلاق الشائعات التي قام البعض بتناقلها عن ثورة قلب و حرقة . الكثير من ثوار الإنترنت يتناقلون الأخبار دون الرجوع إلى مصدر ٍ موثوق – لندرة وجود مصدر موثوق في كثير من الأحيان – ، لكن هذا لا يمنع بأنه ُ و بعد عشرة أشهر أصبح كلّ منا لديه عدد من الأشخاص الذين يعتبرهم ، بشكل ٍ أو بآخر ، مصدرا ً موثوقا ً يمكن ُ الرجوع إليه للتأكد من مصداقية الأخبار قبل تداولها.

9. المقارنة بالثورات الأخرى و الإحباط:
كثير جدّا ما نسمع أحدهم يقارن وضع الثورة في سوريا بوضع ثورات أخرى سبقتها (عن طيب نيّة أو محاولة للتفكير و الوصول لأفضل الطرق للتخلص من النظام و اسقاطه)  . فيقول قائل أن النظام في سوريا لن يسقط سلميا ً و يستشهد ُ بوضع ليبيا التي ، و حسب رأيه ، ما كانت لتستطيع التخلص من القذافي لولا التدخل الدولي ! و يضيف ُ بأنّ الجيش في سوريا يختلف عن باقي البلدان و هو أشبه بالجيش الليبي الذي قتل المدنيين للدفاع عن القذافي . و يقول آخر أن الوضع في سوريا يدخل في الشهر العاشر بينما تحتفل ُ تونس بعام ٍ على هروب بن علي الذي لم يستغر غير شهر ٍ واحد بالتقريب و و و .. في حين أن هذا الكلام محبط جدّا ً . الشعب السوري شعب ٌ رائع بكل المقاييس ، تحمّل على مدى ما يقارب النصف قرن الكثير حتّى ما عادت الشمس ُ تعرف ُ ماذا تحت تلك الجباه التي هي الاخرى تحرقها بأشعتها . و دعوني أذكر بأنّ ثورة الشعب في سوريا كانت من معجزات الثورات في التاريخ ، كبرت ُ في سوريا و أنا أؤمن بأنّ خلف َ كلّ باب أو نافذة يقف ُ رجل ُ أمن ، و الشعب السوريّ الذي من عمره سبع سنوات في صفّ الأوّل ينتسب إلى ما يسمّى طلائع البعث قبل أن يتعلّم القراءة ، الشعب السوري كلّه عاش َ ينظر ُ من النوافذ قبل قراءة برج الأسد ، لهذا كلّه و لأسباب أكثر بكثير فإنّ هذه الثورة معجزة مباركه و مقارنتها بأيّ شيء آخر هو ظلم للثورة و لثوارها و شهدائها ، لكلّ دولة ٍ و لكل شعب حالته ُ الخاصة و سوريا لها حالتها الخاصة و شعبها الخاص جدّا ً و الرائع جدا ً و لذلك هي لها ثورتها الخاصة جدا و التي ستنتصر ُ بخصوصيتها.

10. انعدام النقد و غض النظر :
أخيرا ً أعتقد أنّ الخطأ الأكبر دائما ً هو الصمت عن كلّ ما سبق و رؤية الأخطاء و التغاضي عنها تحت َ مسمى الصفّ الواحد . فهذا الرخاء هو أوّل الفساد و نحن ُ لا نريد ُ لثورتنا أن تفسد يوما ً لذا سننتقد و ننتقد . عدم النقد جريمة بحقّ الثورة و هي جريمة مـُرست من قبل الكثيرين ( و أنا منهم ) عن تضحية و رغبة بتوحيد الكلمه ضد فاشيه النظام ، فعلى الرغم من أخطاء صفحة الثورة الكثيرة من تسمية الجمع إلى الإسلوب الإقصائي و غيره ُ مما تمارسه ُ هذه الصفحة و القائمين عليها لم يكن من المسموح نقدها أو نقد العديد من التصرفات الطائفيّة أو الهمجية التي تحصل في الشارع ( كحمل السلاح و الخطف و الترويع و العمليات التي يقوم بها الجيش الحر و غيرها كثير ) ، كلّ ذلك تحت عنوان ٍ عريض من “وحدة الصفّ “ و لكي لا تتفرق صفوف المعارضة في هذه المرحلة المحرجة . فأصبحت هذه الجماعات تعتبر ُ نفسها ( و يعتبرها الشارع ) كالنظام ، مرفوعه عن النقد و بالتالي معصومة عن الخطأ ، و عندما يصبح الجو العام المحيط هو جوّ من المدح و التصفيق حتى لمن يمارس الشتم و التهديد أو الضرب و إلغاء الآخر نكون قد بدأ الفساد يأكل ُ الدرجة الأولى من السلّم. لذا سننقد و سنتكلم و لن نسكت عن أيّ خطأ أو عنف يمارسه ُ سوري ( ثائر كان أم شبيح ) بحقّ سوري ّ آخر ، فالثورة لسوريا و شعبها بجميع أطيافه و ملله و آرائه ، الثورة لسوريا و للإنسان في سوريا قبل أيّ شيء !

اشترك في قائمة البريد

"الأيام في هذا الأسبوع" رسالة إلكترونية تسلط الضوء على أبرز ما نشر في جريدة الأيام السورية، إضافة إلى باقة من المواضيع الترفيهية والطريفة. للإشتراك في القائمة البريدية، يرجى وضع عنوان بريدك الإلكتروني واسمك، ثم اضغط زر "اشترك الآن".

يرجى مراجعة البريد الوارد الخاص بك! يتم إرسال البريد الإلكتروني التحقق لك.

حدث خطء ما. يرجى المحاولة لاحقا

قد يعجبك ايضا

تعليقات

Send this to a friend